منذ أكثر من شهر، يراجع رسول شاسواري فرع بنك “ملي” في مدينته، جوانرو، غربي إيران، بحثا عن مال اختفى من حسابه. في كل مرة، كما يقول، يسمع الجواب نفسه: الحساب تعرض للقرصنة، والمال ضاع.
كان شاسواري، وهو فلاح إيراني، قد أودع في حسابه 180 مليون تومان، أي نحو ألف دولار، قبل أسابيع من اختفاء المبلغ. يقول لـ”الحرة” إن المال كان دخله الوحيد هذا العام من تصدير منتجات زراعية شتوية وربيعية إلى العراق.
لم يعرف شاسواري بما حدث إلا في الثالث من مايو، عندما حاول شراء حاجيات يومية للمنزل وفشلت عملية الدفع. اتصل بالبنك، فقيل له في البداية إن هناك مشكلة في الحسابات. وبعد مراجعته الفرع، أُبلغ بأن حسابه سُرق بالكامل، وأن الأمر لا يخصه وحده، بل شمل أعدادا كبيرة من الزبائن في بلد يعتمد فيه الناس على بطاقات الدفع في معظم معاملاتهم اليومية.
قبل ذلك بنحو أسبوعين، نقلت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية “ إرنا “، في 20 أبريل، عن نائب رئيس قسم أنظمة الدفع والتقنيات الجديدة في البنك المركزي الإيراني، مسعود باشامجي، قوله إن بنكي “سباه” و”ملي” تعرضا لـ”هجمات إلكترونية ومادية من قبل جهات معادية”، مضيفا أن المسؤولين تمكنوا من حل المشكلة “في أسرع وقت ممكن”.
لكن رواية البنك لم تكن كافية لطمأنة شاسواري وغيره من المتضررين. فاختفاء أموال صغيرة نسبيا من حسابات عمال وفلاحين، في بلد أنهكته الحرب والعقوبات والتضخم، أثار مخاوف أخرى: أن تتحول الأزمة الأمنية إلى وسيلة لمعاقبة الإيرانيين ماليا، أو للتغطية على مصادرة أموالهم تحت عناوين القرصنة والتعاون مع العدو.
كاميار رحماني، وهو عامل في مخبز بمدينة مريوان غربي إيران، يقول إن حسابه في بنك “ملي” تعرض للسرقة أيضا. كان في الحساب، بحسب قوله، نحو 16 مليون تومان، أي ما يعادل 75 دولارا، هي ما تبقى من راتبه الشهري في نهاية أبريل.
“اختفى المبلغ فجأة،” يقول رحماني لـ”الحرة”، “راجعت البنك عدة مرات، لكنهم قالوا إن الأمر خارج إرادتهم، وإن الحسابات سُرقت من قبل قراصنة إسرائيليين”.
ويضيف أن إدارة البنك أبلغته، كما أبلغت آخرين، بأن حساباتهم قد تتعرض مجددا للقرصنة لأن البلاد “في حالة حرب”. لكن رحماني ومواطنين آخرين تحدثوا لـ”الحرة” من داخل إيران، يشككون في هذه الرواية، ويعتقدون أن ما جرى قد يكون جزءا من شبكة فساد أو إجراء غير معلن تقف خلفه جهات أمنية تستهدف أشخاصا لم يشاركوا في حملات الدعم المالي أو المعنوي للحرس الثوري أثناء الحرب.
ولم تتوفر وثائق مستقلة تثبت هذه الاتهامات. لكن الشكوك تعكس حجم انعدام الثقة بين شريحة من الإيرانيين والمؤسسات الرسمية، خصوصا مع اتساع حملة أمنية وقضائية تستهدف أموال وممتلكات أشخاص تتهمهم السلطات بالتعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة، أو مع وسائل إعلام ومنظمات تعتبرها معادية.
وبحسب ناشطين ومعارضين تحدثوا لـ”الحرة”، تعمل السلطات الإيرانية منذ الحرب الأخيرة على فرز المواطنين سياسيا وأمنيا. فهناك، وفق وصفهم، من يُعدون قريبين من السلطة أو موالين لها، من خلال الانتماء إلى الحرس الثوري أو الباسيج أو المشاركة في حملات التبرع بالذهب والأموال للأجهزة الأمنية. وفي المقابل، توسع السلطات دائرة من تصفهم بـ”المعادين للثورة الإسلامية”، لتشمل متظاهرين وناشطين وصحفيين ومعارضين، بل وناشطين في مجال البيئة، حتى عندما لا تكون هناك اتهامات محددة أو معلنة ضدهم.
ويقول عضو الهيئة الدبلوماسية الخارجية في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني المعارض، هيرش بالاني، إن السلطات صادرت خلال الأسابيع الماضية أموالا وممتلكات من إيرانيين بتهم التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة أو تلقي حوالات مالية منهما. ويضيف أن الإجراءات طالت أساتذة جامعات ورياضيين وصحفيين، إضافة إلى إصلاحيين وأشخاص من قوميات مختلفة ومعتقلين داخل السجون.
ويرى بالاني أن الهدف الأساسي من هذه الخطوات هو “إخافة الإيرانيين، وخاصة الناشطين”. لكنه يربطها أيضا بالأزمة المالية التي يواجهها النظام. ويقول لـ”الحرة” إن المصادرات تكشف حاجة السلطات إلى المال، لكنها، برأيه، لن تكون كافية لإعادة بناء مصانع الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيرة التي دُمرت خلال الحرب.
وكان موقع “ جوان أونلاين “، القريب من التيار المتشدد في الحرس الثوري، قد نشر في 28 أبريل تقريرا عن اجتماع خُصص لبحث إجراءات مصادرة ممتلكات من وصفهم بـ”العناصر التابعة للعدو المعتدي”. ونقل الموقع عن رئيس السلطة القضائية، محسني إيجي، قوله: “يجب أن نؤكد لكل من يتعاون مع العدو المعتدي بأي شكل من الأشكال، سواء داخل البلاد أو خارجها، أننا سنلاحقهم وفقا للقانون، وإذا كانت عقوبة مصادرة الممتلكات تنطبق عليهم قانونا، فسنصادر ممتلكاتهم حتما وفقا للقانون”.
فرزين كرباسي، وهو محلل سياسي كردي إيراني معارض يقيم في إقليم كردستان، يقول إن عائلته عانت على مدى أكثر من 47 عاما من سياسات المصادرة في إيران. فقد صودرت، بحسب قوله، أصول مالية وعقارية للعائلة أكثر من مرة، بسبب معارضتها للنظام ووجود بعض أفرادها خارج البلاد.
ويقول كرباسي لـ”الحرة” إن “محاكم الثورة كثفت محاكماتها الشكلية للإيرانيين بتهم مختلفة، منها التظاهر والمعارضة والتجسس لصالح إسرائيل وأميركا والحرابة والبغي، وهي كلها تهم سياسية”. ويضيف أن هذه المحاكمات تنتهي يوميا، بحسب قوله، بمصادرة أصول أشخاص متهمين.
ويرى كرباسي أن الهدف لا يقتصر على معاقبة المتهمين، بل يتعداه إلى إرسال رسالة أوسع للإيرانيين: أي تحرك ضد النظام قد يعرّض صاحبه لخسارة ماله وبيته وممتلكاته، لا لحكم بالسجن فقط.
هذا ما وصفته منظمة العفو الدولية في تقرير أصدرته في 28 مايو بأنه جزء من حملة قمع أوسع ضد المعارضة. وقالت المنظمة إن السلطات القضائية الإيرانية أصدرت أوامر لتحديد وتجميد ومصادرة أصول، بينها حسابات مصرفية وممتلكات ومقتنيات مالية، استهدفت أشخاصا متهمين بالتعاون مع “دول معادية” أو “وسائل إعلام معادية”.
وقالت المنظمة إن القضاء الإيراني أعلن في مارس عن استخدام نظام رقمي يسمى “سَهام”، يتيح تحديد الأصول والاستيلاء عليها بسرعة، مستهدفا من تسميهم السلطات “إرهابيين وعملاء مرتزقة تابعين للعدو الصهيوني وغيره من البلدان المعادية”. ومنذ ذلك الحين، أعلنت السلطات، بحسب العفو الدولية، مصادرة أصول أكثر من 750 شخصا تصفهم بـ”الخونة” و”عملاء العدو”، داخل إيران وخارجها، بينهم صحفيون في الشتات.
بعد أسابيع من المراجعات، لم يحصل شاسواري ولا رحماني على جواب محدد. في البنك، يسمعان كلاما عن قرصنة وحرب وجهات معادية. خسر شاسواري مردود موسم زراعي كامل. وخسر رحماني ما تبقى من راتبه الشهري في مخبز مريوان. وحتى الآن، لا يعرف أي منهما متى سيعود المال، أو ما إذا كان سيعود أصلا.
المصدر:
الحرة