آخر الأخبار

بعد انتقاده الشديد لها.. هذه هي حقيقة موقف فانس من إسرائيل

شارك

دون استباق الأحداث ودون الإفراط في التفاؤل، فإن حديث جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي مع الصحفي الشهير جو روغان يحتاج إلى وقفة تأمل فيما طرحه من أفكار تشكل حالة نوعية جديدة في التفكير الأمريكي.

صحيح أن جيه دي فانس هو من معسكر "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، (Make America Great Again)، وهو الشعار الذي رفعه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وصحيح أنه من الذين يقفون إلى جانب الرئيس في كل سياساته سواء الداخلية أو الخارجية، إلا أنه يمكن ملاحظة نهج مختلف بين ما يطرحه الرئيس، وما يطرحه نائبه.

فقد تضمن حديث فانس الأخير الكثير من النقاط التي تنطلق فعلا من شعار "أمريكا أولا"، لكنه ذهب بعيدا في تفصيل هذا الشعار، وفي شرح مضامينه كافة، خاصة ما يتعلق بمنطقتنا، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

إن نائب الرئيس بهذا الحديث يؤكد أن المصلحة الأمريكية يجب أن تكون أولوية لأي إدارة أمريكية، وأن معايير السياسة الخارجية لا بد أن تنطلق من خدمة المواطن الأمريكي، دون التأثر بأي أجندات خارجية، كما أن الولايات المتحدة يجب ألا تنخرط في أي حروب مفتوحة تحتاج إلى تدخل عسكري طويل ومكلف.

إن أهم ما يميز هذا الحديث ويجعله يندرج في سجل المواقف الجريئة وغير المسبوقة من مسؤول أمريكي لا يزال في دائرة صنع القرار، هو الحديث الذي تناول إسرائيل

وفي تقديري أن ذلك يتماهى مع النقد اللاذع الذي يوجهه على الدوام الرئيس ترمب ل غزو العراق، و احتلال أفغانستان، حيث يرى أن ذلك لم يكن في مصلحة أمريكا.

وتأكيدا لصحة ذلك، أذكّر بأن الولايات المتحدة قد خسرت في العراق آلاف القتلى، وأهدرت مئات المليارات، والأمر ذاته ينسحب على أفغانستان، حيث تُوج احتلالها بخروج مهين لا يليق بالمكانة التي تحتلها أمريكا على الساحة العالمية.

بل ويذهب فانس بعيدا حين يقول إن أولويتنا هي حماية الحدود وتحصينها في وجه الهجرة غير الشرعية، وأن يكون للاقتصاد الصدارة في التفكير الأمريكي من حيث تعظيمه والارتقاء بالصناعة الوطنية.

إعلان

وأعتقد أن هذا الحديث ينطلق من القلق الذي ينتاب الإدارة الأمريكية؛ نتيجة الصعود الصيني الكبير في المناحي كافة، خاصة في التجارة الدولية والصناعة.

إن أهم ما يميز هذا التصريح ويجعله يندرج في سجل المواقف الجريئة وغير المسبوقة من مسؤول أمريكي لا يزال في دائرة صنع القرار، هو الحديث الذي تناول إسرائيل.

حيث وصف إسرائيل بالحليف، ولكنه استدرك بأن ذلك لا يعني إطلاقا أن تتطابق المصالح الأمريكية مع المصالح الإسرائيلية، وأن المصلحة الأمريكية إن تعارضت مع الرغبات الإسرائيلية، فإنها يجب أن يكون لها الأولوية في تفكيرنا ونهجنا السياسي، وليس بالضرورة أن تكون مواقفنا متوافقة مع الحلفاء بمن فيهم إسرائيل.

وأشار إلى أن بعض المسؤولين الإسرائيليين لم يتوقفوا عن محاولة عرقلة مساعي إنهاء الحرب مع إيران، وأن هناك جهدا إسرائيليا كبيرا يبذل في الداخل الأمريكي للتأثير على القرار الوطني، أي إنه ينتقد ضمنيا السياسة الإسرائيلية وحملاتها السياسية والإعلامية التي تريد استمرار الحرب مع طهران.

وأوضح فانس أنه لم يعد لإسرائيل أصدقاء في العالم إلا الرئيس ترمب والولايات المتحدة، ولولا أمريكا ما استطاعت حماية نفسها، أو حتى الاستمرار.

وفي ظني أنها رسائل تحمل تحذيرات لصانعي السياسة الإسرائيلية التي تذهب بعيدا في التطرف، وتتحول من دولة قامت على أسس ليبرالية -كما يدّعون- إلى دولة باتت نموذجا للتطرف الديني، وهو داء عضال وأداة للقتل والتدمير عندما تتبناه جماعات راديكالية من أي دين كان.

إن نائب الرئيس الأمريكي يبدو من هذا الحديث الموضوعي والجريء سياسيا أمريكيا من طراز آخر، مما يوحي بأنه قد يكون فارس التحولات التاريخية في السياسة الأمريكية، سواء في الداخل الأمريكي، أو فيما يتعلّق بسياسة أمريكا الخارجية.

وأحسب أنه يحاكي روح الحرية في الدستور الأمريكي، وحتى لا يكون الحديث عن فانس منعزلا عن سياقه، فإنه لا بد أن يكون متأثرا بما جرى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، وما بعد الإبادة الجماعية، والتدمير الكلي لقطاع غزة، واستشهد أكثر من 73 ألفا، من بينهم ما يزيد على 21 ألف طفل، وأصيب ما يقارب 174 ألفا.

يذهب فانس بعيدا حين يقول إن أولويتنا هي حماية الحدود وتحصينها في وجه الهجرة غير الشرعية، وأن يكون للاقتصاد الصدارة في التفكير الأمريكي من حيث تعظيمه والارتقاء بالصناعة الوطنية

بالإضافة إلى ذلك الإجرام الصهيوني المستمر في لبنان، وما تشهد الضفة الغربية من تدمير للمخيمات، وتقطيع أوصال الأرض، وتوسيع بؤر الاستيطان، والتلويح بأن ضم الضفة الغربية إذا لم يكن متاحا بالجملة، فإنه سوف يكون بالقطّاعي. وإن كل ذلك قد أزال القناع التجميلي وأظهر الوجه البشع للصهيونية.

وهو الأمر الذي تبدّى لكل الدنيا بما فيها الولايات المتحدة التي تشهد اليوم تبدلا كبيرا في أوساط المفكرين والمثقفين والسياسيين وطلبة الجامعات والشارع الأمريكي بشكل عام، وذروته كانت بفوز زهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك التي حظيت فيها الصهيونية بشعبية كبيرة.

إذن، فحديث فانس هو في سياق تحول نوعي في الرؤية الأمريكية لإسرائيل، وكذلك وضوح شرعية السردية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

إعلان

لذا فإن تصريحات جيه دي فانس -وهو الرجل الثاني في إدارة الرئيس ترمب، ومرشح جدي للرئاسة الأمريكية- في تقديري هي أفكار محمولة من تيار قوي بدأ يتشكل في أمريكا ليعيد التوازن والموضوعية إلى السياسة الأمريكية، خاصة تجاه القضية الفلسطينية، وقضايانا في الشرق الأوسط.

وبالتالي، فإن حديث فانس هو حديث إستراتيجي يحاكي تحولات النظرة الدولية للقضية الفلسطينية، بما فيها الولايات المتحدة، وليس خطوة تكتيكية متعلقة بانتخابات الكونغرس الأمريكي كما يُشاع.

على العرب، وعلى الماكينة الإعلامية العربية -وبالذات في أمريكا- أن تدعم وتؤيد هذا الاتجاه الفكري الإيجابي في أوساط النخبة الأمريكية والشعب الأمريكي؛ ذلك أن إيقاف الصهيونية المجرمة عند حدها لن يكون ممكنا -ولو وقف العالم ضدها- ما لم يتغير الموقف الأمريكي.

وما يؤكد ذلك أن إسرائيل سادرة في غيها مع أن كل العالم ضدها تقريبا، ولم تبقَ محكمة دولية لم تصدر حكما بحقها، وبحق قادتها، ومع ذلك لم يتبدّل شيء على أرض الواقع؛ لأن الولايات المتحدة لا تزال تدعم إسرائيل، وهنا الرهان على هذا التيار التقدمي الذي يحاول أن يكون موضوعيا ومنصفا، والذي يجب أن تتضافر الجهود كي يسود ويصبح في صلب وجوهر السياسة الأمريكية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا