آخر الأخبار

ما زال يتكرر.. 5 عقود ينتظرون ولم يتعلم العرب من خطئهم الأكبر

شارك

أدمن بعض العرب حكاما ومحكومين الرهان على الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، لعل وعسى تأتي بأشخاص يقومون بحل قضاياهم، خصوصا القضية الفلسطينية من دون أن يبذلوا الجهد اللازم لتحقيق ذلك.

وفي كل مرة يفشل الرهان فشلا ذريعا بصورة تشبه إلى حد كبير وقائع مسرحية "في انتظار جودو" التي كتبها الكاتب الأيرلندي المعروف صموئيل بيكيت عام 1948، وعرضت للمرة الأولى عام 1953 وتصنف ضمن مسرح العبث.

ولمن لم يقرأ المسرحية فهي تدور حول شخصيتين رئيسيتين هما فلاديمير "ديدي" واستراجون "جونمو"، يقفان بجوار شجرة في مكان مقفر وينتظران شخصا يدعى جودو، قيل لهما إنه سيأتي ويساعدهما ويغير حياتهما إلى الأفضل، لكن وطوال فترة الانتظار يتحدث الرجلان في أمور كثيرة تبدو أحيانا بلا معنى يتشاجران ويتصالحان، ويحاولان قتل الوقت بأي طريقة، وفي كل لحظة يأتي صبي يخبر الرجلين بأن جودو لن يأتي اليوم، بل سيأتي غدا، وهو المشهد الذي يتكرر حتى تنتهي المسرحية من دون أن يأتي جودو.

جودو في المسرحية ليس مجرد شخص، بل ربما يمثل الأمل أو الخلاص أو المستقبل أو الحل أو المعنى الذي نبحث عنه. والفكرة الجوهرية في المسرحية هي الانتظار وليس الشخص، وكما يقول البعض فإن المأساة ليست عدم حضور جودو، بل في الانتظار، وبالتالي يمكن تطبيق المعنى الكامن في المسرحية على العديد من المجالات في الحياة، أي انتظار قوة خارجية تحل المشكلة بدل أن نتصرف نحن.

وإذا تأملنا غالبية التعامل العربي مع أمريكا وإسرائيل طوال العقود الماضية فهي تشبه إلى حد كبير أحداث هذه المسرحية العبثية.

فغالبية الحكومات، وربما الشعوب العربية تراهن على فوز هذا المرشح أو ذاك في الانتخابات الأمريكية أو الإسرائيلية اعتقادا أنه سيحل الأزمة، ثم يفشل الرهان، وبدلا من أن يفيق العرب من هذه المأساة التي تقترب من الملهاة، يكررون نفس السلوك بصورة تشبه "مأساة أو لعنة سيزيف" في الأسطورة اليونانية المعروفة، حيث غضبت منه الآلهة، وعاقبته بأن يدحرج صخرة ضخمة إلى قمة جبل، وكلما اقترب من القمة تتدحرج الصخرة إلى أسفل، ويضطر إلى البدء من الصفر بصورة أبدية.

إعلان

لا أعرف متى بدأ العرب في انتظار "جودو الأمريكي والإسرائيلي"، لكن يمكن القول إن هذا السلوك تبلور أكثر بعد نهاية حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 التي كانت نموذجا للفعل العربي وليس رد الفعل.

ومع توقيع الرئيس المصري الأسبق أنور السادات اتفاقية السلام مع إسرائيل بجهد كبير من الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في مارس/آذار 1979، بدأ الاهتمام العربي بمن يجلس في البيت الأبيض، أو على كرسي رئيس الحكومة الإسرائيلية.

إسرائيل قبلت الانسحاب من سيناء بعد المعاهدة، ليس حبا في السلام، أو لأن مناحم بيغن كان حمامة سلام، بل لأن مصر انتصرت عسكريا عام 1973، وبالتالي من المهم إخراجها من معادلة القوة العربية الشاملة التي لعبت دورا مهما في الانتصار.

نعم كارتر كان رجل سلام حقيقي خلال حكمه وحتى رحيله عن عالمنا، لكن النقطة الجوهرية التي لم يستوعبها كثير من النخب والحكومات العربية هي أن تأثير الأشخاص والمسؤولين في السياسة الأمريكية والإسرائيلية مهم وموجود، لكنه ليس ضخما، كما هو الحال في بعض الدول العربية.

غالبية الحكومات، وربما الشعوب العربية تراهن على فوز هذا المرشح أو ذاك في الانتخابات الأمريكية أو الإسرائيلية اعتقادا أنه سيحل الأزمة، ثم يفشل الرهان، وبدلا من أن يفيق العرب من هذه المأساة التي تقترب من الملهاة، يكررون نفس السلوك

الرهانات العربية على المرشحين في الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية لم تتوقف، وللأسف فقد صار أقرب إلى الإدمان.
وهناك محطات أساسية يمكن عبرها البرهنة على أن العديد من الحكومات العربية وضعت كل أوراقها في جيب هذا المرشح الأمريكي للرئاسة، أو ذاك المرشح الإسرائيلي، للحكومة.

وربما ما أغرى العرب بهذه الرهانات هو رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين الذي وقع مع منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو عام 1993، ثم اتفاق وادي عربة مع الأردن في العام التالي، وكان ذلك في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون.

عقب ذلك بشهور تم اغتيال رابين عام 1995 على يد المتطرف إيغال عامير، وبتحريض من اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو، الذي تنافس مع مرشح حزب العمل المصنف يساريا شمعون بيريز، الذي راهن عليه العرب كثيرا، لكنه خسر الانتخابات بفارق ضئيل عام 1996، وتلك كانت بداية نتنياهو في رئاسة الوزراء، ولم يتركها إلا قليلا.

رهان العرب أيضا على مرشح حزب العمل ووزير الدفاع الأسبق إيهود باراك الذي نجح وشكل الحكومة عام 1999، وتفاوض مع السوريين في كامب ديفيد، وكاد الطرفان يتوصلان لاتفاق لولا إصرار إسرائيل على حرمان السوريين من مياه بحيرة طبرية.

كما رفض باراك بإصرار الموافقة على أن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وكانت النتيجة الانتفاضة الثانية عام 2000، ومجيء أرييل شارون رئيسا للوزراء في عهد جورج بوش الابن، الذي غزا واحتل أفغانستان في أكتوبر/تشرين الأول 2001، ثم العراق في مارس/آذار 2003.

راهن بعض العرب على بوش ففوجئوا بأنه يريد تطبيق نظرية كونداليزا رايس عن "الفوضى الخلاقة" في المنطقة أو نشر الديمقراطية، التي تبين أن إسرائيل فقط هي التي استفادت منها بتدمير العراق.

إعلان

أحد الرهانات الكبرى للعرب خصوصا النخب والشعوب كانت على باراك أوباما ذي الجذور الأفريقية والإسلامية، لكن بعد فترتين رئاسيتين كانت الحصيلة ضئيلة جدا، فلم يستطع أن يجبر إسرائيل على قيام الدولة الفلسطينية، أو حتى وقف الاستيطان وكل ما فعله كان الامتناع عن التصويت على قرار يدعو لوقف الاستيطان قبل نهاية ولايته الأولى!

لم يتذكر هؤلاء العرب أن أوباما كان رئيسا جديدا داخل منظومة ثابتة، وليس مشروع تغيير في السياسة الأمريكية بالمنطقة. حتى أوباما اكتشف أنه لا يستطيع تحدي الثوابت الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية.

راهنت بعض الحكومات العربية على دونالد ترمب في ولايته الأولى؛ خشية أن تطالبهم هيلاري كلينتون بالديمقراطية، فكانت النتيجة اعتراف ترمب بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، ونقل السفارة إليها، والاعتراف بالسيادة على الجولان، وإكمال تدمير غزة.

بعد ترمب راهن البعض على جو بايدن "الديمقراطي" وأنه سيكون مختلفا عن ترمب في ولايته الأولى، فاكتشفوا أنه كان الأكثر تحيزا لإسرائيل وزارها للمرة الأولى وهي تحارب، وفتح لها خزائن المال ومخازن السلاح وكل أنواع الفيتو والدعم الدبلوماسي بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

لا أعرف متى بدأ العرب في انتظار "جودو الأمريكي والإسرائيلي"، لكن يمكن القول إن هذا السلوك تبلور أكثر بعد نهاية حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 التي كانت نموذجا للفعل العربي وليس رد الفعل

عاد ترمب مرة أخرى واعتقد بعض العرب أنه براغماتي والوحيد القادر على إقناع إسرائيل أو الضغط عليها كي توقف عدوانها ليس فقط على غزة، ولكن على كامل المنطقة، لكن ما تحقق على أرض الواقع أنه كان الأكثر دعما لإسرائيل بين الرؤساء الأمريكيين من أول إطلاق يدها في غزة والضفة ولبنان وسوريا، نهاية بالمشاركة في ضرب إيران في يونيو/حزيران الماضي، ثم في فبراير/شباط الماضي وتوريط المنطقة في حرب ستكون أثمانها فادحة.

ومثلما راهن بعض العرب على شمعون بيريز أو إيهود باراك، فإن بعضهم يراهن الآن على غادي آيزنكوت، أو يائير لبيد، في حين أن مجريات الأحداث في السنوات الثلاث الماضية كشفت أنه لا توجد فروق جوهرية بين كل الأحزاب والقوى السياسية فيما يتعلق بالفلسطينيين.

الجميع صهاينة حتى النخاع، والفرق الوحيد في اللهجة وطريقة القتل، فحكومة الليكود المتطرفة تتحدث عن ضرورة تصفية القضية الفلسطينية علنا وبالقوة بل وشنق الأسرى الفلسطينيين، أما الباقون فيتفقون في الهدف ويختلفون في الوسيلة وأن يكون القتل بقفازات حريرية؛ حتى لا تزيد كراهيتهم خارجيا.

هل معنى كل ما سبق أن الجميع متشابهون؟

الإجابة بالقطع هي لا، فالمؤكد مثلا أن كارتر كان أفضل من ترمب، وكلينتون أفضل من ريغان، وبوش الأب أفضل من الابن، فيما يتعلق بالقضايا العربية، وسياسيا فإن رابين أفضل بكثير إذا قارناه بنتنياهو وعصابة المتطرفين حوله.

ومن المهم دراسة كل مرشح سواء فيما يتعلق بأمريكا أو إسرائيل جيدا، لكن الخطأ الأكبر وربما الخطيئة أن يتحول هذا الرهان إلى كل شيء في حياتنا العربية، بل ووصلنا إلى مرحلة خطيرة للغاية حيث صرنا نراهن على الناخب الأمريكي والإسرائيلي وليس فقط على هذا المرشح أو ذاك.

من الضروري أن نهتم بالانتخابات الأمريكية؛ لأن أمريكا أقوى دولة في العالم اقتصاديا وسياسيا وتكنولوجيا، وهي الداعم الأكبر لإسرائيل، ولديها علاقات قوية مع العديد من الدول العربية. ومن المهم أن نهتم بالانتخابات الإسرائيلية؛ لأن إسرائيل هي الدولة التي تحتل كامل فلسطين وأجزاء من سوريا ولبنان، وتهدد المنطقة بأكملها.

لكن الخطأ الأكبر أن الانتخابات في أمريكا وإسرائيل وبدلا من أن تكون مجرد عامل في المعادلة فقد تحولت إلى بديل عن بناء إستراتيجية عربية شاملة، أو حتى وطنية لكل دولة.

الجميع صهاينة حتى النخاع، والفرق الوحيد في اللهجة وطريقة القتل، فحكومة الليكود المتطرفة تتحدث عن ضرورة تصفية القضية الفلسطينية علنا وبالقوة بل وشنق الأسرى الفلسطينيين، أما الباقون فيتفقون في الهدف ويختلفون في الوسيلة

النقطة الجوهرية التي لا بد أن يعيها العرب أن الرؤساء في أمريكا يتغيرون بسرعة، في حين أن السياسات تظل ثابتة إلى حد كبير، خصوصا فيما يتعلق بمنطقتنا، حيث إن ما يحكمها إلى حد كبير هو الكونغرس والبنتاغون ومراكز الأبحاث وجماعات الضغط والبيروقراطية والشركات الاقتصادية الكبرى والميديا، إضافة بالطبع إلى الرئيس، الذي له دور مهم بطبيعة الحال، لكنه ليس الوحيد، كما هو الحال في العديد من بلدان العالم الثالث.

إعلان

ونفس الأمر في إسرائيل، بل ربما أعمق، فالسياسات ثابتة، ومن يتابع السياسات الإسرائيلية منذ عام 1948 وحتى الآن، فسيدرك أنه لا يوجد فارق جوهري بين غالبية من تولوا قيادة إسرائيل.

بل ربما قد يكتشف أن الجيش هو من يحكم هذا الكيان فعليا، لكنهم نجحوا إلى حد كبير في إخراج هذا المشهد بانتخابات وصراعات وصحافة حرة ورأي عام ندفع نحن العرب ثمن تقلباته دائما.

في حين أن غالبية الدول العربية، لا تملك انتخابات حقيقية، تستطيع أن تستخدمها في التعامل مع أمريكا وإسرائيل.
ختاما هل نعي الدرس وندرك أن جودو لن يأتي وأن الحل في بيت الشعر الشهير: "ما حك جلدك غير ظفرك.. فتولَّ أنت جميع أمرك"؟.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا