آخر الأخبار

كيف واجهت الجزائر حرائق الغابات؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

الجزائر- في حي البرج بمنطقة "حمام ملوان" الجبلية بولاية البليدة شمال الجزائر، تظهر آثار النيران بوضوح على الغطاء النباتي المحيط. ويصف أحد سكان المنطقة حجم الأضرار وحالة الاستنفار، قائلا "التهمت النار كل شيء.. اندلعت في الجبل وأكلت الأخضر واليابس.. لقد اجتاحتنا جميعا".

لكن طواقم الإطفاء ساهمت، وفق روايات السكان للجزيرة نت، في محاصرة النيران وإطفائها، "وهناك من ساعدهم في الإطفاء من أبنائنا وشبابنا هنا".

وشهدت المناطق الشمالية من الجزائر منذ 8 يوليو/تموز 2026 موجة حر قاسية أدت إلى اندلاع سلسلة من الحرائق الواسعة في المساحات الغابية.

وفي مواجهة هذه الأزمة، طبقت السلطات الجزائرية إستراتيجية وطنية ركزت على "الجاهزية الاستباقية"، معتمدة على التنسيق بين القوات النظامية والمدنية، وتفعيل آليات التدخل السريع للتقليل من حجم الخسائر البشرية والمادية.

واستندت خطة إدارة الأزمة إلى تكامل عملياتي شمل الإمداد اللوجستي والجوي والتكفل الطبي والإجلاء الاستباقي، إلى جانب الانخراط المنظم للمجتمع المدني في جهود الإنقاذ.

مصدر الصورة تشير التقارير الرسمية الجزائرية إلى تضرر نحو 13 ألف هكتار من الغطاء النباتي بسبب الحرائق (الجزيرة)

خطة تدخل

تشير التقارير الرسمية الجزائرية إلى تضرر نحو 13 ألف هكتار من الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية خلال فترة الذروة، في حين تضرر أو أصبح مهددا نحو 150 منزلا بشكل مباشر جراء زحف النيران. ورغم إعلان وزارة الداخلية رسميا تسجيل 6 وفيات، فإن سرعة التدخل قلصت من احتمال تسجيل حصيلة أثقل.

ولمواجهة أكثر من 1968 حريقا سُجل في الغطاء النباتي، فعّلت السلطات الجزائرية "خطة تدخل شاملة". وفي تصريح للجزيرة نت أوضح النقيب زهير بن أمزال، رئيس مكتب الإعلام والتوعية بالمديرية العامة للحماية المدنية، أن الإستراتيجية المعتمدة ارتكزت بداية على "دراسة الأخطار الخاصة بكل منطقة، وتنفيذ حملات تحسيسية ومناورات تطبيقية مسبقة عبر مختلف الولايات".

إعلان

ومع اندلاع الحرائق، تم استنفار موارد بشرية ومادية واسعة، شملت:


* تجنيد أكثر من 20 ألف عون حماية مدنية بمختلف الرتب.
* تخصيص 65 رتلا متنقلا لمكافحة حرائق الغابات.
* توزيع 505 وحدات تدخلية على الولايات ذات الطابع الغابي.
* تقسيم المفارز الجهوية إلى 6 مناطق عملياتية.

وشكل الغطاء الجوي عاملا حاسما في إخماد النيران، حيث أكد النقيب بن أمزال أنه تم تسخير أكثر من 24 وسيلة جوية تنوعت بين طائرات قاذفة للمياه (كبيرة ومتوسطة)، وحوامات ذات سعة كبيرة للمياه، وأخرى للمراقبة.

وأشار إلى أن التنسيق المشترك بين الحماية المدنية ووحدات الجيش الوطني الشعبي مكّن من إخماد الحرائق الكبرى في ولايات قالمة وعنابة وجيجل وبجاية وسطيف وميلة وتلمسان والبويرة في ظرف لم يتجاوز أربعة أيام لكل حالة.

أولوية الإجلاء والتكفل الطبي

وضعت إدارة الأزمة حماية الأرواح على رأس أولوياتها. وفي هذا السياق، أدت خلية اليقظة دورا مركزيا عبر جمع وتحليل البيانات، بالاعتماد على خط اتصال مباشر مع الديوان الوطني للأرصاد الجوية، مما سمح بتوقع مسارات النيران وتنظيم عمليات الإخماد والإخلاء.

ونفذت مصالح الحماية المدنية عمليات إجلاء وقائية لآلاف المواطنين في الولايات الأكثر تضررا، مثل الطارف، وبجاية، وقالمة. وبرزت في هذا الإطار عملية الإجلاء الطبي التي استهدفت نقل أكثر من 100 مريض من مستشفى التأهيل ببلدية سرايدي (ولاية عنابة) لتجنب اختناقهم بالدخان. توازيا مع ذلك، تم تجهيز المؤسسات الطبية، وعلى رأسها مستشفى الحروق الكبرى بزرالدة في العاصمة، للتكفل الفوري بالمصابين.

مصدر الصورة شهدت المناطق الشمالية من الجزائر موجة حر قاسية أدت إلى اندلاع سلسلة من الحرائق في المساحات الغابية (الجزيرة)

انخراط المجتمع المدني

إلى جانب الجهود الرسمية، ساهم المجتمع المدني بشكل مباشر في إدارة الأزمة. واعتمدت عمليات التدخل الأولى على الإبلاغ المبكر من قبل المواطنين عبر الأرقام الخضراء، مما أتاح سرعة في الاستجابة.

وعلى مستوى العمل التطوعي المنظم، قال محمد إسلام إبراهيمي، عضو المكتب الوطني التنفيذي المكلف بالشباب في جمعية "البركة" للجزيرة نت "فور تسجيل الحرائق عبر ربوع الوطن، نزلت تعليمات بتشكيل خلايا أزمة. أطلقنا حملة (وطن واحد) التي جابت 15 ولاية متضررة، نعتمد على خزان بشري قوامه 2500 شاب عبر ربوع الوطن، يتحركون دفعة واحدة".

وتمحور تدخل الجمعية حول ثلاث مراحل أساسية:


* المعاينة والإحصاء: لتشخيص طبيعة الأضرار والاحتياجات في كل منطقة.
* التدخل الميداني: تقديم الدعم للفرق الإغاثية، والإسعافات الأولية للمصابين، وتوزيع الأدوية والمؤن الغذائية.
* إعادة التجهيز: توفير الاحتياجات الآنية للبيوت المتضررة، مثل الأجهزة المنزلية وصهاريج المياه.

وأكد إبراهيمي أن الجمعية نسقت عملياتها مسبقا مع فرق الحماية المدنية والسلطات الأمنية والمحلية لضمان تأطير المتطوعين، مشيرا إلى أن هذا التعاون أسفر عن تحكم شامل في الأزمة الميدانية.

تحديات ميدانية

يرجع الخبير البيئي هشام عداد في حديثه للجزيرة نت، أسباب الحرائق المتكررة صيفا إلى معادلة معقدة تجمع بين التغير المناخي والتدخل البشري.

إعلان

ويوضح أن تزامن موجات الحر الشديد مع انخفاض الرطوبة والرياح الجافة يحول الغطاء النباتي إلى وقود شديد الحساسية، في حين يبقى الإهمال البشري السبب الرئيس لاندلاع الشرارة الأولى.

ويشير الخبير البيئي إلى أن خطة هذا العام شهدت "تحسنا ميدانيا ملموسا تجسد في سرعة الاستجابة وتكثيف أسطول التدخل الجوي، والتنسيق المبكر بين الحماية المدنية ومصالح الغابات".

غير أنه يوضح أن البعد الاستباقي الشامل يتطلب، إلى جانب رفع درجات التأهب صيفا، "تطوير إستراتيجية التهيئة الوقائية المستمرة وصيانة الغابات خلال فصلي الخريف والشتاء لضمان حماية متكاملة على مدار السنة".

ويبرز عداد واقع ما يسميها "السيطرة الأرضية"؛ التي تحد أحيانا من فاعلية الإنزال الجوي المكثف، محددا عقبتين طبيعيتين رئيسيتين في الميدان، هما:


* تراكم الوقود الجاف نتيجة إهمال تنظيف الأحراش والأعشاب اليابسة، ما يوفر وقودا متصلا يسمح بانتشار النار بسرعة تتجاوز قدرة التبريد الجوي.
* غياب أو انسداد الطرق الترابية بسبب عدم صيانة المسالك الغابية، ما يمنع وصول شاحنات الإطفاء والفرق الراجلة إلى العمق، ويجعل الإسقاط الجوي محدود الأثر أمام امتداد الجمر تحت الأرض.

نحو إعادة التشكيل الغابي

وللحد من هذه التهديدات مستقبلا، يؤكد المختصون على ضرورة إعادة النظر في الخارطة الغابية للجزائر، مقترحين تجاوز الاعتماد التاريخي على أشجار "الصنوبر الحلبي" التي، رغم سهولة استصلاحها، تُعد خصائصها العضوية وقودا شديد الحساسية لاشتعال النيران.

ويقترح الخبير عداد "مقاربة تشجير تكاملية" للحد من الأخطار ، كما سماها، تعتمد على:


* التحول نحو الأشجار المقاومة؛ ومنها إدخال أنواع أقل اشتعالا وأكثر احتفاظا بالرطوبة في نسيجها، مثل البلوط، والخروب، والزيتون البري.
* إنشاء مصدات النيران الخضراء؛ عبر تقطيع الكتل الغابية الصنوبرية بأحزمة من الأشجار عريضة الأوراق لكسر جدار النار ومنع امتداده المتواصل.
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا