طرابلس- لم يعد مشوار الخبز اليومي في ليبيا يعني النزول إلى أقرب مخبز وشراء الاحتياجات المعتادة، بل تحول إلى البحث عن مخبز لا يزال مفتوحا، وكمية تكفي، وسعر يستطيع رب الأسرة تحمله، ومع تراجع إنتاج بعض المخابز وإغلاق أخرى، أصبح الحصول على الرغيف نفسه جزءا من كلفة الأزمة التي بدأت بالكهرباء والوقود وامتدت إلى موائد الليبيين.
وخلال نحو أسبوعين، تضاعف سعر الخبز في عدد من المخابز، بعدما كان المواطن يحصل على 3 قطع بدينار واحد (نحو 0.16 دولار)، ليصل سعر القطعة الواحدة إلى نصف دينار (نحو 0.08 دولار).
ومع ارتفاع الأسعار، شح المعروض في مخابز لا تزال تعمل، لتتحول أزمة الرغيف من مسألة تسعيرة إلى أزمة في الوصول إليه.
ولا تقف المشكلة عند سعر الخبز، فهي نتيجة سلسلة من الضغوط تبدأ من ارتفاع كلفة الدقيق ومدخلات الإنتاج، وتمر بانقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار الوقود اللازم لتشغيل المولدات، قبل أن تصل في النهاية إلى المواطن الذي يجد خبزا أغلى ومخابز أقل.
ويقول المواطن فرج علي، للجزيرة نت، إن كثيرا من المخابز أغلقت أبوابها خلال الفترة الأخيرة بسبب الانقطاعات المتكررة للكهرباء وصعوبة الحصول على الوقود وارتفاع أسعاره، إلى جانب الزيادة الكبيرة في أسعار الدقيق.
ويضيف أن بعض المخابز عادت إلى العمل، لكن بأسعار جديدة، محذرا من أن استمرار الأزمة سيضاعف الأعباء على الأسر، خصوصا الكبيرة منها، وقد يدفعها إلى التخلي عن احتياجات أخرى لتأمين الغذاء الأساسي.
في أحد المخابز بطرابلس، يقول مسؤول المخبز، حسن المصري، إن ارتفاع تكاليف الإنتاج أدى إلى تراجع إنتاجهم بنحو 30%، رغم استمرارهم في العمل بالأسعار وساعات التشغيل نفسها.
ويعمل المخبز نحو 12 ساعة يوميا، لكن استمرار العمل بات أكثر صعوبة مع انقطاع الكهرباء، ما يدفعه إلى الاعتماد على مولده الخاص.
ولا تتوقف المشكلة عند الكهرباء، فالديزل الذي كان يصل إلى المخبز عبر البلدية بسعر مدعوم تراجعت كمياته بشكل كبير، ما اضطر القائمين عليه إلى شراء الوقود من السوق الموازية بسعر يصل إلى 7 دنانير للتر (نحو 1.1 دولار).
وتظهر المشاهد التي وثقتها الجزيرة نت مواطنين ليبيين يصطفون بسياراتهم أمام محطات الوقود، بينما يحمل آخرون عبوات كبيرة لتعبئة مولداتهم الخاصة، في انعكاس مباشر لاتساع الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة مع استمرار انقطاع الكهرباء.
وبالنسبة للمخابز، يعني ذلك أن كل ساعة إضافية من انقطاع التيار تتحول إلى تكلفة جديدة تضاف إلى سعر الرغيف.
أما خليفة العماري، صاحب مخبز البقار، أحد المخابز الرئيسية في منطقة عين زارة بطرابلس، فيقول للجزيرة نت إن إنتاج مخبزه تراجع بنحو 70% بسبب أزمة الكهرباء ونقص الوقود وارتفاع أسعار الدقيق.
ويحتاج مخبزه، بحسب قوله، إلى نحو 3 آلاف لتر من الديزل كل 20 إلى 25 يوما، وكان يحصل عليه بسعر مدعوم يبلغ نحو ربع دينار للتر (نحو 0.04 دولار)، لكنه يضطر عند توقف الإمدادات إلى الشراء من السوق الموازية بأسعار تراوحت في بعض الفترات بين 8 و10 دنانير للتر (نحو 1.26 و1.57 دولار)، مع صعوبة الحصول عليه حتى عند الاستعداد لدفع هذه الأسعار.
ويقول العماري إن سعر قنطار الدقيق (100 كيلوغرام) ارتفع من نحو 232 دينارا (نحو 36.5 دولارا) إلى 280 دينارا (نحو 44 دولارا)، قبل أن يصل أخيرا إلى نحو 300 دينار (نحو 47 دولارا).
ورغم أنه فكر أكثر من مرة في إغلاق المخبز، فإنه يتراجع بسبب ارتباط المشروع بمصدر دخل العاملين فيه، ورأس مال تصل قيمته إلى نحو 600 ألف دينار (نحو 94.3 ألف دولار).
وفي تجربة أخرى، يقول صاحب مخابز قورينا، يعقوب، للجزيرة نت إنه اضطر بالفعل إلى إغلاق أحد المخبزين بعد أن أصبحت ظروف التشغيل أكثر صعوبة، فيما يحاول الإبقاء على المخبز الثاني مفتوحا رغم تكبد خسائر يومية تقدر بنحو 800 دينار (نحو 126 دولارا).
ويضيف أن الديزل الذي كان يحصل عليه من البلدية بسعر مدعوم انقطع، بالتزامن مع انقطاعات متكررة للكهرباء، ما دفعه إلى تشغيل المولد بالوقود الذي يشتريه من السوق الموازية بأسعار تتراوح بين 9 و10 دنانير للتر (نحو 1.42 و1.57 دولار).
ويقول إن المخبز توقف عن العمل عدة أيام بسبب انقطاع الكهرباء وعدم توفر الديزل، موضحا أن العجين لا يحتمل التوقف طويلا ويفسد خلال نحو ساعة، ما يحول كل انقطاع إلى خسارة مباشرة.
ويضيف أن استمرار شح الديزل قد يضطره إلى إغلاق المخبز الثاني أيضا، وهو ما يعني خسارة الاستثمار وموارد رزق العاملين معه.
وتكشف تجربة يعقوب جانبا آخر من الأزمة، فالمشكلة لم تعد فقط في ارتفاع تكلفة إنتاج الرغيف، وإنما في قدرة المخبز نفسه على الاستمرار في الإنتاج من الأساس.
لكن الوقود والكهرباء ليسا وحدهما وراء الأزمة، وفق رئيس اللجنة العليا لمتابعة المخابز علي أبو عزة.
ويقول أبو عزة، للجزيرة نت، إن المخابز تعمل منذ يناير/كانون الثاني تحت ضغط تآكل هامش الربح، مع ارتفاع مختلف مدخلات الإنتاج وتراجع قيمة الدينار.
وبحسب الأرقام التي قدمها:
ويضيف أبو عزة أن تكاليف العمالة ارتفعت بنسب تراوحت بين 25% و100%، بينما زادت أسعار المعدات وقطع الغيار بنسب بين 16% و70%.
ويقول إن الكميات المخصصة لبعض المخابز من الوقود تتراوح بين 3 و4 آلاف لتر، في حين قد يصل استهلاك بعضها إلى نحو 12 ألف لتر، ما يدفعها إلى البحث عن الوقود خارج المنظومة.
وحذّر من أن استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج مع بقاء تسعيرة الخبز الحالية قد يدفع مزيدا من المخابز إلى الإغلاق أو تقليص وزن الرغيف.
بالنسبة للمواطنة سيرين خليفة، لم تعد المشكلة مرتبطة بالسعر فقط. وتقول للجزيرة نت إن الحصول على الخبز أصبح أكثر صعوبة خلال الأيام الأخيرة، مع إغلاق عدد من المخابز ونفاد الكميات سريعا من عدد آخر.
وتضيف أنها لاحظت ارتفاع الأسعار وتقلص حجم الرغيف في بعض المخابز، معتبرة أن الانقطاعات الطويلة للكهرباء وصعوبة توفير الديزل لتشغيل المولدات من أبرز أسباب الأزمة.
في المقابل، يرفض أبو عزة اختزال الأزمة في مواجهة بين الخباز والمواطن، ويقول إن الطرفين يدفعان ثمن ارتفاع تكاليف المعيشة والإنتاج، فيما يجد صاحب المخبز نفسه أمام خيارين صعبين: الاستمرار بالخسارة أو رفع السعر وتقليص الإنتاج، وربما الإغلاق.
ويطالب بتدخل يشمل دعم الدقيق والمواد الأساسية، وتسهيل توفير الوقود والكهرباء للمخابز، وتشديد الرقابة على أسعار مدخلات الإنتاج، وإعادة النظر في تسعيرة الخبز.
وبين طوابير الخبز ومحطات الوقود، تبدو أزمة الرغيف في ليبيا صورة مصغرة لضغوط اقتصادية أوسع؛ كهرباء تنقطع، وديزل يصبح أكثر كلفة، ودقيق ترتفع أسعاره، ومخبز يقل إنتاجه، قبل أن تصل الفاتورة في النهاية إلى المواطن.
والسؤال لم يعد فقط: كم أصبح سعر الرغيف؟ وإنما كيف يمكن الحفاظ على وصوله إلى موائد الليبيين، بينما تتزايد كلفة إنتاجه يوما بعد آخر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة