في الوقت الذي يعمق فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي توغله جنوب لبنان يحاول حزب الله جره إلى حرب استنزاف متحركة بأدوات متطورة تتجاوز كثيرا النموذج التقليدي، عبر مسيَّرات "الفايبر أوبتك" العاملة بالألياف الضوئية إلى جانب الكمائن المركبة وحرب العصابات.
هذه المسيَّرات تضرب إحدى أهم نقاط القوة الإسرائيلية، وهي الحرب الإلكترونية والتشويش، بينما تسمح الكمائن المتحركة باستثمار طبيعة الأرض الجنوبية بصورة فعالة، ما يؤدي إلى عملية مكلفة ومهددة بصورة مستمرة لجيش الاحتلال.
وفي هذه البيئة المستنزفة تكنولوجيا بمسيرات "الفايبر أوبتك" (FPV) والكمائن المتحركة، تتعاظم خسائر جيش الاحتلال ويتراجع من العمق اللبناني محاولا حماية مؤخرته بدلا من التوغل، حسب تصريحات محللين عسكريين وسياسيين للجزيرة نت.
شهدت الأيام الأخيرة انتقال حزب الله إلى نمط قتالي جديد ومختلف كليا بعد التوغل الإسرائيلي في البلدات الأمامية، وتخلى عن أسلوب "القتال الجبهوي التقليدي" والخطوط الدفاعية الثابتة التي تُنهك أمام كثافة النيران والغطاء الجوي للجيش الإسرائيلي.
وخلّف عدوان الجيش الإسرائيلي على لبنان أكثر من 3 آلاف قتيل و10 آلاف جريح، بينهم مئات الأطفال والنساء، كما حدد منطقة عازلة تمتد على نحو 600 كيلومتر مربع ووجّه إنذارات بإخلاء مئات البلدات والقرى بما يصل 2000 كيلومتر مربع أي ما يقرب من خُمس مساحة لبنان، ما أدى إلى نزوح قسري لعدد كبير من السكان من البيئة الحاضنة لحزب الله يقدر بنحو مليون و200 ألف.
"الاستنزاف المتحرك" العنوان الأبرز لتكتيكات حزب الله الجديدة، فالانتقال من الدفاع الثابت إلى الدفاع المرن والمتحرك، بعد دخول القوات الإسرائيلية إلى عدد من القرى والنقاط المرتفعة، حوّل كل تمركز إسرائيلي إلى هدف محتمل واستنزاف مستمر.
وهذا الاستنزاف للجيش الإسرائيلي دائم حتى وإن كان قادرا على دخول منطقة ما، فإنه لا يضمن له العمل فيها بأمان أو تثبيت سيطرته عليها بكلفة منخفضة.
وتكتيكات حزب الله كما يرصدها منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى اليونيفيل العميد منير شحادة والباحث العسكري والسياسي عمر معربوني، والمحلل السياسي والأكاديمي علي مطر تشمل:
لم تعد الحروب تحتاج في الأغلب إلى طيارين انتحاريين أو قوات برية لاقتحام الحدود؛ فالحروب في عام 2026 أصبحت بـ"التحكم عن بعد" أو بسلك رفيع. وأضحت المسيّرات "أخطر التطورات التكتيكية الحديثة" في ساحات القتال وذروة "الحرب غير المتناظرة"؛ فبضع مئات من الدولارات، كفيلة بتدمير آليات ومدرعات إسرائيلية تقدر قيمتها بملايين الدولارات، فضلاً عن استهداف الحشود البشرية بدقة جراحية، مما يرفع الكلفة البشرية والمادية على جيش الاحتلال ويجبره على إعادة حسابات التوغل، حسب معربوني.
وليست القيمة العسكرية الكبرى لهذه المسيَّرات في قدرتها التدميرية فقط، بل في أنها تقلَّص فعالية التفوق الإسرائيلي في مجال التشويش الإلكتروني، أحد أهم عناصر القوة الإسرائيلية تاريخيا، وحتى تعريض المناطق الخلفية إلى خطر داهم. كما أنها تبث مشاهد الخسائر بحيث لا يمكن للجيش الإسرائيلي أن يقوم بتعتيم إعلامي، كما يشرح العميد شحادة.
وتختلف "الفايبر أوبتك" عن المسيَّرات التقليدية لأنها تبقى متصلة بالمشغِّل عبر سلك ألياف ضوئية رفيع يُسحب خلفها أثناء الطيران.
ويعدد المحللان شحادة ومعربوني أهم ميزاتها:
وقد شكلت المسيَّرات الانقضاضية ضغطا على الجنود الإسرائيليين وتحولت إلى أزمة تشغل إسرائيل دون إمكانية إيجاد حلول جذرية لها حتى الآن، وفرضت على الجيش الإسرائيلي تخصيص موارد إضافية للحماية والمراقبة، كما يؤكد شحادة ومطر.
ونجحت هذه المسيّرات الانقضاضية في تحويل خطوط الإمداد الخلفية للجيش الإسرائيلي إلى "مناطق قتل ساقطة عسكريا"، فلم يعد بإمكان آليات التموين، أو صهاريج الوقود، أو ناقلات الجند التحرك بأمان، ما تسبب في اختناق لوجستي لقوات النخبة المتوغلة في الخطوط الأمامية، حسب معربوني.
وأمام الجيل الجديد من مسيّرات المقاومة الانقضاضية، الصغيرة ومنخفضة الارتفاع الموجهة عبر الألياف الضوئية واجهت إسرائيل "عجزا تقنيا مفاجئا"، وشكلت معضلة المعضلات لها ولم تجد لها حلا، كما جاء على لسان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وفق ما يقول معربوني وشحادة ومطر.
وتسعى إسرائيل جاهدة لتبني حلول سريعة رصدت لها مليارات الدولارات، مثل نظام الليزر " الشعاع الحديدي" المخصص للاعتراض الحراري، ونظام المناظير المحوسبة المثبتة على بنادق الجنود لتمكينهم من إسقاط المسيّرة بالرصاص التقليدي (الاعتراض الحركي)، بالإضافة إلى الاستعانة بـ"مسيّرات اعتراضية" أخرى، كما يقول معربوني.
وهذه الحلول الإسرائيلية، كما يضيف، لا تزال في طور التجربة والتطوير المتسارع أو النشر المحدود، ولم تصل بعد إلى مرحلة النضوج الشامل والقدرة على سد الفجوة البرية وتأمين حماية كاملة ومستدامة للقوات المتوغلة أو خطوط الإمداد ضد سيل المسيّرات المتدفق.
ويرجع ذلك إلى أن مسيَّرات "الفايبر أوبتك" لا تعتمد على الاتصال اللاسلكي التقليدي، بخلاف المسيَّرات التجارية المعدلة أو المسيرات المعتمدة على موجات الراديو، وبالتالي فإن وسائل التشويش الإلكتروني التي أثبتت فعاليتها ضد أنواع كثيرة من المسيَّرات تصبح عديمة الفاعلية.
ويقول شحادة ومطر إن إسرائيل تمتلك:
ويمكنها مواجهة مسيّرات الفايبر أوبتك عبر:
تُمثل "الكمائن خلف خطوط التوغل" الذروة الاحترافية لعمليات حزب الله في الميدان والسلاح الأكثر انسجاما مع طبيعة الجنوب اللبناني، وهي في صلب تكتيكات الحزب ومن أنجح أساليب حرب العصابات.
ولا يُقاس نجاح الكمين، عسكريا، بعدد الإصابات فقط، بل بمدى تأثيره على إيقاع العمليات العسكرية للخصم، كما يؤكد شحادة ومطر.
وتستهدف هذه الكمائن عادة عمليات الإسناد اللوجستية، وقوات الدعم، ومجموعات الإخلاء الطبي (التي تتحرك بحماية أقل من قوات النخبة في رأس الحربة)، مما يؤدي إلى إرباك منظومة القيادة والسيطرة الإسرائيلية، وتحويل أي تقدم بري إلى "مصيدة استنزاف" مستمرة، حسب معربوني.
وفضلا عن مصيدة الاستنزاف تخلق الكمائن شعورا بعدم الأمان حتى في المناطق التي يعتبرها الإسرائيليون مؤمنة كما حصل الثلاثاء على الحدود، ومن الواضح أن حزب الله يمتلك قدرة استخباراتية واستعلامية، كما يرى شحادة ومطر.
وتجبر قيادة الجيش على سحب قواتٍ من الهجوم لحماية المؤخرة، مما يشل الزخم الهجومي ويؤكد عجز الاحتلال عن تثبيت نقاط احتلال مستقرة أو السيطرة الفعلية على الجغرافيا، كما يضيف معربوني.
إسرائيليا، تمثل الكمائن تحديا أكبر للجيش عندما يضطر للتعامل مع مجموعات صغيرة تتحرك بصورة سرية وتضرب ثم تنسحب.
وفعالية هذه الكمائن تظهر في:
وهذا التأثير النفسي على الجنود ناجم عن انتقال المقاومة من الدفاع إلى حرب العصابات والكمائن المركبة ما يفرض على الوحدات المتوغلة نمطا من القتال لا تفضله الجيوش النظامية، الأمر الذي يعني أن حزب الله نجح في نقل المعركة إلى البيئة التي تناسبه أكثر، كما يقول شحادة.
ويضرب الانتقال إلى "حرب العصابات والكمائن المركبة" مباشرة في قلب العقيدة القتالية لجيش الاحتلال، كما أن له أثرا تدميريا على فرق النخبة المتوغلة، ومنها لواء غولاني، كما يقول معربوني ويوافقه شحادة ومطر، عبر مستويين:
وبشأن ما إذا كانت إسرائيل نجحت فعليا في تفكيك البنية التحتية لحزب الله أم أن الحزب ما زال يحتفظ بقدرته الإطلاقية الصاروخية؟ فثمة فرق جوهري بين "الإضعاف" و"التفكيك الكامل"، إذ نجحت إسرائيل في إضعاف جزء مهم من القدرات العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في القضاء على قدرته القتالية أو حتى على إضعافه وإضعاف قدرته على إطلاق الصواريخ والمسيَّرات، كما يؤكد شحادة ومطر.
وفي سياق الإضعاف، كما يرى شحادة، حققت إسرائيل نجاحات مهمة في استهداف:
في المقابل، يرى معربوني ومطر أن جيش الاحتلال فشل فعليا في تحقيق هدفه الإستراتيجي المعلن بتفكيك البنية التحتية الصلبة لحزب الله، وما جرى ميدانيا لا يتعدى كونه تدميرا فوق الأرض جرى تعويضه تكتيكيا.
ويرتكز هذا التقييم على 3 أمور:
يجمع المحللون على أن حزب الله يحاول منذ 2 مارس/آذار رسم قواعد اشتباك جديدة، وأن نجاحه في منع إسرائيل من تحقيق أهدافها كاملة يحافظ على جزء من معادلة الردع التراكمية، حتى لو تكبد خسائر خلال المواجهات.
وتفاوتت نظرتهم إلى نجاح الحزب في فرض معادلة الردع على الأمدين القريب والبعيد، ففي حين يرى معربوني أن الحزب نجح فيهما معا عبر الاستنزاف ورفع الكلفة، ذهب شحادة إلى أن الردع القريب تعرض لاهتزاز ما، في حين قال مطر إنه يتحقق باستهداف ما للمستوطنات الشمالية.
وبينما يقر معربوني أن النجاح في فرض "معادلة ردع مركبة" مرّ بتحولات عميقة في الأمدين القريب والبعيد، يرسم شحادة خارطة طريق لتحقيق هذا النجاح.
ويقرأ معربوني أن نجاح حزب الله في فرض "معادلة ردع مركبة" مرّ بتحولات عميقة:
في المقابل، يرى شحادة أن الردع التقليدي، على الأمد القريب، تعرض لاهتزاز واضح بسبب حجم العمليات العسكرية الإسرائيلية واتساعها وبسبب استعمال إسرائيل أسلوب الإبادة العمرانية وارتكاب المجازر بحق المدنيين الأمر الذي يؤثر على البيئة الحاضنة للمقاومة.
ويرسم شحادة، ويتفق معه مطر، خارطة طريق لحزب الله بهدف الحفاظ على جزء أساسي من معادلة الردع، وهو رفع كلفة أي عملية عسكرية إسرائيلية واستنزافها بشكل دائم عبر:
أما على الأمد البعيد، فيرى شحادة ومطر أن نجاح الردع سيتوقف على 3 عناصر:
ويخلص المحللون إلى أن حزب الله نجح في فرض القتال في بيئة أكثر انسجاما مع عناصره وأن الجيش الإسرائيلي اضطر للقتال في بيئة مستنزفة تكنولوجيا بمسيّرات "الفايبر أوبتك" والكمائن المركبة ما أدى إلى عجزه عن حسم المعركة بريا.
هذا العجز، كما يرى المحللون، رسالة للأجيال المقبلة من قادة الاحتلال بأن أي تفكير في اجتياح لبنان مستقبلا سيعني الدخول في نفق مظلم من الخسائر البشرية والاقتصادية التي لا تطاق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة