آخر الأخبار

واقعة سبها.. كيف حاولت الرايات السود فرض رؤيتها على ليبيا؟

شارك
يرى مراقبون أن ليبيا أمام تحديات في مواجهة الأفكار المتطرفة

لم تبدأ محاولات فرض أنماط متشددة من التدين في ليبيا مع واقعة الجلد التي شهدتها مدينة سبها، بل تعود جذورها إلى السنوات الأولى التي أعقبت سقوط نظام معمر القذافي في أكتوبر 2011، حين أدى انهيار مؤسسات الدولة واتساع الفراغ الأمني إلى صعود جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة تمكنت من فرض نفوذها في عدد من المناطق ورفعت الرايات السود.

لم يقتصر نشاط تلك الجماعات على المواجهة العسكرية بل امتد إلى محاولة إعادة تشكيل المجال العام وفق تفسيرها الخاص للشريعة الإسلامية، عبر استهداف التراث الديني، وفرض قيود اجتماعية والتأثير في الخطاب الديني ثم لاحقا السعي إلى توسيع حضورها داخل بعض المؤسسات والقطاعات ذات التأثير المجتمعي.

وخلال الـ15 عاما شهدت ليبيا تحولات متعاقبة انتقلت فيها محاولات فرض هذا المشروع من السيطرة المسلحة إلى أدوات أقل صداما لكنها أكثر ارتباطا بالمؤسسات والفضاء الاجتماعي في مسار يرى مراقبون أنه يستهدف ترسيخ نفوذ فكري وأيديولوجي طويل الأمد حتى بعد انحسار الوجود العسكري للتنظيمات المتطرفة.

2011.. المرحلة الأولى

مع بداية المرحلة الانتقالية، أعلن رئيس المجلس الوطني الانتقالي آنذاك مصطفى عبد الجليل في أكتوبر 2011 أن الشريعة الإسلامية ستكون المصدر الرئيسي للتشريع مؤكدا مراجعة القوانين التي تتعارض مع أحكامها.

وجاء الإعلان ضمن رسم ملامح المرحلة السياسية الجديدة، إلا أنه فتح أيضا بابا واسعا للنقاش بشأن موقع المرجعية الدينية في التشريع بالتزامن مع تنامي حضور التيارات الإسلامية المسلحة في المجالين السياسي والدعوي.

2012.. الأضرحة أول الأهداف

بعد أشهر من سقوط النظام برزت أولى المظاهر العملية للفكر المتشدد، من خلال استهداف المزارات الصوفية والأضرحة التاريخية.

وشهدت مدن غرب ليبيا عام 2012 هدم مسجد وضريح سيدي الشعاب في طرابلس وضريح سيدي أحمد زروق في مصراتة، فضلا عن الاعتداء على مواقع دينية في زليتن في عمليات تبنتها مجموعات سلفية متطرفة اعتبرت تلك المزارات مخالفة لعقيدتها.

وأثارت تلك الاعتداءات إدانات واسعة داخل ليبيا وخارجها فيما حذرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو) من خطورة استهداف التراث الديني والثقافي الليبي.

2014.. سنوات الرايات السود

مع اتساع الانقسام السياسي والأمني عام 2014 تمكنت تنظيمات متطرفة وإرهابية وفي مقدمتها تنظيم داعش إلى جانب جماعات مسلحة أخرى من فرض سيطرتها على مناطق في بنغازي ودرنة وسرت.

وخلال تلك المرحلة أنشأت محاكم شرعية ورفعت الرايات السود في الساحات العامة ونفذت عمليات جلد وإعدام وذبح على الملأ وفرضت قيودا مشددة على النساء ومنعت أنشطة اجتماعية وثقافية وألزمت السكان بأنماط محددة من الملبس والسلوك في مشهد أعاد إلى الأذهان تجربة تنظيم داعش في العراق وسوريا.

ولم تكن تلك الإجراءات وفق مراقبين مجرد ترتيبات أمنية داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها بل جزءا من مشروع لإعادة صياغة المجتمع وفق تفسير متطرف لجماعات لا تنتمي للشعب الليبي الوسطي.

2016 - 2018.. نهاية المعاقل العسكرية

بدأ التراجع العسكري للتنظيمات المتشددة مع إطلاق عمليات واسعة لاستعادة المدن التي كانت تخضع لسيطرتها، وفي السادس من ديسمبر 2016 أعلنت قوات حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج تحرير مدينة سرت بالكامل بعد انتهاء عملية "البنيان المرصوص" منهية الوجود الرئيسي لتنظيم داعش في المدينة.

الايقونتان بوخمادة والورفلي

وفي الـ5 من يوليو 2017 أعلن الجيش الوطني الليبي تحرير مدينة بنغازي بعد معارك استمرت أكثر من 3 سنوات ضد تنظيم داعش و" مجلس شورى ثوار بنغازي" في معارك قادها الراحلان اللواء ونيس بو خمادة والرائد محمود الورفلي مع وحدات من القوات الخاصة "الصاعقة" فيما حوّل القياديان إلى أيقونتين للقضاء على الإرهاب المسلح في شرق ليبيا.

وفي ااـ28 من يونيو 2018 أعلن الجيش الوطني الليبي السيطرة الكاملة على مدينة درنة بعد القضاء على " مجلس شورى مجاهدي درنة"، والجماعات المتحالفة معه فيما فر عدد من عناصر تلك التنظيمات إلى مناطق في الغرب والجنوب.

ورغم انتهاء السيطرة العسكرية على أبرز معاقل التنظيمات يرى مراقبون أن المشروع المسلح وان كان قد تحول للكمون بفعل المطاردة العسكرية الا ان المشروع الفكري لم ينته بل اتجه إلى أدوات للتخفي بأقل صداماً وأكثر قدرة على الاستمرار.

2021.. عودة استهداف المزارات

وعاد ملف الاعتداء على المزارات الدينية إلى الواجهة مطلع عام 2021، بعدما شهدت مدينة صرمان عمليات نبش قبور وتدمير لمعالم تاريخية ومزارات صوفية، في وقائع أعادت إلى الأذهان ما شهدته البلاد عقب عام 2011.

وأثارت الحادثة موجة جديدة من الإدانات الحقوقية والثقافية وسط تحذيرات من استمرار استهداف الموروث الديني الليبي، رغم تراجع التنظيمات المسلحة.

2022.. التعليم يدخل دائرة الجدل

مع انحسار النشاط العسكري اتجهت الأنظار إلى قطاع التعليم باعتباره أحد أهم ميادين التأثير طويلة المدى، وفي أبريل 2022 أصدرت حكومة الوحدة الوطنية قرارا يسمح بإنشاء مدارس دينية، تحت إشراف دار الإفتاء التي يرأسها المفتي الصادق الغرياني.

وأثار القرار نقاشا واسعا بين مؤيدين اعتبروه خطوة لتعزيز التعليم الشرعي ومنتقدين رأوا أنه قد يفتح المجال أمام توسيع نفوذ توجهات دينية داخل المنظومة التعليمية.

2025.. جدل النفوذ داخل المؤسسات

شهد عام 2025 تصاعدا في الجدل بشأن نفوذ التيارات الإسلامية داخل بعض مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق هاجم المفتي الصادق الغرياني المحكمة الدستورية العليا ومؤسسات القضاء، مشككاً في شرعيتها وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لممارسة ضغط سياسي وديني على مؤسسات الدولة.

وفي العام نفسه عقد الغرياني اجتماعا مع وزير التعليم العالي لبحث أوضاع الكليات الدينية وسبل دعمها، الأمر الذي أثار مخاوف لدى منتقدين من توسيع الحضور داخل المؤسسات الأكاديمية الدينية.

كما عاد استهداف المزارات الصوفية إلى الواجهة بعد تفجير ضريح "سيدي زلي" بمدينة زليتن في حادثة أعادت المخاوف من تجدد الاعتداءات على الرموز الدينية والتراثية.

2026.. من الفصل بين الجنسين إلى جلد سبها

اتخذ الجدل منحى جديدا خلال عام 2026، مع صدور قرار يقضي بالفصل الكامل بين الجنسين داخل المؤسسات التعليمية.

وأثار القرار انقساما واسعا بين من اعتبره انسجاما مع القيم المحافظة للمجتمع وبين من رأى أنه يعكس توجها نحو فرض قيود اجتماعية أوسع.
وبعد أشهر، أعادت واقعة تنفيذ حكم بالجلد بحق امرأة في مدينة سبها الملف إلى واجهة النقاش بعدما انتشر مقطع مصور للحادثة على نطاق واسع.

وأعلنت السلطات المختصة لاحقا توقيف المتورطين وفتح تحقيق في الواقعة فيما أكد المجلس الأعلى للقضاء أن تنفيذ الأحكام يجب أن يتم حصرا وفق الإجراءات القانونية التي تكفل كرامة الإنسان وتحفظ هيبة القضاء الأمر الذي أعاد طرح أسئلة بشأن الجهة المخولة بتنفيذ الأحكام وحدود تطبيقها.

ويرى مراقبون أن واقعة سبها أعادت إلى الواجهة نقاشا أوسع عن العلاقة بين الدين والقانون والدولة وحدود سلطة الجماعات أو الأفراد في فرض تصوراتهم على المجتمع كما أعادت التذكير بأن ليبيا رغم نجاحها في إنهاء سيطرة التنظيمات المتشددة على معظم معاقلها المسلحة لا تزال تواجه تحديا موازيا يتمثل في مواجهة الأفكار المتطرفة وترسيخ احتكار الدولة لسلطة إنفاذ القانون باعتبار ذلك أحد أهم شروط استقرار البلاد واستكمال بناء مؤسساتها.

من السلاح إلى المؤسسات

يؤكد أستاذ العلوم السياسية الليبي ورئيس حزب ليبيا الكرامة الدكتور يوسف الفارسي، أن المجتمع الليبي ظل يرفض محاولات فرض أي رؤية دينية بالقوة مشيرا إلى أن التنظيمات المتشددة استخدمت الدين غطاء لمشروع سياسي وأيديولوجي لا يعكس جوهر الشريعة الإسلامية.

وقال، في تصريحات لـ"سكاي نيوز عربية" إن هذه الجماعات اعتمدت مسارين متوازيين أولهما السيطرة المسلحة وفرض الأمر الواقع وهو مسار انتهى بعد المواجهة العسكرية التي دعمتها قطاعات واسعة من الليبيين حتى تم القضاء على أبرز معاقل الإرهاب.

وأضاف أن المسار الثاني كان أكثر هدوءا وأطول نفسا إذ استند إلى محاولة التأثير في الوعي المجتمعي عبر التعليم والخطاب الديني وبعض القرارات الإدارية بما يضمن استمرار حضور المشروع الأيديولوجي بعيدا عن المواجهة العسكرية مع تنفيذ عمليات متفرقة بين الحين والآخر لإثبات استمرار النشاط.

وأشار الفارسي إلى أن الجنوب الليبي لا يزال يمثل إحدى الساحات التي تسعى التنظيمات المتشددة إلى استغلالها، سواء عبر نشر الفكر المتطرف أو من خلال استهداف البوابات الأمنية والمعابر الحدودية ومناطق الانتشار العسكري.

وشدد على أن استكمال بناء مؤسسات الدولة واحتكارها وحدها سلطة إنفاذ القانون وتعزيز الخدمات العامة وترسيخ خطاب ديني وسطي، تمثل الركائز الأساسية لمنع تكرار هذه التجارب وإغلاق المجال أمام أي مشروع يسعى إلى فرض رؤيته الأيديولوجية على المجتمع.

إشكاليات قانونية وحقوقية

من جانبها ترى الخبيرة القانونية والدستورية الليبية الدكتورة جازية شعيتير، أن واقعة الجلد في سبها كشفت عن تداخل معقد بين الاعتبارات القانونية والشرعية والحقوقية. مؤكدة أن تنفيذ الأحكام يجب أن يكون وفق الضمانات التي يكفلها القانون والشريعة معاً وبما يصون كرامة الإنسان.

وقالت لـ"سكاي نيوز عربية" إن تحقيق العدالة لا يمكن أن يتحقق عبر إجراءات تفتقد إلى المشروعية القانونية أو تمس الكرامة الإنسانية. معتبرة أن ما جرى في سبها يثير مسؤولية قانونية تستوجب التحقيق والمساءلة لكل من شارك فيه أو سمح بوقوعه.

وأضافت أن فتح السلطات الليبية تحقيقا في الواقعة يمثل خطوة ضرورية لترسيخ مبدأ سيادة القانون، ويؤكد أن تنفيذ الأحكام القضائية يجب أن يبقى اختصاصا حصريا للدولة، وفق إجراءات واضحة تخضع لرقابة القضاء، بعيدا عن أي ممارسات قد تفتح الباب أمام توظيف الدين أو القانون خارج الأطر المؤسسية.

تحديث القوانين ورفض شعبي

من جانبه يرى المحلل السياسي الليبي حسام فنيش، أن المزاج العام في ليبيا يرفض الفكر المتشدد والمتطرف مشيرا إلى أن المجتمع الليبي عرف تاريخيا بوسطيته، وأن محاولات فرض أنماط دينية أو اجتماعية بالقوة لم تلق قبولا شعبيا، وهو ما برز في الموقف من التنظيمات المتطرفة خلال السنوات الماضية.

ويؤكد فنيش في تصريحات لـ"سكاي نيوز عربية" أن واقعة سبها تطرح تساؤلات تتجاوز الحادثة نفسها لتفتح نقاشا بشأن المنظومة التشريعية وآليات تنفيذ الأحكام في ليبيا، ويقول إن من الضروري مراجعة الإطار القانوني المنظم لتنفيذ الأحكام.

ويضيف أن القاضي، حتى في القضايا التي يمنحه فيها القانون سلطة تقديرية، يملك بدائل متعددة عند إصدار العقوبة وهو ما يدفع -بحسب رأيه- إلى التساؤل عن الظروف والملابسات التي أحاطت بقرار تنفيذ الحكم بهذه الكيفية. داعيا إلى تحقيق شامل لا يقتصر على الجوانب الإجرائية بل يمتد إلى بحث الخلفيات والدوافع التي أفضت إلى وقوع الحادثة.

ولا يستبعد فنيش أن تكون الواقعة قد استُغلت لإثارة توترات كامنة في الجنوب الليبي، خاصة في ظل هشاشة الوضع الأمني وانتشار بعض التيارات المتشددة في مناطق متفرقة، محذرا من احتمال تكرار حوادث مشابهة في مناطق بعيدة عن نفوذ السلطة المركزية، إذا لم تعزز مؤسسات الدولة حضورها وتفرض سيادة القانون بصورة متساوية على جميع الأراضي الليبية.

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا