طهران- في مشهد يحمل تناقضا صارخا بين الروتين الحكومي والواقع الإنساني في إيران، عادت زيبا وهي موظفة في شركة للاستثمار السياحي إلى مكتبها، بعد نحو 70 يوما على مغادرته عقب ساعة من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على بلادها، وعبّرت عن سعادتها بالقول "لو بقينا في البيوت ننتظر من يعيد لنا ما فقدناه، لانهارت البلاد بأكملها".
وبينما كانت سيارات زملائها تصطف عند بوابة المكتب شمال غربي العاصمة، تستذكر زيبا (43 عاما) إيقاع الدوام الرسمي الذي اختفى طوال أكثر من شهرين، فتعود عقاربه للدوران بعد قرار محافظ طهران محمد صادق معتمديان إعادة نظام العمل الحضوري بنسبة 100% في جميع الوزارات والأجهزة التنفيذية بالعاصمة بدءا من السبت 9 مايو/أيار الجاري.
وبالرغم من حضورها لأول مرة خلال العام الإيراني الجديد الذي بدأ يوم 21 مارس/آذار الماضي، لكنها قالت للجزيرة نت "كنت أعمل منذ بداية حرب رمضان عن بُعد، على غرار بقية الموظفات العاملات في طهران"، مشيرة إلى قرار الجهات الحكومية بضرورة إبقاء الدوائر ناشطة خلال فترة الحرب والهدنة بحضور 20% فقط من الموظفين باستثناء النساء "حفاظا على سلامتهن".
تقول زيبا إنها تلقّت اتصالا من مديرها المباشر يوم الأربعاء الماضي يطلب منها الحضور إلى الدوام، فغادرت بيت أقاربها شمالي البلاد وعادت للعاصمة من أجل الحضور في مكتبها، مؤكدة أنها تتفهم حاجة البلاد إلى وضع حد لحالة الحرب التي ظلت تسيطر على نشاط القطاعين العام والخاص خلال الأشهر الأخيرة الماضية، مستدركة "أعلم أن كثيرا من زميلاتي يخفن من العودة لطهران قبل انتهاء الحرب".
وخلف صورة المشهد الجديد الذي يوحي بعودة الحياة إلى طبيعتها، تستحضر زيبا "الساعة التي غادرت خلالها الدوام وكانت الأمور حينها على ما يرام وكنا ننتظر الاحتفال برأس السنة الفارسية، لكن الحرب دمرت بيوت المواطنين ولم يسلم منزلي من موجات الانفجار الناجمة عن قصف أحد المقرات القريبة". مضيفة "رغم الصمود النسبي للهدنة بيد أن ثمّة قصصا صامتة ما تزال معلّقة بين ركام البيوت والدوائر المهدمة، ستكون بعد قليل محورا للنقاش عقب وصول الزملاء".
وبينما كانت زيبا تواصل حديثها، كانت زميلتها نرجس (34 عاما) تربت على كتفها، ووقفت إلى جوارها بابتسامة منهكة قبل أن تتنهد وتقول "الفندق الذي آوانا منذ دُمر منزلنا بالكامل جراء القصف لابد من إخلائه حتى نهاية الأسبوع المقبل"، ثم صمتت قليلا وتابعت "يمنحونني بدل إيجار سنوي، لكنه زهيد لا يكفي لاستئجار شقة مناسبة قرب المكتب. والإيجارات هنا تعادل ضعفي المبلغ الذي سأحصل عليه. ليس أمامي سوى الانتقال إلى أحياء جنوب طهران أو حتى إلى ضواحيها".
وبينما كانت نرجس تشرح مأزقها، بادرتها زيبا قائلة "أنا محظوظة نوعا ما مقارنة بكِ، بيتي تضرر لكنه لم يتدمر. موجات الانفجار حطمت كل زجاج النوافذ وتسببت في تصدعات في جدار غرفة الجلوس. كانت لحظات مرعبة، لكن البلدية أرسلت فريقا تطوعيا، وخلال أسبوعين ركبوا لنا نوافذ جديدة ودعّموا الجدار المتصدع. صحيح أننا تركنا المنزل وحتى يوم أمس كنا نعيش في منزل أقاربنا بمحافظة كيلان شمالي البلاد، لكننا عدنا إليه قبل يومين".
تتشابك أصابع نرجس وهي تستمع إلى زميلتها، وتقول بصوت خفيض "أنا سعيدة لأجلك، لكن انظري حولك، كم منا يقف هنا يحمل حقيبته ويبتسم، بينما روحه معلقة في فندق أو في بيت أقارب.. سأذهب بعد الدوام إلى جنوب طهران لأبحث عن شقة، وسأقطع كل صباح ساعة ونصف الساعة لأصل إلى مكتبي. لكن هذا لن يمنعني من أن أكون هنا، لأن الغياب يعني أن الحرب ربحت، وأنا لن أعطيها هذا الانتصار أبدا، بل سأكون في مقدمة المشاركين في تعميم الدوام الكامل على بقية المحافظات".
وأصدرت بعض المحافظات الإيرانية الأخرى، ومنها "مركزي" و"أذربيجان الغربية" و"كرمانشاه"، قرارات مشابهة على غرار طهران حول عودة نظام الدوام الكامل بدءا من يوم أمس السبت في القطاع الحكومي.
في حين قررت محافظة "هرمزكان" جنوب البلاد إعادة العمل بحضور نصف موظفي القطاع الحكومي والأجهزة التنفيذية، مما يؤكد وجود مسار منسق ومركزي تقوده الدولة.
وتواصلت الجزيرة نت مع المتحدث باسم بلدية طهران عبد المطهر محمد خاني، الذي بدا واثقا من أن العاصمة تجاوزت أخطر المراحل التي مرت بها، مؤكدا "باشرنا إعادة إعمار الأماكن والمنازل المتضررة من الحرب ولن نترك مواطنينا بلا مأوى".
وأشار إلى أن البلدية لم تتوقف عن العمل خلال أيام الحرب وبعدها، موضحا أن القطاع الخدماتي بقي يعمل بنسبة 100% طوال الفترة الأخيرة ولم يتوقف إلا القطاع الإداري الذي خضع لقاعدة الحضور بنسبة 20% فقط.
وحسب محمد خاني، فقد تضرر قرابة 51 ألف منزل في طهران بشكل طفيف كتهشّم الزجاج أو تعرض للتدمير الكامل، وأوضح أن الجزء الأكبر منها كان طفيفا وقد أنهوا حتى الآن إصلاح 80% من المنازل التي تعرضت لأضرار جزئية، ويأملون إغلاق ملفها بالكامل حتى نهاية هذا الأسبوع.
وأضاف أن الفرق الفنية والهندسية تعمل على مدار الساعة لإنهاء ما تبقى، وأن الأولوية كانت للمنازل التي يمكن إعادتها إلى أصحابها بسرعة، فيما تبقى معضلة الوحدات المدمرة بالكامل، التي تحتاج إلى إعادة بناء من الصفر، مهمة أكثر تعقيدا.
وكان مساعد وزير الطرق والإسكان الإيراني حبيب الله مطهر خاني أعلن، الأسبوع الماضي، أن نحو 2300 منزل دُمرت بالكامل جراء الحرب الأخيرة ولم تعد صالحة للسكن بأي شكل من الأشكال.
وبشأن عودة الموظفين بكامل طاقتهم، قال محمد خاني "بموجب التعميم الرسمي عاد جميع موظفي البلدية، وعددهم 100 ألف شخص بمن فيهم العاملون في القطاع الإداري، ونأمل أن تساهم هذه الخطوة في تسريع عمليات الإنشاء وإعادة البناء في طهران، والدفاع عن الحياة الطبيعية للناس، وألا نسمح بأن تتحول صورة العاصمة إلى صورة مدينة مزقتها الحرب، رغم أنها كانت مركز ثقل العمليات العسكرية للعدو وتلقت أكبر عدد من الهجمات".
وعن وضع النساء الموظفات، قال محمد خاني "في السابق، ونظرا للظروف الاستثنائية، لم نكن نعطي الأولوية لحضورهن، بل كنّ يقررن بأنفسهن إن كنّ يرغبن في الحضور أو العمل عن بُعد، وكثيرات منهن كنّ فاعلات رغم بقائهن في منازلهن".
ومع عودة الموظفين إلى مكاتبهم، يرى مراقبون في طهران أن الخطوة تحمل في طياتها أبعادا تتجاوز إعادة ترتيب المشهد الإداري، إذ تؤشر إلى دخول البلاد مرحلة التعافي المستدام، فيما يحذر آخرون من التطبيع المتسرّع حيث الهدنة لا تزال على صفيح ساخن، وقد لا تصمد مع أي تصعيد مفاجئ.
100 ألف موظف وعامل استأنفوا الدوام الكامل الحضوري في بلدية طهران (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة