بعد سبعة أشهر من دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ، تكشف صور أقمار اصطناعية أن الوجود العسكري الإسرائيلي داخل القطاع لم يتراجع كما نصّ الاتفاق، بل شهد توسعا لافتا في عدد من المناطق.
وأظهر تحليل أجرته "وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة" للصور الملتقطة حتى مايو/أيار 2026 إنشاء مواقع عسكرية جديدة وتطوير أخرى قائمة، إلى جانب إضافة تحصينات وخنادق ومناطق لتمركز الآليات داخل مناطق انتشار الجيش الإسرائيلي.
ويكشف التحليل وجود 40 نقطة عسكرية إسرائيلية داخل قطاع غزة، بينها 8 مواقع استُحدثت بعد اتفاق وقف إطلاق النار، أحدها كان لا يزال قيد الإنشاء حتى تاريخ آخر صورة حللها الفريق.
أين توجد القواعد العسكرية؟
تتوزع النقاط العسكرية التي رصدتها الصور على امتداد جغرافيا قطاع غزة من الشمال إلى الجنوب، مع تمركز واضح في مناطق قريبة من خطوط الفصل والسيطرة، وحول مناطق وجود الفلسطينيين.
وتوضح الخريطة التي أعدتها وحدة المصادر المفتوحة انتشار مواقع عسكرية إسرائيلية في مختلف محافظات قطاع غزة، بينها 3 نقاط تقع شرق محور نتساريم أو في محيطه، وهو المحور الذي استخدمه جيش الاحتلال خلال الحرب لفصل شمال القطاع عن جنوبه.
ولا تكشف الصور عدد الجنود الموجودين داخل هذه المواقع، لكنها تُظهر بنية ميدانية تشمل سواتر ترابية وطرقا داخلية ومناطق لتمركز الآليات وتحصينات في بعض النقاط، ما يشير إلى أن الأمر لا يتعلق بنقاط مراقبة عابرة فحسب، بل ببنية انتشار عسكري أكثر تنظيما واستدامة.
8 مواقع عسكرية مستحدثة منذ الاتفاق
تكشف المقارنة بين صور أكتوبر/تشرين الأول 2025 وصور 18 مايو/أيار 2026 أن جيش الاحتلال الإسرائيلي استحدث 8 مواقع عسكرية جديدة داخل مناطق "الخط الأصفر" التي بقيت فيها قواته بعد اتفاق وقف إطلاق النار، أحدها كان لا يزال قيد الإنشاء حتى تاريخ التقاط آخر صورة.
وتوزعت هذه المواقع على مناطق عدة في القطاع؛ إذ أظهرت الصور موقعين جديدين في شمال غزة، وموقعا في منطقة جحر الديك شرق محور نتساريم، وموقعين في وسط القطاع، و3 مواقع في خان يونس جنوبي القطاع.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الوجود العسكري الإسرائيلي لم يبق عند حدود المواقع التي كانت قائمة مع دخول الاتفاق حيز التنفيذ، بل اتجه إلى إنشاء بنية عسكرية جديدة في مناطق مختلفة من القطاع.
جحر الديك.. من أرض مفتوحة إلى موقع عسكري
في منطقة جحر الديك شرق مدينة غزة، تظهر صورة ملتقطة في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025 مساحة مفتوحة لا تبدو فيها ملامح موقع عسكري واضح.
لكن صورة أحدث التُقطت في 18 مايو/أيار 2026 تُظهر تغيرا في المكان نفسه، إذ بدأت ملامح موقع عسكري جديد بالظهور، مع أعمال هندسية وسواتر وترتيبات داخلية تشير إلى أن الموقع كان لا يزال قيد الإنشاء.
وتوضح الصور المتتابعة أن الأعمال في الموقع بدأت خلال مارس/آذار 2026، أي بعد أشهر من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، قبل أن يظهر في صورة مايو/أيار وقد تحول من أرض مفتوحة إلى نقطة عسكرية ناشئة.
بيت لاهيا.. موقع يتشكل بعد وقف إطلاق النار
وفي بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، لم تُظهر صورة 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025 أي ملامح للموقع العسكري الذي بدا واضحا في الصور اللاحقة.
وبحلول 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية بدء أعمال هندسية في المنطقة، قبل أن تكشف صورة 18 مايو/أيار 2026 اكتمال الهيكل الخارجي للموقع وظهور تجهيزات داخله.
اكتمال أعمال إنشاء النقطة العسكرية في بيت لاهيا 18 مايو/أيار 2026 (بلانت)وتشير هذه السلسلة الزمنية إلى أن الموقع استُحدث بعد اتفاق وقف إطلاق النار، ثم تطور تدريجيا خلال الأشهر التالية حتى أصبح نقطة عسكرية منظمة.
خان يونس.. نقطة عسكرية على أنقاض المقبرة الشرقية
وفي مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية استحداث 3 نقاط عسكرية بعد الاتفاق، من بينها موقع أُقيم على أنقاض المقبرة الشرقية.
وتكشف الصور أن الأعمال الهندسية في هذا الموقع بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قبل أن تظهر صورة 18 مايو/أيار 2026 تجهيزات ميدانية داخله.
وتبدو في الموقع مساحات مخصصة لتمركز الآليات، إلى جانب هياكل صغيرة متكررة قد تشير إلى مرافق تشغيل ميداني أو أماكن إقامة لجنود الاحتلال، وأخرى للاجتماعات.
الموقع العسكري الإسرائيلي المستحدث بعد اتفاق وقف إطلاق النار في خانيونس 18 مايو/أيار 2026 (بلانت)ومع استمرار الأعمال الهندسية التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي في مناطق مختلفة من القطاع، يبقى عدد المواقع العسكرية مرشحا للزيادة خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة.
قواعد عسكرية محصنة
ولا تقف التغيرات التي رصدتها الصور عند المواقع المستحدثة، إذ تكشف صور أخرى تحولات لافتة في نقاط عسكرية كانت قائمة عند دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
الموقع العسكري شرق مدينة غزة قبل أعمال التوسعة 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (بلانت)ففي نقطة عسكرية شرق مدينة غزة، تُظهر المقارنة بين صورة 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وصورة 18 مايو/أيار 2026 توسعة واضحة في محيط الموقع.
الموقع العسكري شرق مدينة غزة بعد أعمال التوسعة 18 مايو/أيار 2026 (بلانت)وبحسب تقديرات التحليل، زادت مساحة الموقع بنحو 70% مقارنة بمساحته السابقة، مع إعادة تنظيم داخلي وظهور تحصينات إضافية ومناطق جديدة لتمركز الآليات العسكرية.
الموقع العسكري وسط قطاع غزة قبل أعمال الحفر 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 (بلانت)وفي وسط قطاع غزة، ترصد الصور حفر خندق حول موقع عسكري إسرائيلي، إلى جانب إضافة منطقة تبدو مخصصة لتموضع الآليات العسكرية.
الموقع العسكري وسط قطاع غزة بعد أعمال حفر الخندق 18 مايو/أيار 2026 (بلانت)وتشير هذه الأعمال الهندسية إلى تعزيز تحصين الموقع وزيادة قدرته على الاستمرار ميدانيا، ما قد يعكس توجها لإطالة أمد الوجود العسكري الإسرائيلي داخل القطاع.
انتشار يطوق مناطق الفلسطينيين
وتظهر المعطيات السابقة أن عددا من النقاط العسكرية الإسرائيلية يحيط بمناطق وجود الفلسطينيين من جهات مختلفة، وهو ما يمنح هذا الانتشار دلالة ميدانية تتجاوز مجرد عدد المواقع.
فوجود نقاط عسكرية موزعة على امتداد القطاع، ومتصلة بمناطق تمركز آليات وسواتر وخنادق، قد يؤثر في قدرة السكان على الحركة والوصول إلى بعض الأراضي، خاصة في المناطق القريبة من خطوط انتشار قوات الاحتلال.
كما أن وجود 3 مواقع شرق محور نتساريم في مدينة غزة يشير إلى استمرار أهمية هذا المحور في خريطة السيطرة العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع.
وقف إطلاق النار
ويستند اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، إلى خطة طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تقوم على وقف الحرب، وانسحاب متدرج للجيش الإسرائيلي، وإطلاق متبادل للأسرى، ودخول فوري للمساعدات إلى القطاع، ونزع سلاح حركة حماس.
وجاءت الموافقة على المرحلة الأولى من الاتفاق بعد 4 أيام من مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين عُقدت في منتجع شرم الشيخ، بمشاركة تركيا ومصر وقطر، وإشراف أمريكي.
وبدعم أمريكي، تواصل إسرائيل حربها على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي أسفرت، وفق بيانات وزارة الصحة في غزة، عن استشهاد أكثر من 72 ألفا و938 فلسطينيا وإصابة أكثر من 172 ألفا و919 آخرا، معظمهم من الأطفال والنساء.
كما تشير البيانات إلى استشهاد 929 فلسطينيا منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وإصابة 2811 آخرا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة