أعلنت وكالة أنباء الإمارات، الخميس، أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أجريا زيارة تفقدية إلى “مفرزة المقاتلات المصرية المتمركزة في الدولة”، للاطلاع على جاهزيتها وقدراتها العملياتية والاستعداد لمختلف التحديات.
ونشرت الوكالة صورا ظهر فيها السيسي ومحمد بن زايد أمام مقاتلة “رافال” تحمل علامات سلاح الجو المصري.
لكن البيان الصادر عن المتحدث باسم الرئاسة المصرية جاء بصياغة مختلفة. فقد وصف الزيارة بأنها “أخوية”، وتحدث عن مباحثات تناولت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، إلى جانب تأكيد السيسي تضامن مصر مع الإمارات في مواجهة ما وصفه البيان بـ”الاعتداءات الإيرانية”.
ولم يستخدم البيان المصري مصطلح “مفرزة”، كما لم يفصل في طبيعة الوجود العسكري المصري الذي أوردته وكالة الأنباء الإماراتية.
ولاحقا، تناولت وسائل إعلام مصرية الخبر بصياغة أوسع، فتحدثت عن تفقد الرئيس “القوات المصرية في الإمارات”، والاطمئنان على جاهزيتها وانضباطها.
هذا التباين بين الصياغتين يطرح سؤالا حول معنى مصطلح “مفرزة”، ولماذا اختارته أبوظبي في إعلانها الرسمي، بينما غاب عن البيان المصري، وكذلك تساؤلات بشأن طبيعة الوجود العسكري المصري في الدولة الخليجية.
في الاستخدام العسكري، تشير كلمة “مفرزة” إلى قوة محدودة العدد تُفصل عن تشكيلها الأصلي لتنفيذ مهمة محددة في موقع آخر. وفي السياق الجوي، يمكن أن يقابلها بالإنكليزية تعبيرا “Air Detachment” أو “Fighter Detachment”.
ويوضح الصحفي المتخصص في الشؤون العسكرية بهاء الدين محمود لـ”الحرة” أن المصطلح يعني “قوة محدودة يتم فصلها عن تشكيلها الأصلي لتنفيذ مهمة محددة خارج موقعها الرئيسي”.
وقد تضم المفرزة الجوية عددا من المقاتلات والطيارين وأطقم الصيانة والدعم، دون أن يعني ذلك بالضرورة إنشاء قاعدة عسكرية دائمة.
ويلفت محمود إلى أن استخدام مصطلح “مفرزة” يختلف عن مصطلحات مثل “قاعدة” أو “سرب” أو “انتشار دائم” لأنه يعكس وجودا عملياتيا مرنا قد يرتبط بتدريب مشترك أو رفع جاهزية أو مهمة ردع في ظرف إقليمي معين.
من جانبه، يصف اللواء أركان حرب متقاعد، محمد الشهاوي، مستشار كلية القادة والأركان، في حديث لـ”الحرة”، المفرزة بأنها “قوة نوعية صغيرة يتم الدفع بها لتنفيذ مهام محددة”.
ويرى الشهاوي أن وجود هذه المفرزة على الأرض الإماراتية يعكس انتقال التعاون العسكري المصري الإماراتي من مرحلة التنسيق إلى التنفيذ العملي الميداني. ويشير إلى أن هذا التعاون يظهر من خلال التدريبات المشتركة وتبادل الخبرات، ومنها تدريبات “زايد 3″، التي يصفها بأنها أحد نماذج التكامل العسكري بين البلدين.
في الملفات العسكرية، لا تكون المفردات مجرد تفاصيل لغوية. فكلمة مثل “قاعدة” تفتح أسئلة عن الإطار القانوني للوجود العسكري ومدته وحدود الالتزامات. وكلمة “زيارة” وحدها قد تقلل من الدلالة العسكرية للمشهد.
أما “المفرزة”، فهي صيغة تقع في المنتصف وتشير إلى وجود فعلي ومنظم، لكنها لا تعني بالضرورة وجود قاعدة دائمة أو اتفاق دفاعي معلن.
ويقول محمود إن أهمية المصطلح لا تكمن فقط في معناه الفني، بل في ظهوره داخل تغطية رسمية إماراتية تحدثت عن مقاتلات مصرية متمركزة في الدولة. ويعتبر أن ذلك يعكس مستوى متقدما من التنسيق العسكري بين القاهرة وأبوظبي.
ويضيف أن وجود مقاتلات مصرية في الإمارات، وفق الصياغة التي استخدمتها وكالة أنباء الإمارات، يبعث برسالة مفادها أن التعاون العسكري بين البلدين لا يقتصر على المناورات أو الزيارات البروتوكولية، بل يمتد إلى ترتيبات جاهزية يمكن توظيفها عند الحاجة.
ومع ذلك، يشدد محمود أن المصطلح يظل أقل حساسية من تعبيرات أخرى، قائلا: “المفرزة ليست قاعدة عسكرية، لكنها أيضا ليست حضورا رمزيا. هي صيغة وسط تسمح بوجود قوة جوية جاهزة ومحدودة، من دون الدخول في حساسية الإعلان عن تمركز دائم أو اتفاق دفاعي واسع”.
يربط الشهاوي بين توقيت الإعلان والوضع الإقليمي في المنطقة، قائلا إن زيارة السيسي للإمارات تعكس إدراك القيادة السياسية لحجم التحديات التي تحيط بالمنطقة، من باب المندب وحتى مضيق هرمز. ويشدد على أن “الأمن القومي المصري والعربي كل لا يتجزأ”.
ويأتي الإعلان في وقت تتصاعد فيه المخاوف الخليجية من التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة المرتبطة بإيران، وسط توتر إقليمي واسع.
وخلال الزيارة، أكد السيسي تضامن مصر مع الإمارات في مواجهة ما وصفه البيان المصري بـ”الاعتداءات الإيرانية”.
وهذا الخطاب ليس جديدا على الموقف المصري. فقد قال السيسي في تصريحات سابقة إن أمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري، وكرر هذه الرسالة أكثر من مرة في ما يخص الإمارات والسعودية.
لكن ما يلفت الانتباه هذه المرة أن الرسالة لم تظهر فقط في بيان سياسي أو تصريحات عامة، بل جاءت مرتبطة بمشهد عسكري وصياغة إماراتية مباشرة تحدثت عن “مفرزة مقاتلات مصرية”.
التعاون العسكري بين مصر والإمارات ليس جديدا. فقد شهدت السنوات الماضية تدريبات ومناورات مشتركة، إلى جانب زيارات عسكرية وتنسيق سياسي في عدد من الملفات الإقليمية.
ويرى الشهاوي أن إرسال المفارز “ليس مجرد إجراء بروتوكولي”، بل يعكس “ترجمة عملية” لاستراتيجية الأمن القومي العربي المشترك. ويضيف أن التعاون العسكري بين القاهرة وأبوظبي أصبح، من وجهة نظره، “رسالة ردع واضحة” في ظل الظروف الإقليمية الحالية.
كما أن ظهور مقاتلات “رافال” أعطى المشهد دلالة إضافية، خصوصا أن الحديث لم يكن عن زيارة وفد عسكري فقط، بل عن “مفرزة مقاتلات مصرية متمركزة في الدولة”، بحسب الصياغة التي استخدمتها وكالة أنباء الإمارات.
وفي سياق إقليمي أوسع، شهدت الأشهر الأخيرة توجها خليجيا نحو توسيع الشراكات الدفاعية، سواء عبر ترتيبات مع باكستان أو تعاون دفاعي مع أوكرانيا في مجالات تشمل الطائرات المسيّرة، وفق تقارير إعلامية.
وبهذا المعنى، تبدو المفرزة المصرية جزءا من نمط أوسع في المنطقة، حيث تبحث دول الخليج عن صيغ دفاعية أكثر مرونة، تتجاوز بيانات التضامن السياسي، من دون الوصول بالضرورة إلى ترتيبات دفاعية معلنة بالكامل.
تختلف طريقة عرض الخبر بين القاهرة وأبوظبي بحسب حسابات كل طرف.
فالإمارات، في ظل التوتر الإقليمي، تبدو معنية بإظهار أن لديها دعما عربيا واضحا، وأن التنسيق الدفاعي مع مصر حاضر في لحظة حساسة. لذلك جاءت صياغة وكالة أنباء الإمارات مباشرة، وتحدثت عن “مفرزة مقاتلات مصرية متمركزة” على أراضيها.
أما القاهرة، فاختارت صياغة أهدأ. البيان المصري أكد دعم الإمارات وأدان الاعتداءات الإيرانية، لكنه لم يدخل في تفاصيل الوجود العسكري أو يستخدم مصطلح “مفرزة”، عاكسا حرص مصر على إبقاء الرسالة في إطار التضامن السياسي، من دون توسيع النقاش حول طبيعة التحرك العسكري خارج الحدود.
المصدر:
الحرة