آخر الأخبار

ورقة بحثية: ألمانيا تدرك أهمية الشرق الأوسط لكن نفوذها محدود

شارك

يجمع المتابعون في الأوساط المهتمة بالعلاقات بين ألمانيا وأوروبا من جهة والشرق الأوسط وشمال أفريقيا من جهة أخرى على تراجع نفوذ ألمانيا، الدولة الأكبر في الاتحاد الأوروبي في المنطقة.

وبينما تختلف الدراسات الصادرة عن مراكز أبحاث وأكاديميات على أسباب هذا التراجع ودرجته، تتفق جميعها على وجود فجوة تتسع كل يوم بين الأهمية الحقيقية للمنطقة بالنسبة لألمانيا وقدرة حكومة برلين على التأثير في المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية في منطقة تشهد تحولا كبيرا، وذلك لصالح قوى إقليمية ودولية أخرى.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 والدها فلسطيني وأمها لبنانية.. وزيرة سويدية ترتدي نجمة داود وتشعل الجدل
* list 2 of 2 ما سر نجاح التقدميين في أمريكا؟ end of list

إحدى الأوراق البحثية التي لفتت الانتباه في هذا الخصوص قدمها المحلل السياسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والرئيس التنفيذي لشركة (ميدل إيست مايندز) للتحليل شتيفان لوكاس في الأكاديمية الاتحادية الألمانية للسياسات الأمنية (باكس).

ويركّز لوكاس، الذي يدرس في عدة جامعات ألمانية، في هذه الورقة على فكرة أن الشرق الأوسط لا يزال منطقة بالغة الأهمية لألمانيا وأوروبا، من ناحية إمدادات الطاقة والتجارة والأمن، لكن القدرة السياسية الأوروبية على التأثير في المنطقة تتراجع، الأمر الذي يصفه الباحث بـ"خسارة ملحوظة في النفوذ" بالنسبة لألمانيا وأوروبا.

أسباب مترابطة

ويلخص الباحث أسباب ذلك في مجموعة مترابطة من العوامل أولها تراجع القدرة الدبلوماسية الألمانية على التأثير، والتهميش الممنهج لألمانيا وأوروبا في القرارات الدولية، وتراجع مساحات الوساطة والدبلوماسية لصالح العمل العسكري وظهور قوى إقليمية ودولية جديدة، وضعف التنسيق الأوروبي والاعتماد على الولايات المتحدة.

ففي الجزئية المتعلقة بتراجع القدرة الدبلوماسية على التأثير، يقول لوكاس إن الأدوات التي كانت ألمانيا تعتمد عليها في الماضي، وعلى رأسها دورها في الاتفاق النووي الإيراني تلاشت، وذلك في وقت لم تنجح فيه حكومة برلين في إنشاء بدائل دبلوماسية مؤثرة.

مصدر الصورة مباحثات محمد جواد ظريف (يسار) وزيغمار غابرييل في برلين عام 2017 حول برنامج إيران النووي (غيتي)

تهميش ألمانيا

ويؤكد أن من الأسباب أيضا تهميش ألمانيا وأوروبا على صعيد اتخاذ القرارات الكبرى، مضيفا أن الولايات المتحدة أصبحت تتخذ قراراتها بشأن إيران والمنطقة بشكل مستقل عن حلفائها الأوروبيين، خصوصا بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 ولجوئها إلى الخيارات العسكرية.

إعلان

ويضيف أن اللجوء إلى العمل العسكري في المنطقة واعتماد واشنطن وإسرائيل بصورة متزايدة على القوة العسكرية في وقت تتراجع فيه أدوار الوساطة والدبلوماسية وضع ألمانيا في موقع ضعيف، لأن برلين لا تملك الأدوات العسكرية اللازمة للتأثير في الشرق الأوسط رغم أن نتائج التصعيد العسكري تؤثر عليها بشكل مباشر، الأمر الذي تؤكده أزمة مضيق هرمز.

وحول السبب المتعلق بظهور قوى إقليمية ودولية أكثر قدرة على التحرك، يقول الباحث إن دول الخليج والصين والهند وتركيا وغيرها أصبحت تمتلك علاقات اقتصادية وأمنية وسياسية متشعبة في المنطقة.

وتقدم الورقة سببا يتعلق بما تصفه "ضعف التنسيق الأوروبي"، مشيرة إلى أن الدول الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا لا تتحرك دائما وفق إستراتيجية موحدة، بل تحدد سياساتها وفق حساباتها السياسية الداخلية، الأمر الذي يضعف الموقف الأوروبي المشترك أمام قوى دولية وإقليمية أخرى.

مصدر الصورة غياب التنسيق الأوروبي أحد أهم أسباب تراجع نفوذ أوروبا في المنطقة (رويترز)

كما يشير الباحث إلى محدودية أدوات القوة لدى ألمانيا، مضيفا أن حكومة برلين تحتاج إلى الشرق الأوسط في مجال الطاقة والتجارة والأمن، لكنها في الوقت ذاته تملك قدرة محدودة على حماية مصالحها أو فرض خياراتها.

ويشير الباحث إلى مشكلة اعتماد ألمانيا وأوروبا على الولايات المتحدة، قائلا إنه حتى الدول الأوروبية التي تريد انتهاج سياسة أكثر استقلالا عن واشنطن لا تزال تعتمد عليها أمنيا وسياسيا، الأمر الذي يحد من قدرتها على اتخاذ مواقف مستقلة في ملفات إيران وإسرائيل وأمن دول الخليج.

وتقارن الورقة ألمانيا بدول أبرزها اليابان والهند وكوريا الجنوبية وإندونيسيا، قائلا إن هذه الدول تواجه أيضا معضلة متشابهة في الشرق الأوسط، فهي تعتمد على استقرار المنطقة لحماية مصالحها، خصوصا في مجال الطاقة والتجارة الدولية لكنها تملك قدرة محدودة على التأثير في مسار الصراعات.

ووفق الباحث، فإن اليابان تعتمد بدرجة كبيرة على إمدادات النفط القادمة من الخليج، مضيفا أن ذلك حفزها على تعزيز مراقبتها البحرية في خليج عمان ومحاولة القيام بدور دبلوماسي بين إيران ودول الخليج، لكنها تتجنب اتخاذ موقف واضح تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب اعتمادها الإستراتيجي على واشنطن.

أما الهند -يضيف الباحث- فتتبنى سياسة أكثر نشاطا، إذ إن نيودلهي كثفت اتصالاتها مع دول الخليج، وحافظت على علاقاتها مع إيران، وتحاول مواصلة مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بإيران وروسيا وأوروبا، لكنها تتجنب الانحياز إلى أي طرف في الصراع بين إيران وإسرائيل حتى لا تخسر علاقاتها مع أي منهما.

مصدر الصورة اجتماع سعودي ياباني في الرياض (رويترز)

وتسير كوريا الجنوبية وإندونيسيا ـوفقا للورقةـ في الاتجاه نفسه، مضيفة أن كوريا الجنوبية تركّز على حماية إمدادات الطاقة والأمن البحري، بينما تعتمد جاكرتا على العمل الدبلوماسي والأطر متعددة الأطراف، لكنها تظل محدودة التأثير.

وترى الورقة أن المشكلة المشتركة بين جميع هذه الدول لا تكمن في نقص الموارد، وإنما في ضعف التنسيق وغياب الاستعداد لتحمل المخاطر السياسية، فهي تنجح في حماية مصالحها المباشرة مثل الطاقة والتجارة والاستقرار، لكنها لا تستطيع تحويل هذه المصالح إلى إستراتيجية مشتركة قادرة على التأثير في مسار أزمات الشرق الأوسط.

إعلان

ولا تنفي الورقة وجود علاقات اقتصادية وسياسية مع دول المنطقة، قائلة إن هذه العلاقات موجودة بالفعل، لكنها لم تتحول إلى إستراتيجية متكاملة تستطيع ألمانيا من خلالها تحويل قوتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي.

ويقترح الباحث بناء شبكة من الشراكات مع قوى متوسطة، أبرزها فرنسا والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وذلك بدلا من التحرك بانفراد، ولكن يقترح أيضا تعزيز التنسيق الأوروبي وتوحيد المواقف بشأن قضايا المنطقة وأمن الملاحة، لا سيما في مضيق هرمز، إضافة إلى توسيع التعاون في مجالات الطاقة والأمن والتنمية مع دول الخليج، خصوصا مع السعودية والإمارات وقطر وعُمان والاستثمار في نقاط القوة الألمانية، وهي الاقتصاد والتكنولوجيا والبحث العلمي والطاقات المتجددة من أجل بناء نفوذ طويل الأمد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران روسيا اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا