آخر الأخبار

بإعاقة وإمكانات بسيطة.. خياط وحلاق وإسكافي يصنعون مظاهر العيد في غزة

شارك

غزة – في الطريق إلى عيد الأضحى في غزة، تُصنع هيئة العيد اليوم في ورش صغيرة أكثر مما تُشترى من الأسواق، أبطالها أشخاص من ذوي الإعاقة وضحايا حرب الإبادة يرسمون بعضا من ملامح العيد.

نقترب من أهم المهن التي تنشط قبيل الأعياد: الحلاقة، والخياطة، وصيانة الأحذية (الإسكافي)، مع فارق أن من يلبي هذه الحاجات الأساسية هم أشخاص من ذوي الإعاقة؛ حلاق يواصل عمله رغم إصابته ويقف ساعات طويلة في خيمة مزدحمة، وخياط فاقد للسمع يجيب بلغة الإشارة وتترجم ابنته للزبائن التفاصيل كتابة وإشارة، ومصلح أحذية يعيد الأشياء إلى الخدمة بخبرة سنين.

مصدر الصورة الخياط يحيى النجار أصم أصيب بقدمه خلال استهداف إسرائيلي وماكينة الخياطة وسيلته لكسب الرزق (الجزيرة)

خيّاط أصم

بين جدران داكنة تحمل آثار الدخان والرطوبة، يجلس الخيّاط يحيى النجار (56 عاما)، وهو أصم ومصاب في قدمه خلال استهداف إسرائيلي، إلى ماكينة خياطة صارت مركز ورشته كلها، على الطاولة قماش قيد التعديل، حركة يديه دقيقة ومهنية، ونظراته ثابتة على الغرزة والمسافة، يُنجز المهمة "على أكمل وجه" كما يصفه زبائنه.

تقف ياسمين (29 عاما)، ابنة الخياط، إلى جواره لتتحول إلى جسر بينه وبين الزبائن تكتب وتشير وتشرح وتلتقط التفاصيل التي يعجز كثيرون عن إيصالها سريعا.

كان النجار يجيب عن الأسئلة بلغة الإشارة؛ يرفع إصبعه ليؤكد رقما، ويحرك كفه ليشرح توسيعا أو تضييقا، ويشير إلى المتر على كتفه حين يتحدث عن القياس، ويضغط بقدمه المصابة والمحاطة بالبلاتين نتيجة الإصابة على الماكينة ويستمر بالعمل متعبا.

على مقربة منه تلتقط ياسمين إشارات والدها بعين خبيرة، ثم تترجمها للزبون كلمات واضحة، وتعيد صياغة طلبات الناس له بإشارات وكتابة سريعة. حين يلتبس الفهم على الزبائن، تتقدم ياسمين خطوة، تكتب المقاس والموعد والسعر بالأرقام، وتعرض الورقة على والدها فيومئ موافقا ويعود فورا إلى الماكينة.

إعلان

أما أكثر ما يضغط على الأب وابنته، فيرتبط بتأمين الموارد؛ الخيوط والإبر وبعض المستلزمات تمر بشح وغلاء، والخيّاط الذي كان يملك يوما نحو عشر ماكينات منوعة، يعمل اليوم على ماكينة واحدة بعد أن لحقت الأضرار بالمصنع خلال الحرب. ومع ذلك، يواصل القياس بالمتر وبدقة لافتة، يضع العلامات في أماكنها، ويُعيد رسم حدود القماش كأنه يُعيد رسم يوم كامل لعائلة تنتظر قطعة تُشبه العيد.

ثوب من تحت الركام

تشهد ورشة الخياطة حضورا كثيفا من فئة الشباب؛ تعديلات سريعة تُجهّزهم للزيارة والصلاة والصورة، ويأتي الثناء أحيانا بصيغة شعبية مباشرة، كما قال أحد الزبائن معجبا بعمله: "إيديك تلتف بالحرير، الكل يشيد بعملك، بدفعلك (الأجرة) بكل صدر رحب".

ويزداد فرح النجار حين يخرج طفل أو عروس بقطعة مضبوطة؛ فملابس الأطفال تحتاج دقة إضافية، وموسم العيد يضغط الوقت، ومع ذلك يواصل العمل حتى يخرج الطفل سعيدا، وقد يُخفّض السعر أحيانا إرضاء للأهالي.

ومن أكثر القصص التي بقيت في ذاكرة ياسمين ابنة الخياط في هذا الموسم، حكاية أم وصلت بثوب مهترئ أخرجته من تحت الركام، وطلبت استغلال قماشه لصناعة ملابس لطفلتيها، لحظة كهذه تختصر التحول الذي يراه الخيّاط يوميا: قطعة قماش تتحول إلى فرصة، وغرزة تتحول إلى ستر، وتعديل صغير يصير طريقا لفرحة طفل في العيد.

مصدر الصورة محمد أبو حسين بُترت قدمه إثر قصف إسرائيلي وعاد إلى مهنة الحلاقة رغم حاجة المهنة إلى الوقوف الطويل (الجزيرة)

حلاق بعكاز

في مكان آخر، ومساحة ضيقة محاطة بالشوادر وألواح الخشب، تتدلى لمبة صغيرة من سقف من الخشب والقماش، وتُثبت مرآة على مسمار في الجدار لتمنح الزبون مساحة تكفي لرؤية وجهه، تُصفّ على طاولة متواضعة أدوات الحرفة من مشط ومقص وزجاجة رش وعلبة كريم وجل ومطهرات للتعقيم، بينما يعمل الحلاقون على كرسيين فقط وسط طابور، وعلى موعد ثابت لمن يريد أن يخرج صباح العيد مرتبا ولو بأبسط التفاصيل.

هنا، في خيمة تُقام وتُفكّ مع كل نزوح، يصنع حلاقون ما يشبه الحياة الطبيعية في يوم واحد، يواصل شاب فقد ساقه عملا كان يقوم على الوقوف لساعات طويلة، ويستعيد حلاق آخر مهنته بعد أن فقد صالونه الكبير وشريكه في العمر والعمل تحت القصف، ليصير قص الشعر وتنسيق الهيئة علامة يتمسك بها الناس كي يخرجوا إلى صلاة العيد بقدر من النظام والكرامة.

يقف محمد أبو حسين (20 عاما) الذي اعتاد يوم عمل يتجاوز 13 ساعة قبل الحرب، يتحرك خلالها بين الزبائن ويضبط التفاصيل مثل: تدرّج الشعر، تحديد الجوانب، ترتيب المقدمة، ثم لمسة سريعة تمنح الوجه شكلا جاهزا للعيد. ثم بُترت قدمه إثر إصابة في قصف استهدف معسكر جباليا، فعاد إلى المهنة وهو يوازن جسده على ساق واحدة معتمدًا على عكازه ويتنقل بخطوات محسوبة.

يصف أبو حسين بدايات العودة بأنها كانت قاسية "تغلّبت كثيرا… ووقعت على الأرض كثيرا، لكن إرادتي قوية وهدفي لن يعيقه عكاز".

تعب ليلة العيد

يتحدث أبو حسين عن العكاز بوصفه سندا يوميا يمنحه القدرة على الوقوف، لكنه يحمّل ساقه الأخرى مجهودا أكبر، خاصة في مواسم الأعياد، إذ يصل متوسط زبائنه إلى 20 زبونا يوميا ويقضي ليلة العيد بطولها داخل الخيمة لأن الإقبال يشتد والوقت يضيق قبل التكبيرات وصلاة العيد.

إعلان

يجد نفسه واقفا طوال ساعات وسط مساحة مزدحمة لا تمنحه فرصة للراحة، فيسند ساقه المبتورة على العكاز لتخفيف الضغط ثم يعود فورا للعمل، ويقول إن التعب يشتد بعد منتصف اليوم ثم يتصاعد في الليل.

"جهد شديد وتعب أعصاب في قدمي التي تحمل العبء الأكبر، مع ألم يتراكم مع كل زبون، ومع ذلك أواصل، لأن حلاقة العيد تترك تفصيلا يرفع معنويات الناس بسرعة".

يقول إن ابتسامة طفل بعد قصّة جديدة، وارتياح شاب اكتفى بالشعور بالترتيب، يعيدان إليه سببا إضافيا للصبر، ويحوّلان تعب الساق إلى ثمن يدفعه كي يمر العيد على الناس بملمح أهدأ.

مصدر الصورة الشعراوي يشكو تضاعف أسعار أدوات الحلاقة والكهرباء (الجزيرة)

صالون في كل نزوح

يفتح الحلاق محمد الشعراوي هاتفه النقال ليستعرض صور صالونه القديم في معسكر جباليا، الصالون كان مشروع عمر وشراكة مع شقيقه نادر، قبل أن ينهدم بالكامل بتاريخ 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

فقد الشعراوي المكان، وفقد الشريك الذي يصفه بشريك العمر. يمرر الصور واحدة تلو الأخرى، ثم يقول: "شوفي هادا أخوي… شوفي كيف كنا مبسوطين بالصالون تاعنا… بس استشهد وراح".

وبين أدوات الحلاقة وذاكرة الصالون، يظهر امتداد الشراكة في صورة جديدة: يوسف (15 عاما)، ابن شقيقه. يشير إليه الشعراوي وهو يعمل: "هادا اللي بقى إلي من أخويا… جنبي وبمكانة أبوه وبعلّمه".

يشرح الشعراوي أن الخيمة الحالية تقوم في حي الرمال وسط قطاع غزة، محاطة بالشوادر ومثبتة بقطع خشبية، ويصفها بأنها مساحة عمل متواضعة تحمل عبئا أكبر من حجمها، إعالة عائلته المكونة من ستة أفراد، وإعالة عائلة شقيقه أيضا.

يقول: "من هذه الخيمة أعيل عائلتي المكونة من 6 أفراد وعائلة أخي"، ويضيف أنه أقام خيم حلاقة في كل منطقة نزح إليها، ويحمل معه أدواته الأساسية أينما انتقل المقص والماكينة والمشط. هكذا صارت الحرفة صالونا متنقلا يرافقه مع النزوح ويؤمّن الحد الأدنى من الدخل.

كلفة عالية

يستوقف الشعراوي الحديث عن أسعار أدوات المهنة التي تغيرت كثيرا خلال الحرب. يشرح وهو يشير إلى الأدوات أمامه أن ماكينة الحلاقة تجاوز سعرها 3000 شيكل (نحو 1038 دولارا أمريكيا)، بعد أن كان سعرها سابقا 500 شيكل (نحو 173 دولارا).

والمقصات ارتفعت من 30 شيكلا (نحو 10 دولارات) إلى 250 شيكلا (نحو 86.5 دولارا)، وماكينة الحلاق برقم واحد (صفر) صعدت من 25 شيكلا (نحو 8.7 دولارات) إلى 300 شيكل (نحو 103.8 دولارات)، وبين أداة وأخرى يكرر أن كل قطعة تحولت إلى عبء مالي جديد على الحلاق، خصوصا مع الحاجة إلى التعقيم والنظافة في مهنة تماس مباشر مع الجلد.

ثم تأتي الكهرباء كعنصر ضاغط إضافي، يتحدث الشعراوي عن أسعار مرتفعة تصل إلى 12 دولارا للكيلو واط الواحد، بعد أن كانت تدور حول الدولار، ويشرح أن تشغيل ماكينة الحلاقة صار قرارا يوميا مرتبطا بكلفة تشغيلية عالية، في وقت يتوافد فيه الزبائن بكثافة خلال العيد.

ويشير أيضا إلى تكدّس الدفع الإلكتروني وتأجيل الدفع في ليلة العيد، فيتأقلم مع واقع الناس ويواصل العمل، ومع كثرة الزبائن يعطي مساحة خاصة لتعقيم الأدوات ونظافتها، ويذكر أن مواد التنظيف والتعقيم تكلفتها مرتفعة، مع اعتماد الخيمة على معدات محدودة يستخدمها مع عدد كبير من الزبائن.

مصدر الصورة يقول خالد الجوجو إن معظم الزبائن آباء وأمهات يصلحون أحذيتهم ويشترون أحذية جديدة لأطفالهم (الجزيرة)

أحذية مرممة

تحت سقف من الشوادر المثبتة بأعمدة خشبية، يجلس خالد الجوجو أمام ماكينة خياطة قديمة تحولت إلى قلب ورشته المتنقلة، يضع على ركبتيه قطعة قماش حمراء تحميه من احتكاك الأدوات، ويُقارب بيدين متعبتين تفاصيل حذاء أسود مرصّع، يمرر الخيط بين الثقوب بدقة.

صانع يعرف أن الغَرزة هنا تساوي يوما إضافيا من الاستخدام، على الطاولة تتجاور بَكرات خيط سميكة وأخرى صغيرة، ومقص، ومطرقة، وأداة حادة للثقب، وشرائط وأربطة متدلية تشي بأن المكان يستقبل أحذية وشنطا أكثر من عهد سابق.

إعلان

خالد، وهو أب لـ6 أفراد، يقرأ العيد من خلال حركة الزبائن، أجواء بسيطة، ووجوه تحمل قلقا واضحا، وقدرة شرائية متراجعة تدفع الناس إلى الصيانة وإعادة الاستخدام بدل الذهاب إلى شراء جديد.

يشرح أن كثيرين يعيشون مع غياب الدخل الثابت، فيصير ترميم الحذاء قرارا اقتصاديا بديهيا، ويختصرها بأرقام يراها يوميا: "الحذاء الذي يكلّف 100 شيكل (نحو 34.5 دولارا أمريكيا) يعود للخدمة بـ5 شواكل".

خيوط شحيحة

أدوات المهنة نفسها صارت جزءا من الحكاية؛ الخيط والإبرة وما يلزم للترميم يمر بفترات شح، ولذلك يعتمد على خيوط احتفظ بها خلال تنقلاته مع كل نزوح، ويعاملها كرصيد عمل يضمن استمرار الورشة.

يقف المحامي معين عبد الرحمن أمام الماكينة ينتظر دوره في الحصول على حذائه الذي أرسله قبل يومين للإصلاح، ويقول"معظم الأحذية القادمة للصيانة تخص الكبار، فأنا كأب أختار تجديد أحذيتي كي أوفّر الجديد لأطفالي".

هكذا تتحول ماكينة خالد إلى مساحة ستر يومية؛ كل غرزة فيها تحمل اقتصاد بيت، وفرحة طفل، ومحاولة عائلة أن تُبقي للعيد مظهره حتى في أقسى المواسم، في مشهد يعكس اعتماد الناس على الترميم خلال موسم العيد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا