آخر الأخبار

لبنان يفاوض إسرائيل ويُحاكم مواطنين بسبب مواقفهم منها | الحرة

شارك

في وقت يجلس فيه مسؤولون لبنانيون وإسرائيليون إلى طاولة تفاوض برعاية أميركية، أصدرت المحكمة العسكرية في بيروت أحكاماً غيابية بالسجن 15 عاماً بحق الناشطة جومانا جبارة والكاتب والأكاديمي الدكتور أحمد ياسين على خلفية تصريحات ومواقف مرتبطة بإسرائيل.

وأعادت هذه الأحكام، التي تضمنت أيضاً تجريد المحكوم عليهما من حقوقهما المدنية، فتح النقاش حول محاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية ودورها في القضايا المرتبطة بالتعبير السياسي. كما سلطت الضوء على مفارقة يراها منتقدون قائمة بين ملاحقة أفراد بتهم تتصل بالتواصل مع إسرائيل من جهة، وانخراط الدولة اللبنانية في مسار تفاوضي مع إسرائيل من جهة أخرى.

وتعود ملاحقة جبارة إلى منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي نُسب إليها فيه الإشادة بالمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي وشكره على قصف مواقع تابعة لحزب الله، إلى جانب التعبير عن تأييدها السلام مع إسرائيل. ورد أدرعي على منشورها معرباً عن شكره لكلماتها، وذلك في نوفمبر 2024، بحسب ما أوردت وسائل إعلام لبنانية.

أما ياسين، فاستندت الدعوى بحقه إلى فيديو نشره أواخر عام 2024 تناول فيه موقع هياكل بعلبك الأثري بعد تعرض محيطه لغارة إسرائيلية أدت إلى تضرر مبنى “المنشية” الأثري.

ويؤكد ياسين لموقع “الحرة” أن الفيديو لم يتضمن دعوة إلى استهداف الموقع، بل انتقاداً لإزالة وزير الثقافة السابق محمد وسام المرتضى “درع الحماية الأزرق” التابع للأمم المتحدة عن هياكل بعلبك، محذراً من تعريض الموقع للخطر نتيجة أي نشاط عسكري في محيطه.

وتناول في الفيديو معرض “الوعد الصادق” الذي نظمه حزب الله داخل القلعة عام 2009 وعُرضت فيه أسلحة ومعدات إسرائيلية استولى عليها بعد انسحاب عام 2000، معتبراً أن ذلك شكّل عسكرة للموقع. ويؤكد أنه لم يتحدث عن وجود أنفاق عسكرية داخل القلعة، بل عن استخدام أنفاق رومانية لعرض تلك المعدات.

“سيف مسلّط”؟

يصف ياسين القضية بأنها ذات خلفية سياسية، معتبراً أن “المحكمة العسكرية تحوّلت إلى سيف مسلط على رقاب معارضي حزب الله”، كما يقول إنه لم يتبلغ أي استدعاء رسمي رغم إقامته المعلنة في فرنسا.

بدورها، انتقدت جبارة، في منشور على منصة “ إكس “، المحكمة العسكرية، معتبرة أنها “خاضعة لنفوذ حزب الله”. وقالت إن محاكمتها جاءت على خلفية اتهامها بالإشادة بأدرعي ووصفه بأنه تحول “من عدو إلى أيقونة لدى شرائح واسعة”. وأوضحت أنها لم تتواصل معه يوماً بشكل خاص، وأن ما كتبته كان علنياً وبوعي كامل. كما جددت تأييدها لفكرة السلام بين لبنان وإسرائيل.

ومنذ سنوات تواجه المحكمة العسكرية انتقادات متواصلة بسبب صلاحياتها في محاكمة المدنيين.

وتقول الباحثة في مركز”سكايز” للدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية، وداد جربوع لموقع “الحرة” إن “المطالبات مستمرة بحصر اختصاص المحكمة العسكرية بالعسكريين، وضمان مثول المدنيين أمام القضاء العدلي”.

كما دعت منظمات دولية، بينها هيومن رايتس ووتش ، مراراً إلى وقف محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، معتبرة أنه يتم استخدامها “كأداة للترهيب أو للانتقام من الخطاب أو النشاط السياسيين”.

التعامل مع “ملف إسرائيل”

لكن الجدل لا يتوقف عند المحكمة العسكرية وحدها، فالمشكلة أعمق وتتعلق بكيفية تعامل الدولة اللبنانية مع ملف إسرائيل نفسه.

وتؤكد الناشطة الحقوقية، المحامية ديالا شحادة أن الأحكام الصادرة بحق جبارة وياسين “لا تستند إلى قانون مقاطعة إسرائيل، الذي يقتصر على العلاقات الاقتصادية والتجارية، بل إلى مواد في قانون العقوبات تتعلق بالجرائم الواقعة على أمن الدولة، مثل تقديم الدعم للعدو أو التحريض على ارتكاب جرائم ضد الدولة”.

وتلفت شحادة في حديث لموقع “الحرة” إلى أن “قانون العقوبات لا يذكر إسرائيل بالاسم، بل يتحدث عن العدو، وهو أي دولة تكون في حالة عداء أو حرب مع لبنان”.

لكن القانون اللبناني لم يعد يتعامل مع إسرائيل بعد عام 1990، كمسألة أمنية أو دبلوماسية فقط، بل تحوّل كما يقول المفوض السابق لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس “إلى منظومة أيديولوجية كاملة”.

ويشرح جرمانوس لموقع “حرة” أنه “جرى دمج قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في الخمسينيات، ومفهوم الإرهاب كما توسّع في النصوص الجزائية والاستثنائية بعد أحداث 1958، وبعض مواد قانون العقوبات المتعلقة بالتعامل مع العدو، مع اختصاص المحكمة العسكرية، لإنتاج عقيدة قانونية تعتبر أيّ اتصال بإسرائيل أو بإسرائيلي فعلاً محرّماً، لا مجرد مخالفة قانونية”.

يقول جرمانوس “لم تعد المسألة: هل وقع ضرر فعلي؟ هل وُجد قصد جرمي؟ هل هناك تعاون أمني؟ بل أصبحت المسألة: هل حصل تواصل؟ هل كُسر المحرّم؟ هل خالف الفرد سردية الدولة الرسمية؟”، معتبراً أن المحكمة العسكرية “تحوّلت أداة لتثبيت هذه العقيدة.

مفارقة المفاوضات

يزداد الجدل تعقيداً مع تزامن هذه الأحكام مع انخراط الدولة اللبنانية نفسها في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

في هذا السياق، ترى جربوع أن الإشكالية الأساسية تكمن “في غياب الاتساق بين الواقع السياسي والإطار القانوني القائم”. تقول إن “المسألة هنا ليست في المقارنة بين أفعال الأفراد وأفعال الدولة، لأن للدولة اعتبارات سيادية ووظيفية تختلف عن الأفراد، وإنما في ضرورة وجود إطار قانوني واضح ومتسق لا يترك مجالاً للغموض أو للتفسيرات المتناقضة”.

كذلك تشدد شحادة على ضرورة التمييز بين التفاوض والتواصل والعمالة، موضحة أن “الدستور اللبناني يمنح رئيس الجمهورية، بموافقة الحكومة، صلاحية التفاوض وإبرام الاتفاقيات، وهو أمر يختلف قانوناً عن تواصل الأفراد مع إسرائيل”.

وعلى خط المواقف السياسية، رأى النائب مارك ضو أن ما جرى “ليس عدالة بل ترهيب”.

أما أدرعي فتحدّث عن “ازدواجية في الأحكام” بين معارضي حزب الله ومناصريه.

ويأتي ذلك في ظل تاريخ طويل من الاتهامات المتعلقة بالتدخلات السياسية في القضاء اللبناني، بما في ذلك الانتقادات للزيارات المتكررة للقيادي في حزب الله وفيق صفا إلى قصر العدل، قبل أن يتعهد وزير العدل عادل نصار بوضع حد لمثل هذه الممارسات.

ويدرس ياسين اللجوء إلى القضاء الفرنسي للطعن في مسار المحاكمة، وقد يتقدم بدعاوى ضد المحكمة العسكرية ووزير الثقافة السابق وآخرين شاركوا في الملف، كما يؤكد.

وفي المقابل، ترى جربوع أن حماية حرية التعبير تقتضي “تعزيز استقلال القضاء ومراجعة النصوص القانونية التي تسمح بتجريم التعبير السلمي أو تفسيره بشكل فضفاض”.

على هذا النحو، انتهت المحاكمة، لكن القضية التي فجرتها تتجاوز الحكمين الصادرين فيها. فالسؤال لم يعد مقتصراً على مصير جبارة وياسين، بل بات يتعلق بمدى قدرة النظام القانوني اللبناني على التكيف مع واقع سياسي يتغير بوتيرة أسرع من القوانين التي لا تزال تحكمه.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا لبنان أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا