وجه قيادي بارز في الحزب الديمقراطي الأمريكي انتقادات حادة للمؤسسة العسكرية الأمريكية، وقال إن بلاده باتت في حاجة إلى إعادة هيكلة جذرية لعقيدتها العسكرية وإستراتيجيتها القتالية لمواجهة طبيعة الحروب الحديثة.
وفي مقال بصحيفة وول ستريت جورنال، قارن رام إيمانويل، وهو عضو سابق بمجلس النواب ورئيس سابق لموظفي البيت الأبيض في عهد الرئيس باراك أوباما، بين التحديات الراهنة وفترة ما بعد حرب فيتنام، وكذلك بين الإصلاحات الكبرى التي أحدثها قانون يعود لعام 1986 كان بمثابة ثورة آنذاك وقال إن الجيش الأمريكي يحتاج حاليا لثورة ثانية للتعامل مع الحروب التقليدية وغير التقليدية في آن واحد.
ويشرح إيمانويل أن الإصلاحات التي تم إقرارها عام 1986 جاءت بعد الإخفاقات التي ظهرت خلال الغزو الأمريكي لجزيرة غرينادا عام 1983، حين كشف ضعف التنسيق بين أفرع الجيش عن الحاجة إلى بنية قيادة موحدة ومتكاملة.
وقد سمحت تلك الإصلاحات لاحقاً للولايات المتحدة بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة بكفاءة عالية، كما حدث في حرب الخليج. إلا أن الحروب الأخيرة في أوكرانيا وإيران، بحسب الكاتب، أظهرت أن ساحات القتال تغيّرت جذرياً، وأن المسيّرات، والهجمات السيبرانية، والحروب غير المتكافئة، أصبحت لا تقل أهمية عن الدبابات والبوارج والطائرات التقليدية.
ويرى إيمانويل، الذي كان سفيراً بطوكيو، أن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بإحياء "الروح القتالية" داخل الجيش، كما يردد الرئيس دونالد ترامب، ولا بمجرد زيادة الإنفاق العسكري، بل بالسؤال الأهم: هل أمريكا "مستعدة بصورة شاملة لمعركة المستقبل"؟
ويؤكد الكاتب أن العقيدة الأمريكية التقليدية القائمة على القدرة على خوض حربين تقليديتين في وقت واحد أصبحت متجاوزة، وأن المطلوب اليوم هو الاستعداد لخوض نوعين من الحروب، التقليدية وغير التقليدية، في الوقت نفسه وفي الساحة نفسها.
ويستخدم الكاتب إيران مثالاً على صعود القوة غير التقليدية. فرغم نجاح الولايات المتحدة في تدمير جزء كبير من البحرية الإيرانية، فإن طهران ما تزال قادرة على تهديد الملاحة العالمية عبر مضيق هرمز.
ويقول إيمانويل إن الإيرانيين "يقيسون النجاح بقدرتهم على التحكم في خطوط الشحن الدولية"، في إشارة إلى أن النفوذ الاستراتيجي لم يعد يعتمد فقط على حجم الأساطيل العسكرية، بل أيضاً على القدرة على تعطيل التجارة والاقتصاد العالميين.
كما وجّه المقال انتقادات حادة لإدارة ترامب بسبب تعاملها مع القيادات العسكرية العليا واتهمها بإضعاف المؤسسة العسكرية عبر إقصاء قادة كبار مثل الجنرال راندي جورج والأدميرال ليزا فرانشيتي، وتقديم الولاء السياسي على الكفاءة المهنية.
وخصّص الكاتب جانباً مهماً من مقاله لانتقاد منظومة التسلح الأمريكية، وهاجم شركات سلاح كبرى بسبب إنفاق مليارات الدولارات على إعادة شراء الأسهم بدلاً من الاستثمار في الابتكار والتصنيع.
ويقترح الكاتب منع تلك الشركات من تنفيذ عمليات إعادة شراء الأسهم إلى أن تتمكن من تسليم الأنظمة العسكرية "في الوقت المحدد وضمن الميزانية المحددة". كما يدعو إلى تخصيص ما بين 30 و40 بالمئة من التمويل الفيدرالي للشركات الناشئة العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والمسيّرات والحرب السيبرانية والأنظمة غير المأهولة.
وأشار إيمانويل إلى أن أوكرانيا نجحت في استخدام المسيّرات منخفضة التكلفة بفاعلية كبيرة ضد روسيا، معتبراً أن أمريكا بدأت تتخلف في هذا المجال، وانتقد إدارة ترامب لأنها لم تستفد من التجربة الأوكرانية.
ويختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي يتطلب إصلاحات عميقة تشمل الإستراتيجية والقيادة والتكنولوجيا ومنظومة التسلح.
ويرى أن الولايات المتحدة تحتاج اليوم إلى "رؤية وقيادة" بحجم التحولات التي شهدتها حقبة الرئيس رونالد ريغان، حتى تتمكن من مواجهة طبيعة الحروب المتغيرة في القرن الحادي والعشرين.
المصدر:
الجزيرة