آخر الأخبار

عصر النمر.. كولومبيا على أعتاب تحول جذري وانقسام حاد

شارك

بوغوتا- يجمع يوم 7 أغسطس/آب في كولومبيا بين التاريخ والسياسة، ففي ذلك اليوم تستعيد البلاد ذكرى إحدى المعارك الحاسمة في استقلالها عن التاج الإسباني في القرن 19، وهو أيضا الموعد الذي تبدأ فيه، كل 4 سنوات، ولاية رئاسية جديدة.

لكن انتقال السلطة هذا العام يأتي في أجواء سياسية شديدة التوتر، بعدما أنهى فوز أبيلاردو دي لا إسبرييا، الملقب بـ"النمر"، 4 سنوات من حكم اليسار وأعاد اليمين إلى الرئاسة، هذه المرة بوجهه الأكثر تطرفا. ومنذ خطاب تنصيبه، أعلن الرئيس الجديد عزمه إحداث تحول جذري في توجهات كولومبيا، داخليا وخارجيا.

وكشفت نتائج الانتخابات حجم الانقسام داخل المجتمع الكولومبي، إذ حُسم السباق الرئاسي بفارق لم يتجاوز 200 ألف صوت بين دي لا إسبرييا ومنافسه اليساري إيفان سيبيدا، في نتيجة تعكس تقاربا شديدا بين معسكرين يحملان رؤيتين متباعدتين لمستقبل البلاد.

وأمام هذا المشهد، استطلعت الجزيرة نت آراء كولومبيين من قطاعات وخلفيات مختلفة، لرصد نظرتهم إلى التحول السياسي الذي تشهده البلاد، وما يحمله بالنسبة إليهم من آمال ومخاوف خلال السنوات الـ4 المقبلة.

مصدر الصورة خوانا سالغادو مصممة وناشطة تستقبل المرحلة الجديدة في كولومبيا بمزيج من اليأس والأمل (الجزيرة)

قلق وحزن في الوسط الثقافي

تعمل خوانا سالغادو في المجال الثقافي منذ سنوات، وهي فنانة وناشطة في مجال حقوق الإنسان، وفي حديثها للجزيرة نت، تصف وقع نتائج الانتخابات عليها بأنه "مدمر"، لكنها تجد في المشاركة الشعبية الواسعة التي شهدتها الحملة الانتخابية والدفاع عن الإصلاحات الاجتماعية التي بدأتها حكومة الرئيس اليساري السابق، غوستافو بيترو، سببا للأمل.

فقد حصل مرشح اليسار إيفان سيبيدا على 12.7 مليون صوت، وهو رقم لم يسبق أن حققه مرشح يساري في تاريخ البلاد.

لكن هذا الأمل يتعايش، بحسب سالغادو، مع واقع "مؤلم" يتمثل برأيها في "نفوذ أموال المخدرات وثقافة شراء الأصوات والتفاوت الاجتماعي والتدخل الخارجي". وتقول: "المشكلة ليست في تعايش هذين الوجهين، فقد كانا موجودين دائما، وإنما في أن من يدافع عن الثقافة شبه العسكرية وصل اليوم إلى الحكم".

إعلان

سلاح الثقافة لمقاومة العنف

ويكتسب هذا القلق بعدا شخصيا بالنسبة إلى سالغادو، فهي ابنة قائد اجتماعي اختفى قسرا عام 1992؛ وتقول: "أخشى أن نعود إلى بلد يخاف فيه الناس من التعبير عن آرائهم، وأن تُوصم السرديات النقدية وتُلاحق من جديد"، في إشارة إلى تصريحات للرئيس الجديد خلال حملته الانتخابية هدد فيها صحفيين، وتوعد بـ"تفكيك" المعارضة اليسارية أو "نزع أحشائها".

ومع ذلك، تؤكد سالغادو تمسكها بالعمل الفني، وتضيف أنها ستكرس السنوات الـ4 المقبلة للإبداع "سواء توفرت الموارد أم لا"، وتستحضر دور الثقافة في مقاومة عقود من العنف في كولومبيا: "يجتمع الناس للرقص والغناء والنسج. هذه المساحات حمت المجتمع، وعلينا أن نواصل السير في هذا الطريق، يجب أن ننظر إلى الخوف مباشرة، من دون أن نصمت".

مصدر الصورة صورة لمزرعة آليخو إيداغو في إقليم كوردوبا شمالي كولومبيا (الجزيرة)

خيبة أمل القطاع الزراعي من عهد بيترو

في إقليم كوردوبا شمالي كولومبيا، يدير المزارع ورجل الأعمال آليخو فيدالغو نشاطا في تجارة الماشية، إلى جانب مشروع لزراعة نخيل الزيت يمتد على نحو 411 هكتارا ويوفر، كما يقول للجزيرة نت، وظائف رسمية تتمتع بجميع الحقوق الاجتماعية.

ويرى فيدالغو أن الحكومة المنتهية ولايتها انطلقت "بنوايا جيدة" في إصلاحها الزراعي، لكنها "وقعت في فخ الشعبوية"، موضحا أن توزيع الأراضي على المزارعين لا يكفي وحده: "ماذا سيفعل المزارع بالأرض إذا لم يجد سوقا يبيع فيه إنتاجه، وإذا لم تكن هناك طرق ريفية لنقل المحاصيل، أو أمن يحمي نشاطه؟".

ويضيف: "تمتلك كولومبيا إمكانات زراعية هائلة، لكن إذا لم تتوفر إرادة سياسية لجعل الريف منتجا ومربحا، فستظل زراعة الكوكا أكثر ربحية من كثير من المحاصيل القانونية".

القطاع الزراعي يعوّل على الحكومة الجديدة

وينتقد فيدالغو بشدة سياسة "السلام الشامل" التي انتهجتها حكومة غوستافو بيترو واعتمدت على الحوار مع الجماعات المسلحة، ويرى أن تدهور الوضع الأمني انعكس على القطاع الزراعي. ويقول: "اليوم تخضع معظم الأنشطة الاقتصادية والزراعية لضغوط الجماعات المسلحة. ومن دون أمن، فإن منح الأراضي مجانا لن يغير شيئا".

في المقابل، يبدي تفاؤلا حذرا حيال الحكومة الجديدة، ولا سيما في مجال التجارة الخارجية: "لدينا آمال كبيرة في سياسات التصدير التي وعد بها الرئيس الجديد، وفي إعادة تنشيط العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة بعدما تراجعت خلال السنوات الماضية".

ويضع فيدالغو ضمن أولويات القطاع تحسين الطرق الريفية وتوفير قروض طويلة الأجل بفوائد منخفضة، موضحا أن "المشروعات الزراعية لا تؤتي ثمارها خلال شهرين، بل تحتاج إلى 3 أو 4 أو 5 سنوات".

ويختم قائلا: "أعتقد أن الحكومة السابقة كان ينبغي أن تكون أقل شعبوية وأكثر واقعية. كانت الأفكار جيدة، لكن تطبيقها افتقر إلى الواقعية".

العسكريون المتقاعدون.. قاعدة دعم لدي لا إسبرييا

ويبدو خطاب آليخو بشأن الأمن قريبا من موقف عدد من العسكريين المتقاعدين الذين استقبلوا فوز الرئيس المنتخب بفرح وارتياح، بعد سنوات من انتقاد سياسة الحكومة المنتهية ولايتها في الملف الأمني.

إعلان

ويقول خوسيه لويس ليون مونكا، وهو ضابط متقاعد في الجيش الكولومبي، للجزيرة نت إن المحاربين القدامى ينظرون إلى المرحلة الجديدة بحماس، وإن الرئيس المنتخب هو، في نظرهم، "أول رئيس يمثلهم ويدعمهم". ويرى أن الأولويات يجب أن تشمل "رفع رواتب العسكريين، وإصلاح نظام الرعاية الصحية، واستعادة الضمانات القانونية التي تحتاجها القوات المسلحة لأداء مهامها".

مصدر الصورة الشرطي المتقاعد جون فرانك بينشاو في مدينة إيزا بإقليم بوياكا (الجزيرة)

الأمن في صدارة تطلعات الشرطة المتقاعدين

أما الشرطي المتقاعد جون فرانك بينشاو، الذي قضى نحو 9 سنوات رهينة لدى القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) قبل أن ينجح في الفرار عام 2007، فتتركز آماله على الملف الأمني أيضا. ويقول إن السنوات الـ4 الماضية "شهدت ارتفاعا في أسعار الغذاء والوقود والخدمات، إلى جانب شعور بانعدام الأمن".

ويرى بينشاو أن سياسة الحكومة المنتهية ولايتها عززت نفوذ الجماعات المسلحة وأثرت في مناخ الاستثمار، ويقول: "أستقبل باطمئنان السياسات الأمنية التي يريد الرئيس الجديد تنفيذها، لأن أي بلد يتمتع بالأمن يصبح أكثر جذبا للاستثمار". ويعتبر تعزيز قدرات القوات المسلحة والشرطة أولوية لمواجهة الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة.

تخوّف عائلات ضحايا سنوات النزاع

ومن بين أكثر الأصوات قلقا إزاء المرحلة المقبلة عائلات ضحايا ما يُعرف في كولومبيا بـ"فالسوس بوسيتيفوس"، وهي عمليات إعدام خارج نطاق القضاء ارتكبها عناصر في الجيش خلال سنوات النزاع، إذ قُتل آلاف المدنيين وقُدموا على أنهم مقاتلون سقطوا في المعارك بهدف رفع حصيلة "الانتصارات" العسكرية.

وكان كثير من الضحايا شبابا من أوساط شديدة الفقر والتهميش، استُدرج بعضهم بوعود بالعمل قبل قتلهم، وقد خلصت الولاية القضائية الخاصة للسلام، وهي هيئة قضائية أُنشئت بموجب اتفاق السلام بين الدولة وحركة فارك عام 2016 للتحقيق في الجرائم المرتكبة خلال النزاع المسلح، إلى أن عدد الضحايا بلغ 6402 شخصا على الأقل بين عامي 2002 و2008.

مصدر الصورة جاكلين كاستييو رئيسة جمعية أمهات وأسر ضحايا فالسوس بوسيتيفوس خلال فعالية في بوغوتا (الجزيرة)

عائلات تتمسك بالحقيقة والعدالة

جاكلين كاستييو، إحدى مؤسسات ورئيسات جمعية "أمهات وأسر ضحايا الفالسوس بوسيتيفوس"، دخلت مجال الدفاع عن حقوق الإنسان بعد مقتل شقيقها خايمي عام 2008 على يد عسكريين، وتقديمه لاحقا على أنه مقاتل قُتل في اشتباك.

وتقول للجزيرة نت إنها استقبلت انتخاب دي لا إسبرييا "بكثير من الحزن"، وإنها تخشى أن تؤثر الحكومة الجديدة في مشاريع الذاكرة التاريخية التي تعمل عليها جمعيتها مع وزارة الثقافة، ومنها "حديقة الذاكرة" لتخليد الضحايا.

وتضيف: "من المحتمل أن يتوقف المشروع، لكننا مستعدات لمواصلة النضال من أجل الذاكرة والعدالة والحقيقة وضمانات عدم التكرار".

وتؤكد كاستييو أن جمعيتها بدأت التنسيق مع منظمات أخرى لمراقبة الحكومة الجديدة، قائلة: "علينا أن نكون اليوم أقوى من أي وقت مضى، في كل خطوة، وفي كل قرار تتخذه، سنكون هناك نتابعها عن كثب".

مصدر الصورة بيت السلام في بوغوتا حيث بدأ مقاتلون سابقون في فارك ممن وقعوا اتفاق السلام حياة جديدة (الجزيرة)

مخاوف على مستقبل اتفاق السلام

وعلى الجانب الآخر من إرث النزاع المسلح، تسود مخاوف مماثلة في أوساط مقاتلين سابقين ألقوا السلاح بعد اتفاق السلام، في "بيت السلام" في بوغوتا، وهو فضاء يديره مقاتلون سابقون في قوات الفارك ويضم مشروعات اقتصادية وثقافية لإعادة إدماجهم بعد اتفاق السلام، ينظر الناشط دوفان كارباخال إلى المرحلة المقبلة بتوجس.

ويقول للجزيرة نت: "كنت آمل في استمرار مشروع السلام وتعزيز الجهود الرامية إلى بناء بلد أفضل، لكن وصول حكومة من اليمين المتطرف يضعنا أمام مرحلة من عدم اليقين والإقصاء".

إعلان

ويعتبر كارباخال أن إعلان الرئيس المنتخب عزمه إلغاء الولاية القضائية الخاصة للسلام، وعدم الاعتراف باتفاق السلام وسجن قادة "فارك" السابقين، يهدد مستقبل عملية إعادة الإدماج والمشروعات التي يديرها المقاتلون السابقون. ويقول: "مع كل تغيير في الحكومة تتغير السياسات، ويصبح وقف الدعم الحكومي احتمالا قائما".

ويزداد هذا القلق، بحسب كارباخال، في ظل استمرار اغتيال قادة اجتماعيين وموقعين على اتفاق السلام حتى خلال الحكومة السابقة. لكنه يؤكد أن العمل سيستمر مهما كان موقف الحكومة الجديدة: "سنواصل العمل بالاعتماد على الإدارة الذاتية ومواردنا الخاصة. وإذا ضاقت مساحات العمل العام، فسيبقى الفن والثقافة والأدب أدواتنا للدفاع عن السلام وحفظ الذاكرة ومقاومة النسيان".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا