آخر الأخبار

4 أعوام على اغتيالها.. أين وصلت تحقيقات مقتل شيرين أبو عاقلة؟

شارك

تمر السنوات، وتتغير الوجوه في البيت الأبيض، وتتعاقب الأزمات في تل أبيب مع بقاء النهج ذاته، لكن مشهدا واحدا رفض أن يغادر ذاكرة العالم: شيرين أبو عاقلة، بخوذتها الزرقاء وسترتها الواقية، تسقط على تراب جنين.

اليوم، ونحن في عام 2026، لم يعد السؤال "من قتل شيرين؟" هو التحدي، فالأدلة الميدانية والرصاصة والتحقيقات المستقلة أجابت عن ذلك بوضوح، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا وعمقا: لماذا عجزت أقوى مؤسسة استخباراتية في العالم عن تحويل "تحقيقها الرسمي" إلى لائحة اتهام واحدة؟

عندما أعلنت وزارة العدل الأمريكية فتح تحقيقها في أواخر عام 2022، استبشر كثيرون بكسر جدار "الحصانة" التي تتمتع بها إسرائيل، لكن مع مرور الوقت، تحولت وعود واشنطن إلى "دبلوماسية صامتة"، واصطدمت المسارات الدولية في محكمة لاهاي بجدار السياسة الذي يزن أرواح الصحفيين بموازين المصالح الإستراتيجية.

في هذا التقرير، نفتح ملف "التحقيقات المعطلة"، ونبحث في كواليس المماطلة الأمريكية، ونكشف كيف أصبحت قضية شيرين أبو عاقلة "أيقونة" لا تُختصر فقط في مأساة اغتيال صحفية.

مصدر الصورة شيرين أبو عاقلة اغتيلت أثناء تغطيتها اقتحام قوات الاحتلال لمخيم جنين (مواقع التواصل)

تحقيقات معطلة وعدالة غائبة

تتصدر قضية الصحفية الفلسطينية ومراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة المشهد الحقوقي مجددا مع مطالبة لجنة حماية الصحفيين "سي بي جيه" (CPJ) للسلطات الأمريكية بتقديم "تحديث علني" حول مسار تحقيق مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي)، وهو التحقيق الذي يراوح مكانه منذ سنوات.

ووصفت اللجنة في رسالة مفتوحة وجهتها لوزارة العدل ومدير "إف بي آي" كاش باتل حالة القضية بـ"الركود الفعلي"، مؤكدة أن هذا الغياب للتقدم يمثل فشلا حكوميا في الاستجابة لمقتل مواطنة أمريكية على يد جيش الاحتلال.

وكشفت اللجنة عن حقائق صادمة تفيد بعدم إجراء أي مقابلات رسمية مع الشهود، رغم استعدادهم للتعاون، إضافة إلى انعدام أي مؤشرات على محاولات جمع أدلة مادية من قبل المحققين الأمريكيين في موقع الحادث.

إعلان

ورغم إصرار الجيش الإسرائيلي على عدم إمكانية تحديد مصدر النيران بشكل قاطع، فإن تقارير لاحقة صادرة عن منظمات حقوق الإنسان ووكالات أنباء عالمية فندت الرواية الأولى للاحتلال، حيث أثبتت التحقيقات المستقلة أن المقاتلين الفلسطينيين الذين وُجهت إليهم أصابع الاتهام في البداية كانوا على مسافة بعيدة جدا من موقع اغتيال أبو عاقلة، وهو ما أجبر إسرائيل على التراجع جزئيا والاعتراف بوجود "احتمال عالٍ" بأن قواتها هي من قتلت المراسلة، وإن حاولت حصر الحادثة في إطار "الخطأ غير المقصود".

من جانبها، أكدت عائلة أبو عاقلة أن "العدالة لا تزال بعيدة المنال"، محذرة من أن غياب المحاسبة يرسل رسالة خطيرة تبيح استهداف الصحفيين دون عواقب.

وخلصت المديرة الإقليمية للجنة، سارة قدة، إلى أن ثقافة الإفلات التام من العقاب هي المحرك المباشر لاستمرار استهداف الحقيقة، محذرة من تصاعد العنف في ظل غياب تحقيق مستقل ومساءلة حقيقية.

مصدر الصورة الزميلة شيرين أبو عاقلة أثناء عملها (الجزيرة)

كواليس التعطيل

برز تطور خطير في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عندما أعرب عقيد أمريكي شارك في مراجعة الولايات المتحدة للحادثة عن قلقه من أن واشنطن قامت بـ"تخفيف وتقليل حدة" تقييمها الرسمي لمقتل شيرين، مما يشير إلى تدخلات سياسية أثرت على صياغة الحقيقة.

ورغم أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تضع "حماية الأمريكيين في أي مكان" كأولوية قصوى، فإن رسالة لجنة حماية الصحفيين الموجهة للمدير كاش باتل تؤكد أن قضية شيرين تُركت "للإهمال الصارخ"، مع غياب أي تحديث علني أو جدول زمني للتحقيق رغم مرور 4 سنوات.

ولم يقتصر التعطيل على واشنطن وتل أبيب، بل امتد للمحكمة الجنائية الدولية التي لم تفتح تحقيقا حتى الآن، رغم وجود شكويين رسميتين من عائلة أبو عاقلة وشبكة الجزيرة، مما يكرس سياسة الإفلات من العقاب.

مصدر الصورة الفيلم الوثائقي كشف عن الاسم المسؤول عن إطلاق النار، وهو القناص "ألون سكاجيو" (الجزيرة)

أدلة متزايدة

في الوقت الذي كان فيه التحقيق الرسمي يراوح مكانه، قدمت التحقيقات الاستقصائية المستقلة في عام 2025 ما عجزت عنه الحكومات، كاشفة عن تفاصيل "مزلزلة" حول هوية القاتل وكواليس التستر السياسي، مما وضع الرواية الرسمية حول "صعوبة تحديد الفاعل" على المحك.

وكشف الفيلم الوثائقي "من قتل شيرين؟" (?Who Killed Shireen) الذي أنتجته منصة "زيتيو" (Zeteo) في عام 2025 عن الاسم المسؤول عن إطلاق النار، وهو القناص "ألون سكاجيو" (Alon Scagio)، من وحدة النخبة "دوفديفان"، وبحسب التحقيق، فإن سكاجيو نُقل لاحقا من وحدته لإبعاده عن أي ملاحقة، قبل أن يلقى حتفه بعبوة ناسفة في جنين عام 2024.

وفجر الوثائقي مفاجأة مفادها أن مسؤولين في إدارة بايدن كانوا يعلمون أو يشتبهون منذ الساعات الأولى بأن شيرين قُتلت برصاص إسرائيلي، بل إن جنرالا إسرائيليا أبلغ مسؤولين أمريكيين بذلك فور وقوع الحادثة، ومع ذلك استمرت واشنطن في دعم الرواية الإسرائيلية.

ونقل التقرير عن موظف (لم يذكر اسمه) في الإدارة الأمريكية السابقة أن واشنطن رفضت الضغط على تل أبيب لمجرد "الخوف من إغضاب الحكومة الإسرائيلية"، رغم استنتاج المسؤولين داخليا بأن القتل كان "فعلا متعمدا".

إعلان

وكشف صديق للقناص "سكاجيو" أن وحدة "دوفديفان" وصلت بها الجرأة إلى استخدام صورة شيرين أبو عاقلة كـ"هدف للتدريب على الرماية"، في إشارة صارخة إلى حجم الاستهتار والحصانة التي يتمتع بها الجنود، وأشار المساهمون في الفيلم إلى أن مقتل أبو عاقلة ساعد في تعزيز الشعور بالإفلات من العقاب بين الجنود الإسرائيليين.

ولم تكن التقارير المكتوبة وحدها هي من أدان القاتل، بل كانت اللقطات المصورة التي انتشرت كالنار في الهشيم هي الدليل الحي والمادي، حيث وثقت الكاميرات لحظة سقوط شيرين وهي ترتدي زيها الصحفي الكامل (الخوذة والسترة الماركة بوضوح).

وفي دليل آخر على أن التجاهل على أعلى المستويات، أكد مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، إيال حولاتا، أن قضية مقتل الصحفية الأمريكية "لم تكن موضوعا للنقاش" أصلا بين الرئيس بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، مما يعكس تهميش القضية سياسيا بشكل كامل.

وكشف السيناتور الديمقراطي كريس فان هولين عن جانب مظلم في التعامل الدبلوماسي مع القضية، مؤكدا أن محاولات إدارة بايدن للضغط على تل أبيب من أجل تعديل "قواعد الاشتباك" الميدانية لضمان حماية الصحفيين ومنع تكرار مأساة شيرين، قوبلت بـ"تجاهل علني" من الجانب الإسرائيلي.

وعكس هذا الرفض إصرارا على استمرار السياسات العسكرية ذاتها دون تغيير، وهو ما اعتبره مراقبون ضوءا أخضر أدى لاستمرار النهج الإسرائيلي تجاه الصحفيين الفلسطينيين يقابله عجز واشنطن عن فرض أي مراجعة حقيقية على حليفتها.

كيف بدأ التمرد الإسرائيلي على الملف؟

لعل قراءة المشهد الحالي في عام 2026 تتطلب العودة إلى لحظة الصدام الأولى في أواخر عام 2022، حين أعلن مكتب التحقيقات الفدرالي فتح تحقيقاته.

آنذاك، لم يكن الموقف الإسرائيلي مجرد "تحفظ"، بل كان إعلانا صريحا للعصيان القانوني، إذ يذكرنا السجل الرسمي للتصريحات الإسرائيلية (منذ عام 2022) بموقف وزير الدفاع آنذاك، بيني غانتس، الذي وصف التحقيق الأمريكي بـ"الخطأ الفادح"، معلنا صراحة: "لن نتعاون مع أي تحقيق خارجي". هذا الموقف كان "حجر الأساس" الذي بُنيت عليه سياسة المماطلة التي نعيش نتائجها اليوم.

ويوثق الأرشيف الإسرائيلي كيف تراجع الجيش عن نفي مسؤوليته تماما إلى الاعتراف بـ"احتمالية عالية"، وهو اعتراف يصفه مراقبون اليوم بأنه كان "ضريبة كلامية" لامتصاص غضب 57 عضوا في الكونغرس، خطوة قُرئت حينها أنها تعبير عن عدم الثقة في قدرة إسرائيل على التحقيق في ذلك بنفسها، لكن لم يتبعها أي إجراء جنائي حقيقي ضد الوحدة المسؤولة (دوفديفان).

ويرى مراقبون أن رفض إسرائيل في ذلك الوقت السماح للمحققين الأمريكيين باستجواب الجنود، يفسر لماذا نجد اليوم في 2026 أن الـ"إف بي آي" لم يتمكن من إجراء مقابلة رسمية واحدة مع الأطراف المعنية، مما يحوّل التحقيق الأمريكي من "ملاحقة قضائية" إلى "أرشيف معطل".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا