آخر الأخبار

الصين تعيد تعريف القوة الصناعية.. من سباق التكنولوجيا إلى هندسة المستقبل

شارك

لا يبدو مقال الرئيس الصيني شي جين بينغ الذي نشرته "تشيوشي" المجلة التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، مجرد طرح نظري حول الصناعات المستقبلية، بل يمثل محاولة لإعادة ضبط موقع الصين داخل التحولات البنيوية للاقتصاد العالمي.

فبينما تتسارع المنافسة الدولية على امتلاك مفاتيح التكنولوجيا المتقدمة، يأتي هذا النص كإطار توجيهي يعكس إدراك القيادة الصينية بأن المرحلة المقبلة لن تُحسم عبر الإنتاج فقط، وإنما عبر القدرة على تشكيل قواعد الابتكار ذاته.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ترمب وإيران ونتنياهو.. الكل يريد إنهاء الحرب على طريقته
* list 2 of 2 ترمب يكبح جماح نتنياهو في بيروت.. كيف قرأها الإسرائيليون؟ end of list

ورغم أن المقال مقتطفات من خطاب شي جين بينغ في الدورة الـ24 للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في دورته الـ20 المنعقدة بتاريخ 30 يناير/كانون الثاني 2026، فإن الحديث فيه عن "صناعات المستقبل" تحول إلى خطاب إستراتيجي يعيد تعريف القوة الاقتصادية في سياق سياسي متغير.

مصدر الصورة الرئيس الصيني (يسار) يحاول إعادة ضبط موقع الصين داخل التحولات البنيوية للاقتصاد العالمي (الأناضول)

التحول نحو اقتصاد استباقي

ويركز مقال الرئيس الصيني على أن الصناعات المستقبلية ليست امتدادا طبيعيا للصناعات التقليدية، بل قفزة نوعية تعيد رسم خريطة النمو، فشي يرى أن "موجة جديدة من الثورة العلمية والتكنولوجية والتحول الصناعي في تسارع مستمر"، مما يضع الدول أمام اختبار القدرة على التكيف الاستباقي.

هذا الطرح يعكس انتقال الصين من نموذج البناء والتطور إلى نموذج التنبؤ الإستراتيجي، حيث لم يعد الهدف سد الفجوة مع القوى المتقدمة، بل تبوؤ موقع متقدم في تشكيل الاقتصاد العالمي، ويظهر ذلك في مجالات مثل تكنولوجيا الكم والتصنيع الحيوي، وطاقة الاندماج النووي والذكاء الاصطناعي واتصالات الجيل السادس كمرتكزات لنمو اقتصادي جديد، وصولا إلى التفوق النوعي وليس الكمي فحسب.

ويربط الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني بين صعود الصناعات المستقبلية وقدرة الدولة على تنظيم الابتكار، مستندا إلى ما وصفه "بنظام الدولة الشامل"، مؤكدا أن "الصناعة تطرح الأسئلة، والتكنولوجيا تجيب عليها"، في إشارة إلى نموذج تكاملي بين البحث والتطبيق.

إعلان

هذا الطرح يحمل دلالة جيوسياسية مهمة، لأنه يعكس إصرار الصين على تجاوز العقبات التقنية التي تقيد استقلالها التكنولوجي، كما يكشف عن تصور يرى في البحث الأساسي أداة سيادية، لا مجرد نشاط أكاديمي، مما يعزز فكرة أن التنافس الدولي بات يتمحور حول من يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة لا على استهلاكها.

مصدر الصورة شركة هافال الصينية تسعى لمد جذورها وتوسيع نطاق عملياتها عالميا (وكالات)

الشركات كأداة إستراتيجية

يمنح المقال دورا محوريا للشركات، معتبرا أنها الفاعل الرئيسي في دفع الصناعات المستقبلية، ويشير شي إلى أن "الشركات المركزية تشكل فريق الدولة في الابتكار"، مما يكشف عن نموذج هجين يجمع بين توجيه الدولة وديناميكية السوق.

ولا يقتصر هذا التوجه على الشركات الكبرى، بل يمتد لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة، بما يعزز منظومة ابتكار متعددة المستويات، ويرسخ فكرة أن التفوق الصناعي لا يتحقق عبر الاحتكار المؤسسي، بل عبر بيئة تنافسية موجهة تخدم أهدافا إستراتيجية أوسع.

يعترف المقال بأن الصناعات المستقبلية ترتبط بمخاطر كبيرة ودورات تطوير طويلة، مما يستدعي تدخلا سياسيا لتهيئة البيئة المناسبة من خلال تحسين السياسات المالية والضريبية، وزيادة الاستثمار في صناعات المستقبل، ومن هنا يدعو شي إلى تطوير أدوات التمويل التكنولوجي وتشجيع الاستثمار طويل الأجل، معتبرا أن "المواهب هي أثمن مورد".

هذه المقاربة تكشف عن تحول في فهم المخاطر، حيث لم يعد ينظر إليها كعائق، بل كشرط ضروري للريادة، كما تظهر محاولة إعادة توجيه رأس المال نحو "التكنولوجيا الصلبة"، في مقابل المضاربات قصيرة الأجل، بما يعزز الاستقرار الإستراتيجي للاقتصاد.

مصدر الصورة شي جين بينغ يحاول إعادة تعريف القيادة والسيادة في العصر الرقمي (الفرنسية)

حوكمة بين الانفتاح والسيطرة

وفي حديثه عن نظام الحوكمة، يطرح شي معادلة دقيقة بين تعزيز الابتكار وضبط المخاطر، إذ يشدد على ضرورة "الموازنة بين التنمية والأمن"، مع تطوير آليات للرصد والإنذار المبكر، بحيث يكرس هذا التوازن إدراكا عمليا للتحديات الأخلاقية والتقنية المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة، مثل إساءة استخدام البيانات أو فقدان السيطرة على الأنظمة الذكية.

وفي الوقت ذاته، يدعو الرئيس إلى تعميق التعاون الدولي والمشاركة في صياغة القواعد العالمية، مما يوضح حقيقة أن سعي الصين لم يعد مقتصرا على المنافسة فقط، بل لتعزيز التطوير المشترك للمعايير، والتأثير في بنية النظام التكنولوجي العالمي.

وفي النهاية، يكشف المقال عن رؤية أعمق للصناعات المستقبلية تحولها من مجرد "سياسة تصنيعية" إنتاجية، إلى مشروع لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والتكنولوجيا والسوق، بما يضمن للصين بناء منظومة متكاملة تتحكم في مسار الابتكار نفسه.

ويختتم شي مقاله بالتحذير من أن يكون القادة على جميع المستويات "كالأعمى الذي يتحسس الفيل"، معتبرا أن الجهل بالتكنولوجيا لم يعد تقصيرا إداريا، بل مخاطرة إستراتيجية لا يمكن قبولها.

وبهذا المعنى يمكن قراءة هذا التوجه باعتباره محاولة لإعادة تعريف القيادة والسيادة في العصر الرقمي، حيث تصبح القدرة على فهم المستقبل وصناعته هي المعيار الحقيقي للقوة.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا