في ظهيرة مثقلة بملفي إيران ولبنان، جلس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد لمدة 45 دقيقة، في لقاء أمني حضره السكرتير العسكري الجديد لرئيس الحكومة، اللواء غاي مركيزانو.
وبدت التفاصيل التي نشرتها يديعوت أحرونوت مقتضبة، لكنها جاءت بعد فراغ طويل، إذ مضى شهران ونصف من دون إحاطة أمنية بين رئيس الحكومة وزعيم المعارضة، في مرحلة تتحرك فيها إسرائيل بين اتفاق إطار مع لبنان، وترتيبات أمريكية مع إيران، وانتخابات تقترب من تحويل كل إجراء مؤسسي إلى مادة سياسية.
وافتتح مراسل الشؤون السياسية في يديعوت أحرونوت إيتمار آيخنر الخبر من زاوية الزمن، موضحا أن اللقاء هو الأول منذ نحو شهرين ونصف، وأن مدته 45 دقيقة، وبحضور السكرتير العسكري الجديد.
قبل ذلك بأسبوعين، وضعت موران أزولاي في الصحيفة نفسها هذا التأخير في إطاره القانوني والسياسي، حين كتبت أن آخر تحديث أمني تلقاه لبيد كان في 15 أبريل/نيسان، وأن القانون الإسرائيلي يلزم رئيس الحكومة بإطلاع رئيس المعارضة مرة واحدة على الأقل كل شهر.
وتمنح هذه الخلفية اللقاء معنى خاصا، فهو واجب منصوص عليه في قانون الكنيست منذ عام 2000، لا مبادرة شخصية من نتنياهو، وهو يأتي في وقت تحول فيه التأخير نفسه إلى خبر، إذ تذكر يديعوت أن مكتب لبيد توجه أكثر من مرة إلى مكتب نتنياهو بسبب الاتفاق الأمريكي الإيراني المتبلور، من دون أن يُحدد له موعد سريع.
وهنا يبرز موقع لبيد في المشهد، فهو ليس زعيم حزب معارض فقط، بل رئيس حكومة سابق ورئيس المعارضة الرسمي بسبب قانون رئيس المعارضة الذي تم إقراره في الكنيست عام 2000، ويفترض أن يطلع على المواد الأمنية الخام التي تسميها الصحافة الإسرائيلية "المادة السوداء"، لذلك فإن السؤال لا يتعلق بحق لبيد في الإحاطة، وإنما بالسبب الذي جعلها تعود في هذا التوقيت تحديدا.
تكشف ذاكرة اللقاءات بين الرجلين أن هذه الإحاطات الأمنية روتينية في القانون، لكنها ارتبطت غالبا بمحطات أمنية حادة، في أغسطس/آب 2022، حين كان لبيد رئيسا للحكومة ونتنياهو زعيما للمعارضة، خرج نتنياهو من إحاطة حول الملف النووي الإيراني قائلا إنه "خرج قلقا أكثر"، واتهم لبيد وغانتس بأنهما "ناما خلال نوبة الحراسة" أمام الاتفاق النووي، ورد لبيد وقتها بجملة لافتة "في قضايا الأمن القومي يجب ألا تسمح السياسة بتخريب الموقف الإسرائيلي الموحد تجاه إيران".
بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، انعكست الأدوار وبقيت اللغة نفسها تقريبا، ففي أبريل/نيسان 2023، وفي ظل تصعيد امتد إلى لبنان وغزة والضفة، خرج لبيد من إحاطة في "وزارة الدفاع" بالقول إنه "دخل قلقا وخرج أكثر قلقا"، مضيفا أنه سيدعم أي خطوة توصي بها الأجهزة الأمنية، لكنه يرى أن حكومة نتنياهو غير مؤهلة لإدارة اللحظة.
وتتسع الصورة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، إذ وثقت هيئة البث الإسرائيلية لقاء نتنياهو مع لبيد وغانتس في يوم الهجوم، حين طرح نتنياهو حكومة طوارئ واسعة، و وافق لبيد على المبدأ، لكنه اشترط حكومة "مهنية" لا تبقي تركيبة إيتمار بن غفير و بتسلئيل سموتريتش كما هي، في تلك اللحظة ظهر الخط الذي بقي حاضرا لاحقا، وهو إجماع أمني محدود، وخلاف سياسي عميق.
ويتفق رصد يديعوت أحرنوت والقناة 13 على أن لبيد استخدم تصريحاته بعد الإحاطات لتثبيت هذا الخط، في مايو/أيار 2025، عندما خرج من تحديث أمني ليقول إن صفقة الأسرى تحتاج "قرار كابينت واحدا"، وعرض على نتنياهو شبكة أمان سياسية.
وفي أغسطس/آب من العام نفسه، بعد لقاء استمر نحو 40 دقيقة، قال لبيد إن "احتلال غزة فكرة سيئة جدا" عملياتيا وأخلاقيا واقتصاديا، أما في فبراير/شباط 2026، ومع احتدام ملف إيران، فاختار نبرة مختلفة، حين قال إن "إسرائيل كلها موحدة أمام إيران"، وهكذا صارت الإحاطة نافذة صغيرة على الطريقة التي يحاول بها لبيد الجمع بين مسؤولية أمنية لا يريد التخلي عنها، ومعارضة سياسية لا يريد تمييعها.
في لقاء اليوم، لا يبدو الفصل بين إيران ولبنان ممكنا، وكانت يديعوت أحرنوت قد ربطت طلبات لبيد السابقة بالاتفاق الأمريكي الإيراني، وبما وصفته مصادر إسرائيلية بأنه أضرار كبيرة على المصالح الأمنية الإسرائيلية، وفي المقابل، جاءت الإحاطة بعد مؤتمر نتنياهو عن الاتفاق الإطاري مع لبنان، حيث قدّم الاعتراف الأمريكي واللبناني ببقاء إسرائيل في "الحزام الأمني" بوصفه إنجازا كبيرا.
وهنا تتقاطع قراءات الإعلام الإسرائيلي، إذ نقلت كان 11 رواية نتنياهو للاتفاق باعتباره تثبيتا لحق إسرائيل في البقاء والعمل طالما استمر التهديد، وفي المقابل أبرزت إسرائيل هيوم ردودا من اليمين واليسار تشكك في الاتفاق، إذ وصفه بن غفير بالخطأ الكبير، في حين اتهم لبيد نتنياهو بالموافقة على انسحاب من دون مقابل واضح.
وبهذا المعنى، يلتقي الملفان في سؤال واحد، فهل جاءت الإحاطة بسبب إيران أم لبنان؟ الصياغة الأدق أن إيران منحت اللقاء ضرورته الأمنية، ولبنان منحه توقيته السياسي، فالاتفاق مع بيروت يحتاج إلى غطاء داخلي، أو على الأقل إلى صورة مؤسسية تقول إن رئيس الحكومة يطلع المعارضة على اللحظة الحساسة، أما إيران فهي الملف الذي يسمح لنتنياهو ولبيد بتكرار لغة "الوحدة" من دون دفع ثمن وحدة سياسية فعلية.
تزامن اللقاء مع حملة نتنياهو الجديدة حول "حكومة وطنية واسعة"، وهنا لا يقرأ الإعلام الإسرائيلي الحدث كإجراء أمني منفصل عن الانتخابات، ففي القناة 12 يتفق عميت سيغال وبن كسبيت على أن نتنياهو يستخدم خطاب الوحدة كجزء من إدارة معركته الانتخابية المقبلة، لكنهما يختلفان في تفسير الغاية.
سيغال يرى أن نتنياهو يحاول تحسين موقعه أمام ناخبين ضاقوا بالانقسام، ولا يقترح وحدة كاملة بقدر ما يعرض على الآخرين الالتحاق بحكومة تقوم على قاعدته، في حين يلخص بن كسبيت المشهد في أن نتنياهو يضع "قدما في الوحدة وقدما في الانقسام"، والهدف في النهاية تشكيل حكومة بأي ثمن.
ومنحت هآرتس القراءة طابعا أكثر حدة -حسب جوناثان ليس- لأن إعلان نتنياهو عن حكومة واسعة -حسب تحليله- يفتقر إلى قابلية سياسية حقيقية، ويأتي في ظل تعثر لبنان والضغط الأمريكي، أما إسرائيل هيوم فتكشف أن الشك لم يأت من المعارضة فقط، بل من داخل اليمين أيضا، إذ تخشى أوساط بن غفير أن يكون نتنياهو يهيئ لانعطاف سياسي يخرجه من الحكومة المقبلة.
في هذا المناخ، حرص لبيد على قطع الطريق أمام أي تأويل وحدوي للقاء بعد الإحاطة، فهاجم حديث نتنياهو عن حكومة واسعة -حسب القناة 13- وقال إن "يش عتيد" لن تجلس معه، محذرا من "أحزاب تابعة لنتنياهو" يقدمها لخدمة عودته إذا لم يتمكن من الانتصار في الانتخابات القادمة منفردا أو بمعية حلفائه من اليمين المتطرف، وبذلك بقيت الإحاطة في مكانها الضيق فهي قناة أمنية ضرورية، لا جسرا سياسيا.
وفي الخلاصة كشفت لقاءات نتنياهو ولبيد أن الإحاطة الأمنية في إسرائيل إجراء روتيني يتحول، في أوقات الحرب والانتخابات، إلى مرآة للأزمة السياسية.
ورغم أن لقاء اليوم جمع إيران ولبنان في غرفة واحدة، فإنه حمل أيضا صورة أرادها نتنياهو عن رئيس حكومة يتشارك "المصير الأمني" مع المعارضة، وقبل لبيد الجلوس إلى الطاولة الأمنية، ثم غادرها سياسيا بسرعة، تاركا السؤال مفتوحا: هل كانت الإحاطة واجبا قانونيا، أم لقطة محسوبة في حملة نتنياهو الجديدة؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة