في صباح الأول من مارس/آذار، أقلعت 4 قاذفات إستراتيجية شبحية من نوع "بي-2 سبيريت" من قواعدها متجهة نحو إيران، في مهمة لضرب منشآت صاروخية مدفونة تحت الجبال في إيران ضمن الموجة الأولى من عملية "الغضب الملحمي". القاذفات الشبحية الأمريكية، الأغلى في التاريخ، والتي يتجاوز ثمن الواحدة منها ملياري دولار، صُممت لغرض واحد: أن تصل وتضرب هدفها، ثم تعود دون أن يعرف أحد أنها كانت هناك.
في اليوم التالي، نشرت شركة صينية تُدعى "جينغان تكنولوجي"، وهي شركة عسكرية تقدم خدمات استخبارية لجيش التحرير الشعبي، على وسائل التواصل الاجتماعي أنها عرفت بوجود تلك القاذفات، وادعت أن نظامها "جينغتشي" لرصد أحداث الحروب اعترض إشارات لاسلكية من القاذفات الأربع، وحددت إشارات اتصالها، من بيترو 41 إلى بيترو 44 ( تشير هذه الأرقام إلى تسلسلات التشكيلات العسكرية؛ حيث يعكس الرقم الأول السرب أو التشكيل، ويعكس الرقم الثاني ترتيب أو موقع الطائرة داخل هذا التشكيل) وأعادت بناء مسار رحلة العودة بالكامل.
"تهدد مجموعة من التقنيات الرخيصة والمتاحة منظومة التخفي المعقدة للطائرة الأغلى في العالم"
النظام الذي استخدمته الشركة ليس رادارا أو منظومة اعتراض إشارات تقليدية، ولكنه مزيج من صور الأقمار الاصطناعية التجارية وبيانات تتبع الرحلات المفتوحة والسجلات العسكرية العلنية، مع تقنيات ذكاء اصطناعي تستخدم لتحليل هذه البيانات. هذا المنهج تحديدا، وليس الادعاء نفسه، يفتح الباب لمناقشة فكرة أعمق حول "مواجهة التخفي"، لأن شركة صينية أخرى استخدمت الأدوات ذاتها، وما كشفته كان أكبر بكثير من مسار رحلة عودة لقاذفات شبحية أمريكية.
المهم أن أيا من ذلك لم يحدث بسبب اختراق علمي في تكنولوجيا الرادارات، بل بسبب أقمار اصطناعية تجارية، وتقنيات ذكاء اصطناعي، وبيانات مفتوحة المصدر متاحة على الإنترنت، وسوق عالمية بنتها أمريكا نفسها وباعتها للعالم. والسؤال الآن: كيف تتآكل منظومة التخفي للطائرات الأغلى في العالم بسبب هذه التقنيات البسيطة والمتاحة؟
قبل أسابيع من عملية "الغضب الملحمي"، كانت شركة صينية أخرى تُدعى "ميزار فيجن" تنشر صورا فضائية من أقمار اصطناعية تحدد أعداد المقاتلات الأمريكية وأنواعها ومواقع دفاعها الجوي في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وقد وثقت الشركة ونشرت معلومات عن 2500 أصل عسكري أمريكي منتشر حول العالم قبل أن تسقط أول قنبلة على الأراضي الإيرانية.
في الشهر الأخير قبل العملية قفزت الشركة من نشر تحليلات متفرقة إلى تحديثات يومية على وسائل التواصل الاجتماعي، بتفاصيل غير مسبوقة، عن الطائرات ومنظومات التسليح الأمريكية وأماكن انتشارها الدقيقة في الشرق الأوسط وحوله. على سبيل المثال، وقبل يوم واحد من العملية، نشرت الشركة صورا لسبع مقاتلات "إف-22" أمريكية في قاعدة عوفدا الإسرائيلية مع طائرات "سي-17" تفرغ الإمدادات، إضافة إلى عتاد في قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي.
ثم تتبعت الشركة حاملة الطائرات "جيرالد فورد" بعد مغادرتها قاعدة سودا البحرية في كريت، ونشرت صورا لحاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" وهي في طريقها للالتقاء بسفينة إمداد في بحر العرب قبالة سواحل عُمان. وأظهرت الشركة كيف يمكن تحديد موقع حاملات الطائرات في عرض البحر بدمج أدوات تتبع الرحلات المفتوحة مع صور الأقمار الاصطناعية. ثم جاء ادعاء شركة "جينغان تكنولوجي" في اليوم التالي لمهمة القاذفة الإستراتيجية "بي-2 سبيريت".
لم تكن شركة "ميزار فيجن" الوحيدة التي رأت كل هذا، إذ نشرت صحف غربية تقارير تستعرض الحشد العسكري الأمريكي بالكامل مستندة إلى صور الأقمار الاصطناعية والمصادر التجارية والأدوات ذاتها.
المفارقة أن هو بو، أستاذ البحوث ومدير مركز دراسة الإستراتيجيات البحرية بجامعة بكين، أكد أن صور شركة "ميزار فيجن" لم تُلتقط بأقمار صينية، بل كان مصدرها أقمارا أمريكية وأوروبية تجارية، كما يتضح من مدارات الأقمار ودقة الصور. بمعنى آخر: الصور التي رسمت خريطة الحرب الأمريكية التُقطت بأقمار صنعتها أمريكا وأوروبا وباعتها في السوق المفتوحة.
هنا يتضح ما الذي انكشف فعلا وما الذي لم ينكشف، فقاذفة "بي-2" غير مرئية للرادارات، هذا لا يزال صحيحا حتى هذه اللحظة على الأقل. لكنها لم تطر يوما وحدها، ففي كل عملية ترافقها غالبا المنظومة ذاتها: طائرات تزود بالوقود، وطائرات نقل للذخائر، وطائرات إنذار مبكر، وحاملات طائرات ومدمرات. تلك المنظومة جزء أساسي من طريقة عمل أي سلاح جوي حديث، وما تغير ليس المنظومة نفسها، بل حقيقة أن رصدها بتلك الدقة كان يتطلب سابقا أقمار تجسس عسكرية وأجهزة استخبارات على مستوى الدول، بينما اليوم أصبح يتطلب اشتراكا في خدمة تجارية.
لاحظ كيف يتحدث بعض المسؤولين الصينيين السابقين عن هذه الحملة، إذ قال عقيد صيني متقاعد عن نشاط شركة "ميزار فيجن" إنه "استكشاف مفيد يسهم في تطوير الصين كقوة استخبارية". بالنسبة إلى بكين، سواء تعلق الأمر بصور فضائية أو بادعاء اعتراض إشارات قاذفات "بي-2" الشبحية، فربما لا يحتاج الأمر أن يكون دقيقا ليحقق هدفه، فيكفي أن يرسخ صورة قوة منظومة الاستخبارات الصينية والشركات العاملة معها في جمع المعلومات، والتقنيات الحديثة التي توظفها.
"في أبريل/نيسان 2024 أنشأ الرئيس الصيني شي جين بينغ قوة دعم المعلومات كفرع إستراتيجي جديد يقدم تقاريره مباشرة للجنة العسكرية المركزية"
ويتسق هذا مع العقيدة العسكرية الصينية، ففي أبريل/نيسان 2024 أنشأ الرئيس الصيني، شي جين بينغ، "قوة دعم المعلومات" كفرع إستراتيجي جديد يقدم تقاريره مباشرة للجنة العسكرية المركزية. تتمثل مهمة القوة الأساسية في إنشاء وتشغيل نظام معلومات شبكي متعدد الأغراض يدعم العمليات العسكرية المشتركة في أي بيئة صراع وتحت أي هجوم للعدو. ووفقا لمحللي جيش التحرير الشعبي، فإن "النجاح في الحروب الحديثة يعتمد على التدفق السلس للمعلومات"، مما يجعل تلك الشبكة ركيزة أساسية في الحروب والمنافسات الإستراتيجية على حد سواء.
على الجهة المقابلة، ردت واشنطن بتقييد ما يراه العالم، ففي السادس من مارس/آذار فرضت شركة "بلانيت لابز" الأمريكية تأخيرا قدره 96 ساعة على صورها الفضائية، وهي الشركة التي تأسست عام 2010 ويستخدم الإعلام والباحثون صورها الفضائية على نطاق واسع. وبعد أيام ضاعفت "بلانيت لابز" القيود إلى 14 يوما، ووسعت النطاق ليشمل كل منطقة الشرق الأوسط وبعض المناطق المتاخمة لها جغرافيا التي يمكن أن تتحرك عبرها القوات والأصول الأمريكية.
بالمثل فرضت شركة "فانتور" قيودا مشابهة وقالت إنها تحددها "باستقلالية". وليس تقييد الصور التجارية في أثناء النزاعات والحروب بالأمر الجديد، فقد فرضت شركة "بلانيت لابز" تأخيرا قدره 30 يوما في أثناء الحرب على غزة. لكن السياق هنا مختلف، لأن تلك القيود جاءت بعد أن استهدفت إيران لاحقا عددا من المنشآت والممتلكات التي عرضتها "ميزار فيجن" بصواريخ ومسيرات.
"تضخم الصين ما يمكنها رؤيته، بينما تقيد أمريكا ما يمكن للآخرين رؤيته، لكن الطرفين يقران ضمنيا بأن البيانات التجارية أصبحت قادرة على كشف ما كان يُفترض أنه سري"
لكن ربما تلك القيود لم تكن بهدف حماية القوات والعتاد فحسب، إذ جاءت أيضا بعد أن استخدمت فرق التحقيق الصحفية صور أقمار "بلانيت لابز" ذاتها لتحليل الضربة على مدرسة ميناب الابتدائية للفتيات والتحقق من نوع الصاروخ. إذ أشار صحفيون إلى أن هذا التأخير الذي تحول لاحقا إلى حظر "يبطئ التحقق ويجعل التثبت من الوقائع أصعب"، وأكدوا أن صور أقمار "بلانيت لابز" مكنت فرقهم من تحليل الضربات على المدرسة.
وقال وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، إن "المصادر المفتوحة ليست المكان المناسب لتحديد ما حدث أو لم يحدث". ولكن حين تكون المصادر المفتوحة فعليا هي الأداة الوحيدة المتاحة للعالم لمعرفة ما يجري في حرب لا يملك للمعلومات الدقيقة بشأنها، فإن تقييدها لا يهدف إلى حماية القوات فحسب، بل إلى حماية السردية أيضا.
وهنا تحديدا تتقاطع ردتا الفعل، فربما تضخم الصين ما يمكنها رؤيته، بينما تقيد أمريكا ما يمكن للآخرين رؤيته، لكن الطرفين يقران ضمنيا بأن البيانات التجارية أصبحت قادرة على كشف ما كان يُفترض أنه سري. وتستثمر بكين الآن في هذا التحول الحديث، وتحاول واشنطن إبطاءه، لكن أيا منهما لا تستطيع عكس اتجاهه. ولنفهم طبيعة هذا التحول، علينا أن نعود بالزمن إلى ثمانينيات القرن الماضي.
حين صمم مهندسو شركة "نورثروب" قاذفة "بي-2" الإستراتيجية، كان عدوهم حينها محددا، وهو شبكات الرادار السوفييتية. كل خط في هيكل الطائرة، وكل زاوية، وكل طبقة طلاء، صُممت لتقليل البصمة الرادارية. كان المبدأ بسيطا، فإذا لم يرك الرادار، لا يمكن اعتراضك.
كان هذا المبدأ صالحا لأن الرادار كان فعلا الطريقة الوحيدة لرؤية ما يحدث في السماء. لكنه كان يصلح أيضا لسبب آخر لا يُذكر كثيرا، وهو أن البيئة حول الطائرة كانت محمية بعتمة معلوماتية طبيعية. رصد القواعد وطائرات الدعم وسلاسل الإمداد كان يتطلب وقتها أقمارا عسكرية وأجهزة استخبارات على مستوى الدول.
اليوم، كما رأينا، انكشفت تلك العتمة والحماية معا، وباتت هناك 3 اتجاهات لم تكن موجودة حين رُسمت الخطوط الأولى للقاذفة "بي-2" على الورق. الاتجاه الأول يتمثل في عدد العيون في الفضاء، فحين دخلت قاذفة "بي-2" الخدمة عام 1997 كانت الأقمار القادرة على التقاط صور عالية الدقة حكرا على حفنة قليلة من الدول. أما اليوم فإن كوكبة "جيلين-1" (أكبر شبكة تجارية صينية لأقمار الاستشعار عن بُعد ومراقبة الأرض) وحدها تضم نحو 300 قمر صغير، وقادرة على إنتاج صور بدقة نصف متر تشمل فيديو مباشر لأهداف متحركة.
"حين دخلت القاذفة بي-2 الخدمة عام 1997 كانت الأقمار القادرة على التقاط صور عالية الدقة حكرا على حفنة قليلة من الدول"
على الجانب الآخر تملك شركة "بلانيت لابز" أسطولا من الأقمار يصور كل نقطة على الأرض عدة مرات يوميا، وتوفر شركة "فانتور" صورا بدقة 0.3 متر. هذه ليست أقمار تجسس حكومية، بل منتجات تجارية متاحة لأي عميل يدفع المقابل. وقد قدر البنتاغون نفسه عام 2022 أن الصين "تملك وتشغل نحو نصف أنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الفضائية في العالم"، وهذا يشمل القدرات العسكرية فقط. وحين تُضاف الأقمار التجارية يصبح الفضاء مزدحما بعيون لا تخضع لجهة واحدة.
الاتجاه الثاني هو تقنيات الذكاء الاصطناعي، فما كان يحتاج عشرات المحللين لتدقيق صور الأقمار وتحديد أنواع الطائرات أصبح يؤديه برنامج يمسح آلاف الصور ويكشف أنماط الانتشار تلقائيا. هذا ما فعلته شركة "ميزار فيجن" تحديدا، إذ اشترت صورا تجارية وحولتها بالذكاء الاصطناعي إلى استخبارات جاهزة. لم تعد العملية تتطلب إذن جهاز استخبارات متخصص، بل شركة ناشئة بتمويل كافٍ.
الاتجاه الثالث يتمثل في توافر البيانات مفتوحة المصدر، فمواقع تتبع الرحلات الجوية متاحة للجميع. مثلا نظام "جينغتشي"، الخاص بشركة "جينغان تكنولوجي"، يعمل بدمج صور أقمار مع بيانات مسارات طيران وسجلات عسكرية علنية ثم يحلل الأنماط. يطلق المحللون على هذا مصطلح "شفافية التخفي"، فالطائرة الشبحية مصممة لتفادي الرادار، لكنها تعمل ضمن شبكة عملياتية من طائرات دعم وتحركات لوجستية وقواعد ثابتة، وهذه الشبكة التي كانت محمية بعتمة المعلومات سابقا، لم تعد محمية الآن.
وهنا ينبغي توضيح أن جزءا من تلك الصورة كان متاحا من قبل، فهناك مواقع يمكنها تتبع الطائرات العسكرية التي تبث إشاراتها في أثناء تحليقها عبر المجال الجوي المدني. فأي شخص كان يراقب حركة طائرات النقل وطائرات التزود بالوقود في الأسابيع التي سبقت العملية كان سيلاحظ تدفقا غير اعتيادي نحو قواعد الشرق الأوسط.
"الطائرات الشبحية مصممة لتفادي الرادارات، لكنها تعمل ضمن شبكة عملياتية كانت محمية سابقا بعتمة المعلومات ولم تعد كذلك الآن"
لكن تتبع الرحلات وحده لا يظهر حجم ونوعية العتاد الذي وصل المنطقة فعلا؛ المقاتلات من طراز "إف-35″ و"إف-22" تطير عادة بأجهزة الإرسال مطفأة في مناطق العمليات، فلا تظهر على أي شاشة تتبع. ومواقع الرحلات لا تحصي ما هو متوقف على مدرجات الطيران، ولا تحدد مواقع منظومات الدفاع الجوي، ولا تصور سطح حاملة طائرات.
ما أضافته الأقمار التجارية هو الطبقة التي تكشف كل ما يعجز تتبع الرحلات عن رؤيته، أي الأصول الثابتة على الأرض. وما أضافته تقنيات الذكاء الاصطناعي هو القدرة على دمج الطبقتين معا، الحركة الجوية والصورة الأرضية، في خريطة عملياتية متكاملة وشبه فورية. الفارق ليس بين الرؤية والعمى، بل يمكن اعتباره بين شظايا متفرقة يمكن لمتخصص أن يجمعها، وخريطة حرب كاملة باتت منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي.
ببساطة، صُممت قاذفة "بي-2" لعالم كان الرادار فيه العين الوحيدة، وكانت البيئة حولها معتمة، لكنها تطير اليوم في عالم مختلف تماما. لكن "الشفافية التجارية" ليست الجبهة الوحيدة لكشف التخفي، فالصين لا تكتفي بمحاولات رصد التخفي من الخارج، بل تعمل أيضا على مهاجمته من جبهات داخلية.
صممت قاذفة "بي-2" لعالم كان الرادار فيه العين الوحيدة، وكانت البيئة حولها معتمة، لكنها تطير اليوم في عالم مختلف تماما (رويترز)بُنيت تكنولوجيا التخفي على مبدأ فيزيائي محدد: الطلاء والتصميم الهندسي يشتتان أو يمتصان موجات الرادار عالية التردد. لكن هذا يعمل مع ترددات معينة وليس مع جميعها، وهنا تظهر محاولات بكين لتجاوز التخفي في عدة مجالات.
المجال الأول اليوم هو الرادارات المترية. ففي مايو/أيار 2025 عرضت شركة مجموعة تكنولوجيا الإلكترونيات الصينية الحكومية رادار "جيه واي-27 في" (JY-27V) في معرض الرادار العالمي، ووصفته بأنه "فنان بارع" في كشف أهداف التخفي. الفكرة ببساطة أنه لا يستخدم الموجات القصيرة التي صُممت الطائرات لامتصاصها، بل موجات أطول بكثير، يتراوح ترددها بين 30-300 ميغاهرتز. هذه الموجات الطويلة يصعب امتصاصها، إذ يتطلب ذلك طلاء أكثر سماكة ووزنا، وهو ما يخلق مشكلة للطائرة نفسها، لأنه يؤثر في خفة حركتها وأدائها في الجو. الرادار أيضا عملي وسريع الانتشار، إذ يمكن تثبيته على شاحنة ونشره في أقل من عشر دقائق.
"الرادارات المترية ليست سلاحا حاسما بمفردها، إذ يمكنها رصد وجود هدف شبحي، لكن دقتها في تحديد الموقع أقل من الرادارات عالية التردد"
لكن الرادارات المترية ليست سلاحا حاسما بمفردها، إذ يمكنها رصد وجود هدف شبحي، لكن دقتها في تحديد الموقع أقل من الرادارات عالية التردد، ما يصعب توجيه صاروخ اعتراضي بناءً على بياناتها وحدها. وتكمن قيمتها الحقيقية، وقدرتها الفعلية على تهديد الخصم، في دورها كحلقة أولى في شبكة استشعار متعددة الطبقات، إذ يكشف الرادار المتري الهدف وينبه منظومات أخرى أكثر دقة لتتولى التتبع والتوجيه.
أما المجال الثاني والأكثر طموحا، فهو الرادارات الكمومية. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025 أفادت تقارير إعلامية صينية ببدء إنتاج واسع النطاق لرادارات كمومية، يُعتقد أنها قد تتمكن من كشف المقاتلات الشبحية مثل "إف-22″ و"إف-35". ويعتمد الرادار التقليدي على إرسال موجات راديوية ترتد عن الأجسام، ثم تُستخدم الإشارة المرتدة لتحديد موقع الهدف. أما الرادار الكمومي فيستخدم جسيمات الضوء المعروفة بالفوتونات بدلا من موجات الراديو، ما يتيح مستوى أعلى من الحساسية في الكشف عن الهدف.
في هذا النوع من الرادارات، يمكن التعامل مع فوتون واحد فقط وقياس خصائصه بدقة، مثل الطاقة والاتجاه. وعند دخول الفوتون إلى الجهاز، تتحول طاقته إلى إشارة كهربائية صغيرة يمكن تحليلها. كما يعتمد النظام على ظاهرة "التشابك الكمومي"، حيث يُنتج فوتونين مرتبطين ببعضهما. وعند إرسال أحدهما نحو الهدف، فإن أي تغير يطرأ عليه يمكن رصده عبر الفوتون الآخر الموجود داخل الجهاز، ما يساعد على اكتشاف الأجسام حتى إذا ضعفت الإشارة المرتدة.
"الرادار الكمومي يستخدم جسيمات الضوء المعروفة بالفوتونات بدلا من موجات الراديو، ما يتيح مستوى أعلى من الحساسية في الكشف عن الهدف"
ورغم ذلك، لا توجد حتى الآن بيانات علمية منشورة أو تجارب ميدانية موثقة تثبت قدرة هذه الرادارات على كشف الطائرات الشبحية في ظروف تشغيل حقيقية. كما يشير خبراء المجال إلى تحديات تقنية حقيقية، أبرزها صعوبة الحفاظ على التشابك الكمومي في البيئات العملية، إضافة إلى تأثير الضوضاء والتشويش، ما قد يحد من كفاءة هذه الأنظمة في الاستخدام العسكري. ولكن الاتجاه العام لا يحتاج إلى نجاح كل ادعاء على حدة، فهذا الضغط متعدد الجبهات، من الرادارات إلى ميكانيكا الكم إلى الشفافية التجارية، يقلص المساحة التي يعمل بها مفهوم التخفي على أي حال، العام تلو العام.
الرادار الصيني "YLC-8E" (غيتي)مفهوم التخفي، بمعناه الأوسع، ليس طلاء على طائرة، بل يمكن اعتباره ركيزة لنموذج كامل لإظهار وفرض القوة، بتحريك جيوش الدولة عبر المحيطات، ونشرها في قواعد بعيدة، وضرب أهداف في أي مكان، دون أن يراك أحد قبل أن تنفذ ضربتك. وهذا ما مكن واشنطن من خوض حروبها السابقة بتفاوت جوهري في المعلومات، فهي ترى ساحة المعركة، وخصومها لا يرون إلا ما تقرر أن تريهم إياه. وما حدث في الحرب على إيران قد يشير إلى أن هذا التفاوت بدأ يتراجع.
أشارت دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابقة لشؤون الشرق الأوسط، إلى أن إيران نجحت في الاستفادة من "شبكة استخبارية واسعة النطاق.. وإنه ثمة صور كثيرة من الأقمار الاصطناعية التجارية متاحة الآن للشراء، بالإضافة بالطبع إلى ما كانوا يتلقونه من الروس والصينيين".
"مكنت أنظمة التخفي واشنطن من خوض حروبها السابقة بتفاوت جوهري في المعلومات، فهي ترى ساحة المعركة، وخصومها لا يرون إلا ما تقرر أن تريهم إياه"
بينما ذهب سيث كرومريتش، رئيس الأركان السابق لقيادة العمليات الخاصة الأمريكية بالشرق الأوسط، لمرحلة أبعد قائلا: "لم ينجز أحد أكثر مما أنجزه الإيرانيون بموارد أقل. إيران تملك استخبارات دقيقة، ليس فقط عن مواقع قواعدنا، بل عن كثير من أنماط حياتنا وأساليب عملنا العسكرية". هذا ليس تقييما لمحلل خارجي أو مجرد ادعاء صيني، بل اعتراف من خبير على دراية واسعة بالمؤسسة العسكرية الأمريكية.
وإلى جانب تآكل العتمة المعلوماتية، ثمة تحولات مرتبطة بها وإن كانت تختلف في طبيعتها. فقد أفاد آلان جوييه، المدير السابق لاستخبارات جهاز الأمن الخارجي الفرنسي، بأن إيران حصلت على الأرجح على نظام الملاحة الصيني بايدو، ما يفسر التحسن في دقة صواريخها مقارنة بحرب يونيو/حزيران الماضي. ويعمل نظام بايدو بـ45 قمرا مقابل 24 في نظام "جي بي إس" الأمريكي، والأهم أن واشنطن لا تستطيع تعطيله. وإن صح استخدام إيران لهذا النظام، فالقضية لم تعد تتعلق بمفهوم التخفي وحده، أي بقدرة أمريكا على ألا تُرى، بل باحتكارها منظومة التوجيه التي تمكن الآخرين من الضرب بدقة.
لقد صُممت قاذفة "بي-2" لعالم يملك فيه عدد محدود من الدول القدرة على الرؤية، وكانت واشنطن فيه هي من يتحكم بما يُرى وما لا يُرى. بالطبع، لن يختفي ذلك العالم بين ليلة وضحاها، ولن يتبخر التفوق العسكري الأمريكي لأن شركة صينية نشرت صورا لقطع عسكرية أمريكية على منصات التواصل الاجتماعي. غير أن الاتجاه الذي نسير إليه أصبح أوضح من ذي قبل، وأدواته في متناول من يريدها، من أقمار اصطناعية تجارية وذكاء اصطناعي وبيانات مفتوحة المصدر، مع تكلفة لاستخدام كل ذلك تنخفض كل عام عن العام الذي سبقه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة