هناك في "أزتيكا"، حيث "لمس مارادونا السماء بيده"، وتوج بيليه بطلاً تاريخياً للمونديال مرتدياً القبعة المكسيكية، ودفعت مقصية نيغريتي المشجعين إلى إطلاق هتاف مهيب وُصف بـ"الزئير"، يستعد عشب الملعب التاريخي إلى استضافة ثالث مباراة افتتاحية لكأس العالم.
ففي 11 يونيو/حزيران يبدأ مونديال 2026 الذي تستضيفه المكسيك بالاشتراك مع الولايات المتحدة وكندا، بمباراة افتتاحية تجمع المكسيك وجنوب أفريقيا على "أزتيكا" بعد مباراتي افتتاح مونديالي 1970 و1986.
وسيصبح الملعب الكائن في العاصمة مكسيكو سيتي، الملعب الوحيد الذي استضاف مباريات كأس العالم في ثلاث نسخ مختلفة.
استضاف
19 مباراة في كؤوس العالم
رقم قياسي
وسيعزز الملعب رقمه القياسي في عدد مباريات المونديال، مع انتهاء مونديال 2026 ليصبح 24 مباراة، لكنه لن يتمكن من استضافة النهائي الثالث في تاريخه، لأن استضافة نهائي مونديال 2026 ستكون من نصيب الولايات المتحدة.
يقول رئيس الاتحاد المكسيكي لكرة القدم سابقًا غييرمو كانيدو، الذي جعل استضافة كأس العالم هدفه الأسمى في عام 1960: "لم تكن المكسيك ترغب في تنظيم كأس العالم فحسب، بل أردنا تنظيم أفضل بطولة شهدها العالم على الإطلاق، ولهذا كنا بحاجة إلى أفضل ملعب شهده العالم على الإطلاق".
أراد المكسيكيون ملعباً يتسع إلى 100 ألف مشجع على الأقل، يخلق جواً مثيراً وجاذباً.
وبالفعل، اشتُهر الملعب بصخبه وحماسه وبطريقة تشجيع مميزة عُرفت بـ"الموجة المكسيكية"، وهي تبدأ عندما يقف مشجعون فجأة مع رفع أيديهم عالياً ثم الجلوس بشكل سريع، ثم تُكرر كل مجموعة مجاورة الحركات بشكل متتابع ومتسق، مما يخلق مشهداً بصرياً يشبه الموجة العملاقة التي تتحرك حول الملعب.
ومنذ افتتاح ملعب أزتيكا في 29 مايو/أيار 1966، واستضافة المباراة الأولى بين فريقي كلوب أمريكا المكسيكي وتورينو الإيطالي، لا يكف الملعب عن استضافة الأحداث والمناسبات الكبيرة وإبهار من تطأ قدمه العشب.
لا يخفي رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو شدة إعجابه بالصرح الكروي، ويصفه بأنه "كاتدرائية كرة القدم العالمية"، كما وصفه موقع الفيفا الإلكتروني بـ"معبد المكسيك الأسطوري".
وبعيداً عن كؤوس العالم، كان الملعب من ضمن المنشآت التي استضافت دورة الألعاب الأولمبية في 1968.
وفي 1999، فاز المنتخب المكسيكي بكأس القارات، بعد تغلبه في النهائي على البرازيل بنتيجة 4-3، على وقع الهتاف الجماهيري "¡Sí se puede!" (نعم نستطيع!).
لكن لحظاته الخالدة كانت في المونديال، وبدأت في كأس العالم 1970، ومن بينها "مباراة القرن".
ففي 17 يونيو/حزيران 1970، وخلال الدور نصف النهائي، تألقت إيطاليا وألمانيا الغربية في مباراة لا تُنسى امتدت لقرابة 120 دقيقة، فاز فيها الإيطاليون بنتيجة 4-3.
يقول الإيطالي أنجيلو دومينغيني، الذي لعب هناك في نصف النهائي والنهائي: "كان لدينا بعض من أفضل الملاعب في إيطاليا، لكننا كنا جميعاً متحمسين للعب في أزتيكا. كان مسرحاً للمواجهة التاريخية بين إيطاليا وألمانيا الغربية في المكسيك، ولأحداث أخرى رائعة. لم نكن نحلم أبدًا بأن الأجواء ستكون مذهلة إلى هذا الحد".
وفي 21 يونيو/حزيران، هزم منتخب البرازيل، بقيادة "الملك" بيليه منتخب إيطاليا القوي ليتوج بطلاً لكأس العالم 1970، ليُحمل بعدها بيليه على الأعناق مرتدياً قبعة السمبريرو المكسيكية.
يقول بيليه المتوج بثلاث بطولات في كأس العالم: "هناك شيء مميز جداً في أزتيكا، يجب أن تدخله حتى تشعر به وتفهمه، إنه فريد من نوعه".
أما كارلوس ألبرتو الذي سجل هدفاً صاروخياً في النهائي، أذهله صخب التشجيع، ليقول: "الأجواء والضجيج في تلك المباراة النهائية كانا لا يصدقان، شعرت وكأن المكسيك بأكملها برازيلية، إنه شيء لا يوصف".
سحر الأجواء في هذه النسخة حفز المكسيكيين إلى تكرار تجربة الاستضافة من جديد في مونديال عام 1986 التي شهدت أحداثاً خالدة في الذاكرة الكروية.
أصبحت المكسيك أول دولة تستضيف بطولتين لكأس العالم. وكان ملعب أزتيكا مسرحاً لمباريات الأرجنتين الحاسمة التي بلغ فيها دييغو أرماندو مارادونا ذروة مسيرته الكروية.
لكن للمكسيكيين لحظتهم الخاصة في هذه البطولة.
ففي مباراة المكسيك وبلغاريا في الدور ثمن النهائي للبطولة سجل المكسيكي مانويل نيغريتي أحد أجمل الأهداف في تاريخ المونديال عبر ركلة مقصية جانبية أطلقت العنان لما وصفه (الفيفا) بـ"الزئير الأكثر دهشة في تاريخ كرة القدم" حين أطلق 115 ألف متفرج صرختهم بعد الهدف الاستثنائي.
وفي الدور التالي، كانت مباراة الأرجنتين ضد إنجلترا إحدى أهم المباريات في تاريخ كؤوس العالم.
في هذه المقابلة ارتقى مارادونا قصير القامة عالياً، رافعاً يده لتضع الكرة في الشباك الإنجليزية، مانحاً بلاده هدفاً لم يكف يوماً عن إثارة الجدل، ثم أتبعه بهدف مذهل يُوصف من قبل الكثيرين بأنه أجمل هدف في تاريخ المونديال.
وفي النهائي، كانت هناك مباراة تنافسية بين ألمانيا والأرجنتين، حسمها القادمون من "بلاد الفضة"، ليرفع مارادونا الكأس الذهبية عالياً في ملعب الأزتيكا.
خضع الملعب لأعمال تجديد استعداداً لنسخة مونديال 2026 الأكبر في التاريخ، وليقدم تجربة من الطراز الأول للجماهير ويلبي المعايير الدولية التي يشترطها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
شملت عملية التجديد للملعب الذي أصبح يتسع لأكثر من 85 ألف متفرج لإعادة تأهيل المدرجات بالكامل وتركيب مقاعد جديدة، في سعي لتحسين التصميم والرؤية في جميع أقسام الملعب، وتجهيز أرضية الملعب بنظام عشب هجين، يضم تقنيات جديدة في الصرف والتهوية.
وخضع الملعب لتحسينات تقنية مثل إضاءة (LED) عالية الأداء، وأكثر من ألف هوائي إنترنت (واي فاي)، ونظاماً أمنياً جديداً مزود بكاميرات مراقبة فيديو، ونظاماً صوتياً مُحدّثاً، من شأنه تحسين التجربة الصوتية لجميع الحضور.
وتمتد أعمال التجديد لتضم مناطق ضيافة جديدة لتقديم تجارب مميزة للحضور.
وسبق للملعب أن خضع لأعمال تحديث وإعادة تصميم في 1984 قبيل مونديال 1986.
وفي عام 2025، طرأ تغيير على اسم الملعب ليحمل اسم "بانورتي" لمدة 12 عاماً وهو اسم بنك قدم تمويلاً لأعمال التحديث، مما أثار استياء بعض الجماهير.
وبما أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لا يسمح باستخدام الأسماء التجارية على الملاعب خلال بطولاته، فسيُطلق عليه اسم ملعب مدينة مكسيكو سيتي خلال كأس العالم.
لم يكن ملعب أزتيكا مجرد مساحة خضراء مستطيلة تستضيف المنافسات الكروية فحسب، بل كانت مسرحاً لمنافسات رياضية أخرى وأعمال فنية ودينية جماهيرية لا تُنسى.
ففي 1983، استضاف الملعب حفلا موسيقياً للمرة الأولى لفرقة مينودو، جذب حشداً بلغ 105 آلاف شخص.
وفي 1992، نُصب مسرح ارتفاعه أكثر من 20 متراً محاطٌ بـ90 ألف متشوق للاستمتاع لأداء المغني البريطاني إلتون جون.
وشاهد 132 ألف متفرج أسطورة الملاكمة المكسيكي خوليو سيزار تشافيز وهو يخوض نزالاً تاريخياً في أزتيكا في 1993، وهي ثاني أعلى مباراة ملاكمة تشهد حضوراً على الإطلاق.
وفي 1993، كان جمهور الأزتيكا على موعد مع ملك البوب مايكل جاكسون الذي أحيا حفلات عدة جذب حضوراً فاق عدده النصف مليون.
وألقى البابا يوحنا بولس الثاني في 1999 رسالةً عن الأخوة والسلام في الملعب.
وقال بابا الفاتيكان، الذي كان حارس مرمى مخاطباً أكثر من 100 ألف شخص في أزتيكا: "الأشخاص الذين يعرفونني يعرفون أنني مغرم قليلاً بكرة القدم، إنه لشرف كبير أن أكون هنا، حيث شاهدت كرة قدم جميلة، وكأس عالم لن ننساه أبداً".
وأحيت الفنانة الكولومبية شاكيرا حفلين جماهيريين على الملعب في 2018.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة