في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1982، توجهت سيارة بيضاء من فئة "بيجو 504" صوب مبنى من سبعة طوابق كانت إسرائيل تتخذه مقرا لها في مدينة صور جنوب لبنان، غير أن السيارة لم تكن في الحقيقة سوى عبوة ناسفة ضخمة تحتوي على كم كبير من المتفجرات. انهار المبنى إثر الانفجار، وقُتل ما لا يقل عن 91 شخصا، بينهم 75 جنديا إسرائيليا وعناصر من جهاز الشاباك، وبعض اللبنانيين.
لم يكن ذلك الانفجار عاديا بحال، والسبب أنه على مدار أربعين عاما، أصرت إسرائيل علنا على أن الانفجار نجم عن حادث تسرب غاز، رغم صدور تقارير غير رسمية أشارت إلى أنه نتيجة تفجير متعمد. فقط في عام 2022، قررت تل أبيب تشكيل لجنة لإعادة التحقيق في الحادث ضمت مسؤولين من الجيش والشاباك والشرطة، فحصوا جميع المعلومات المتاحة حول الانفجار، بما في ذلك آلاف الوثائق من قبل الحادث وأثناءه وبعده ومعلومات الحمض النووي وآثار المواد المتفجرة وغيرها.
"على مدار أربعين عاما، أصرت إسرائيل علنا على أن الانفجار في صور نجم عن حادث تسرب غاز، قبل أن تراجع روايتها مؤخرا"
وقد خلصت اللجنة عام 2024 أن التفجير كان على الأرجح نتيجة هجوم متعمد باستخدام ما لا يقل عن 50 كيلوغراما من المتفجرات في سيارة مفخخة، بالإضافة إلى عدة أسطوانات غاز. وقد أدى انفجار القنبلة وأسطوانات الغاز إلى الانفجار الهائل الذي أسقط المبنى. تتوافق هذه النتائج الحديثة مع ما سبق أن أعلن عنه حزب الله من أن تلك العملية كانت أول هجوم "استشهادي" نفذه نشطاء الحزب ضد القوات الإسرائيلية المحتلة في لبنان، مسميا منفذ العملية الشاب "أحمد قصير" البالغ من العمر 17 عاما آنذاك.
كانت تلك أول العمليات من هذا النوع التي شنها حزب الله لكنها لم تكن الأخيرة. وبشكل إجمالي، يعتقد أن حزب الله نفذ بضعة وثلاثين تفجيرا ضد أهداف إسرائيلية وأجنبية خلال ذلك العقد (1982-1989) أسقطت مئات القتلى. ووفقا لدراسات "مشروع شيكاغو" المتخصص في هذا النطاق، شارك في هذه العمليات ما لا يقل عن 41 شخصا، كان معظمهم من خلفية أيديولوجية علمانية -اشتراكيين وشيوعيين- وبعضهم كانوا من المسيحيين.
كانت هذه الأجواء الثمانينية بامتياز تحوم في الأفق، مع تأكيد قيادي عسكري في حزب الله قبل أيام، في تصريحات للجزيرة أن الحزب يتجه إلى اعتماد ما وصفها بـ "تكتيكات الثمانينيات"، التي ارتبطت بعقد من الهجمات "الدامية" ضد الإسرائيليين والقوات الأجنبية في لبنان. وأشار القيادي تحديدا إلى تفعيل "مجموعات الاستشهاديين" بهدف منع القوات الإسرائيلية من تثبيت وجودها في بعض المناطق، وقال القيادي إن الحزب دفع، وفق خطط معدة مسبقا، بمجموعات من هؤلاء المقاتلين إلى داخل المناطق التي شهدت توغلا إسرائيليا، موضحا أن مهمتهم تتمثل في الاشتباك المباشر مع جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل القرى اللبنانية التي دخلتها قواته.
تأتي هذه التصريحات في ظل استمرار حزب الله في "الرد على الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار"، وسط تصاعد الحديث عن احتمال انتقال المواجهة إلى أنماط قتال بري أكثر قربا، تستعيد بعض مملامح المرحلة التي خاض فيها الحزب عملياته الأولى خلال ثمانينيات القرن الماضي. وعند تلك النقطة تبرز أسئلة رئيسية: ما ملامح هذه العمليات والتكتيكات العسكرية؟ وما هو الأثر العسكري الذي حققته؟
جاءت هذه العمليات، التي بدأ حزب الله في شنها حتى قبل إعلان تأسيسه رسميا، ردا على اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 بهدف معلن هو القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، وهي الحرب التي شهدت قيام الاحتلال بحصار بيروت وقصفها، فضلا عن ارتكاب مجازر مروعة كان أبرزها مجزرة "صابرا وشاتيلا". وقد تميزت عمليات الحزب في ذلك الوقت بنمط واضح يشمل استخدام العبوات الناسفة المرتجلة المحمولة في سيارات، تتم قيادتها بواسطة "استشهاديين" لتستهدف نقاط محصنة ذات قيمة عالية.
والعبوات الناسفة المرتجلة (IED) هي قنابل محلية الصنع تحتوي على مكونات عسكرية وغير عسكرية، تُستخدم عادة من قِبَل القوات العسكرية غير النظامية، وبغض النظر عن مدى تعقيد الجهاز، فإنه يتكون عادة من مصدر طاقة، ومفتاح تشغيل، وبادئ تفجير، وشحنة رئيسية متفجرة، وحاوية، والأخيرة عادة ما تحتوي على مجموعة من المقذوفات مثل الكرات أو المسامير، التي تنتج شظايا قاتلة عند التفجير.
"تمكن حزب الله من تفخيخ السيارات واستخدامها في هجمات محكمة التخطيط، ومصممة لإلحاق خسائر فادحة في الأرواح في حادثة واحدة"
أما الشحنة المتفجرة نفسها، فيمكن الحصول عليها من أي مكون عسكري، بما في ذلك المدفعية أو قذائف الهاون أو القنابل الجوية أو أنواع معينة من الأسمدة المحلية تخلط مع مادة "تي إن تي" المتفجرة، أو أي شيء من هذا القبيل، ولذلك فهي مرنة وسهلة التصنيع، كما أن هناك طرقا لا حصر لها لبنائها.
باستخدام هذه العبوات، تمكن حزب الله من تفخيخ عدد ليس بقليل من السيارات واستخدامه في هجمات متفرقة، لم تكن عشوائية، بل كانت ضربات إستراتيجية محكمة التخطيط، ومصممة لإلحاق خسائر فادحة في الأرواح في حادثة واحدة. بدأت الضربات في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1982، وهي العملية التي تحدثنا عنها قبل قليل، لكنها لم تكن العملية الوحيدة، ففي أبريل/نيسان 1983، اصطدمت سيارة مفخخة بالسفارة الأمريكية في بيروت الغربية، وتسبب الانفجار في تدمير جزء كبير من واجهة مبنى السفارة المكون من سبعة طوابق، وأودى بحياة 63 شخصا بينهم 17 أمريكيا.
ولكن الهجوم الأكثر خطورة وقع في 23 أكتوبر/تشرين الأول 1983، حينما اقتحمت شاحنة مفخخة بوابات ثكنات مشاة البحرية الأمريكية في مطار بيروت الدولي، لتنفجر على إثر ذلك شحنة قُدرت بنحو 6 آلاف كيلوغرام، وبسبب ذلك انهار المبنى المكون من أربعة طوابق، متسببا في مقتل 241 جنديا أمريكيا (220 من المارينز و18 بحارا و3 جنود)، وهي الخسارة الأكبر في يوم واحد لسلاح مشاة البحرية الأمريكية منذ معركة إيو جيما في الحرب العالمية الثانية عام 1945. وبحسب بيانات "سي آي إيه" (CIA) نفسها لم يكن هذا كل شيء، فبعد أقل من عشر دقائق من الهجوم الأول، دمر هجوم مماثل مبنى يضم جنوداً فرنسيين من فوج المظليين الأول، مما أسفر عن مقتل 58 جندياً.
وبعد أقل من أسبوعين، في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1983، وقع هجوم ثان في صور ضد موقع إسرائيلي، حيث انفجرت سيارة مفخخة قرب بوابة مقر قيادة الجيش الإسرائيلي في المدينة، ما أسفر عن مقتل 28 إسرائيليا، بينهم 16 من شرطة الحدود و3 من جهاز الأمن العام و9 جنود آخرين.
من زاوية التحليل العسكري، تبرز الميزة الأولى في هذه العمليات في "نسبة التكلفة إلى الأثر"، فالمقاتل غير النظامي لا يحتاج إلى لواء مدرع أو سلاح جو كي يحدث أثرا على الأرض، ولكن يكفي أن يخوض حربا غير متماثلة يكون فيها الجسد هو السلاح الأساسي مع شحنة من المتفجرات الرخيصة، فينتقي هدفا ذا قيمة عسكرية أو سياسية عالية، ومن ثم يحول ضربة واحدة إلى أزمة أمنية وسياسية طاحنة للخصوم.
هذه الظاهرة ليست جديدة في الحرب، بل إنها أصبحت أكثر إلحاحا اليوم أكثر من أي وقت مضى، ومن الأمثلة المعاصرة ما يحدث في أوكرانيا وما حدث في غزة والحرب الإيرانية نفسها، حيث تظهر مفارقة واضحة تتمثل في صاروخ اعتراضي قد يكلف ملايين الدولارات ينطلق لإسقاط مسيرة رخيصة أو وحدة ذخيرة منخفضة الكلفة، وهو ما يحول الحرب على المدى الطويل إلى عملية استنزاف اقتصادي.
الميزة الثانية هي أن هذه العمليات توفر قدرا معقولا من "الإنكار" الذي ربما يكون مفيدا من الناحية السياسية. في الحالة اللبنانية، جرى تبني العديد من العمليات خلال تلك الحقبة من قبل منظمة الجهاد الإسلامي (وهي غير حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين)، وأهمها تفجيرات مطار بيروت التي استهدفت الجنود الأمريكيين والفرنسيين. كانت منظمة الجهاد كيانا منفصلا عن حزب الله، رغم أن العديد من أعضائها انضموا لاحقا إلى الحزب. وقد ذهبت تقارير استخباراتية أمريكية رفعت عنها السرية أن حزب الله (وإيران) استخدموا اسم منظمة الجهاد في بعض الهجمات، في حين أن المنظمة لم تكن في الحقيقة سوى وجها آخر لحزب الله وأنشطته التي حظيت بدعم من إيران.
"استهداف السفارة الأمريكية وثكنات المارينز وهي من ضمن أكثر الأهداف تحصينا مثل في جوهره رصاصة سياسية أصابت الداخل الأمريكي"
وسواء كان ذلك صحيحا أم لا، فإن تعدد الجهات المسؤولة عن العمليات ساهم في تشتيت جهود المطاردة الأمنية وتعميق أثر العمليات على الأرض. وقد ساهمت طبيعة الأهداف المنتقاة في ترسيخ هذا الأثر أيضا، فاستهداف السفارة الأمريكية وثكنات المارينز وهي من ضمن أكثر الأهداف تحصينا مثل في جوهره رصاصة سياسية، أصابت الداخل الأمريكي والتقطها المشرعون الأمريكيون الذين تراجع دعمهم للتواجد في لبنان بعد أن تحولت إلى مستنقع دموي. وعلى إثر ذلك، قرر الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في 26 فبراير/شباط 1984 سحب القوات الأمريكية من لبنان والتي دخلت البلاد عام 1982 كجزء من قوة متعددة الجنسيات (MNF) لأغراض "حفظ السلام" بعد الاجتياح الإسرائيلي.
بالطبع لم تكن الهجمات العامل الوحيد وراء الانسحاب الأمريكي، لكنها لا شك كانت عاملا حاسما في تسريع تآكل الثقة بالمهمة، وبحسب دراسة منشورة في دورية "تكساس ناشونال سيكيوريتي ريفيو"، فقد ظهر أن هذه التفجيرات لم تكن السبب الوحيد أو قل "الذي حدد قرار الانسحاب"، لكنها عمقت الانقسام داخل إدارة ريغان، بما أدى فيما بعد إلى الانسحاب.
لكن الأمر لم يقف عند حدود السيارات المفخخة، فبحلول يونيو/حزيران 1985 كانت إسرائيل قد انسحبت من معظم الأراضي اللبنانية، مكتفية بـ"منطقة أمنية" عبارة عن شريط من جنوب لبنان يمتد على طول الحدود مع إسرائيل بعمق يتراوح بين 10 و15 كيلومترا تقريبا.
أجبر هذا التغيير في التضاريس حزب الله على تغيير أسلوبه. لقد كانت عمليات تفجير السيارات الانتحارية موجهة ضد أهداف حضرية ثابتة، ومن ثم كانت هذه العمليات فعالة عندما كان الجيش الإسرائيلي يسيطر على مدن مثل صور وصيدا، ولكن بمجرد انسحاب إسرائيل إلى حزام محصن من المواقع الأمامية على قمم التلال، تحولت ساحة الهجوم إلى القوافل والدوريات والمواقع المعزولة، ما يعني حتمية تغيير تكتيكات الحرب.
في مقال تحليلي بعنوان "مراحل المقاومة الثلاث"، المنشور في مجلة "إنترناشونال ريليشنز" الإلكترونية، يشرح الباحث ديفيد سوسا التطور التكتيكي لحزب الله في هذه الفترة من الثمانينيات، حيث يجادل بأن الحزب تحول من الهجمات الانتحارية إلى ما أسمته "ثالوث" تكتيكات المقاومة، والذي يتمثل في العبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطرق، والصواريخ المضادة للدبابات، وصواريخ كاتيوشا (تستخدم بشكل رئيسي ضد تجمعات الجنود والمعدات).
"منذ منتصف الثمانينيات، تحول حزب الله إلى ثالوث تكتيكات المقاومة: العبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدبابات، وصواريخ كاتيوشا"
كانت العبوات الناسفة تحديدا هي السلاح الأهم في هذه الحقبة. وقد استُخدمت أنواع متعددة منها تباينت في طريقة التفجير، بعضها بدائي الصنع يفعل بواسطة مفتاح ضغط لتشبه اللغم الأرضي، وبعضها أكثر تعقيدا يعمل عن طريق إشارة الترددات الراديوية التي يتم ضبطها وإطلاقها بواسطة فرد يراقب الهدف. تعددت أشكال توظيف العبوات أيضا، فاستخدمت في الكمائن على جانب الطريق بحيث تعترض القوات المهاجمة أو خطوط إمدادها، كما ركبت في المداخل أو المباني لضرب فرق الجنود، وأحيانا جرى تثبيتها على المدرعات أو الدبابات مباشرة.
صنعت هذه العبوات بشكل أساسي من مادة "تي إن تي" ومتفجرات بلاستيكية وأسطوانات غاز، لإحداث تأثير حراري قوي. وكانت خطة استخدامها بسيطة ولكنها فعالة للغاية، حيث تقوم الخلايا بتحديد مسارات قوافل الجيش الإسرائيلي المعتادة داخل المنطقة الأمنية أو على حافتها، ثم تزرع عبوة ناسفة، غالبا ما تكون مموهة على شكل صخرة أو كومة قمامة أو حطام على جانب الطريق، وبمجرد تفجيرها، تستخدم نيران ثانوية من قاذفات الصواريخ أو الأسلحة الخفيفة (بشكل أساسي الكلاشنكوف)، لاستهداف القوات الثابتة أو الراجلة، أو تلك التي قدمت لتحرير المحتجزين في الكمين.
"بعض العبوات الناسفة كان بدائي الصنع يفعل بواسطة مفتاح ضغط، وبعضها كان أكثر تعقيدا يعمل عن طريق الإشارات الراديوية"
نجاح هذه التجربة سمح بتصديرها إلى الكثير من المناطق المحيطة، وعلى رأسها تجربة الفصائل التي واجهت التحالف الدولي في العراق لاحقا، والتي عملت على تحسين العبوات الناسفة، بل وبناء منظومة عسكرية تتمحور حولها، فتحوَّل استخدامها من عمليات عشوائية إلى تنظيم شبه عسكري يتكون من مدير للعمليات وفريق تخطيط وفرق تنفيذ مختصة فقط بالعبوات الناسفة.
أدى ذلك بالتبعية إلى تنوع استخدامات تلك العبوات بحسب الوظيفة، فظهرت عبوات ناسفة مخصصة للأفراد تمتلك تصميما وآلية عمل وشحنة متفجرة تختلف عن العبوات الناسفة المخصصة للمباني، وتلك المخصصة للمدرعات، والمخصصة للطائرات، والمخصصة لخلق عوائق أمام القوات المتقدمة التي تُستخدم كمرحلة أولى قبل تشغيل عبوات ناسفة أخرى على الطريق لتدمير القوات كلها.
استُخدمت العبوات الناسفة في أكثر من 100 هجوم شهريا في العراق بحلول نهاية عام 2003، وبحلول أبريل/نيسان 2005 ارتفع هذا العدد إلى أكثر من 1000 هجوم، وارتفع الرقم مجددا إلى أكثر من 2500 هجوم بالعبوات الناسفة بدءا من صيف عام 2006، وبحلول نهاية عام 2007، كانت العبوات الناسفة مسؤولة عن نحو 63% من وفيات قوات التحالف في العراق (كما تسببت في أكثر من 66% من وفيات قوات التحالف في حرب أفغانستان).
في هذا الثالوث، مثلت صواريخ كاتيوشا الذراع الأبعد أثرا، حيث مثلت أداة لبسط يدي حزب الله خارج الشريط الأمني إلى العمق الإسرائيلي، فهي تطلق نيراناً يصعب صدها بالكامل، قد تكون غير دقيقة لكنها خلقت إنذارات ونزوحا وتعطيلا مكلفا للحياة اليومية. يرى سوسا أن دخول الكاتيوشا ضمن "ثالوث" المقاومة إلى جانب العبوات والصواريخ المضادة للدبابات كان حاسما في خفض معنويات الجيش الإسرائيلي والتأثير في الرأي العام المؤيد للانسحاب.
لكن استخدام هذه الصواريخ لم يصل إلى ذروة نضجه إلا في التسعينيات، وكذلك الصواريخ المضادة للدبابات، التي ربما بدأت بالفعل في الثمانينيات، لكن أثرها الحقيقي ظهر فيما بعد، وبشكل خاص في حرب لبنان عام 2006، حيث استخدم حزب الله أكثر من 1000 صاروخ مضاد للدبابات، وبسبب ذلك أصيبت العديد من الدبابات والعربات المدرعة الإسرائيلية بأعطاب مختلفة.
"في حرب لبنان عام 2006، استخدم حزب الله أكثر من 1000 صاروخ مضاد للدبابات، معطلا نقطة تفوق تقليدية لإسرائيل على خصومها"
أسس ذلك لمرحلة جديدة من الصراع مع الدبابات وهو نطاق لطالما تفوقت فيه إسرائيل على خصومها. فقد ظهرت صواريخ مثل الكورنيت، الصاروخ الروسيّ الموجه والمخصص للاستخدام ضد دبابات القتال الرئيسية المزودة بدروع تفاعلية متفجرة، هذه الإستراتيجية طورتها فيما بعد كتائب القسام في غزة بتطوير "الياسين 105" المحلي الصنع، الذي أوقف عددا كبيرا من آليات الاحتلال عن العمل، وقتل وأصاب من كانوا داخل تلك الآليات.
مثل الثالوث السابق القاعدة الأساسية التي قامت عليها إستراتيجية حزب الله العسكرية في القتال القريب منذ ذلك الحين وإلى الآن. لاحقا أضيفت المسيرات إلى هذا المزيج، وصولا إلى مسيرات منظور المشغل الأول (إف بي في) والتي يمكنها تسجيل مقاطع فيديو للحظات ضرب الدبابات، وهو أمر من شأنه الضغط نفسيا على الخصوم. وهذا الضغط في حد ذاته ليس جديدا أيضا، فقد استخدم حزب الله المعلومات والإعلام والحرب النفسية كجزء من إستراتيجيته منذ الثمانينيات، فالصورة التي يتم تصديرها لجمهور العدو (الإسرائيلي بشكل خاص) تعكس جانبا مهما لا ينفصل عن القتال ذاته.
هكذا تحول حزب الله، عبر العقود القليلة الماضية، من مجرد قوة غير نظامية إلى قوة هجينة، أي أنه تطور من استخدام حرب العصابات إلى استخدام أسلوب عسكري هجين، يجمع بين الحرب غير النظامية من جهة، عبر استخدام وحدات أو خلايا صغيرة متنقلة وتكتيكات الكرّ والفرّ والكمائن وعمليات "تخريب" بنى العدو التحتية، وبين الحرب النظامية فامتلك أسلحة ثقيلة، وأعاد تشكيل المقاتلين في مجموعات تشبه الكتائب، مع هيكل قيادة مرن يتحمل أعباء الاستهدفات الإسرائيلية المتواصلة.
في النهاية، لم يسع حزب الله إلى معركة حاسمة في الثمانينيات، بل كان منطقه الإستراتيجي هو التراكم التدريجي للخسائر الإسرائيلية، انطلاقا من افتراض أن مجتمعا حساسا للخسائر سيجد في نهاية المطاف أن تكلفة البقاء في لبنان غير مقبولة سياسيا. وهو المبدأ الذي تلخصه دراسة نشرتها مجلة "أندالاس" للدراسات الدولية، مشيرة أن الطرف الأضعف من الناحية التقنية العسكرية لا ينتصر بهزيمة الطرف الأقوى، بل بالبقاء وإيلام الخصم بخسائر صغيرة متراكمة. وتشير الدراسة إلى أن حزب الله طبق هذا المنطق عمليا من خلال الجمع بين هجمات بسيطة يصعب رصدها، ونشاطات إعلامية تستهدف الرأي العام الإسرائيلي واللبناني والدولي.
ثبتت فعالية هذه الإستراتيجية عندما انسحبت إسرائيل من لبنان في مايو/أيار 2000، وهي نتيجة زرعت بذورها في ثمانينيات القرن الماضي. مضت عقود بعد ذلك تجهز خلالها حزب الله والجيش الإسرائيلي للحرب القادمة وجرت مياه جديدة إلى السطح. فهل يصمد الحزب في الحرب الحالية بتطبيق نفس الإستراتيجيات؟ أم أن الإسرائيليين تجهزوا بالفعل لحرب طويلة أكثر مناعة ضد الخسائر المتراكمة والضغط السياسي؟ الأيام والأسابيع القادمة ستجيب عن هذا السؤال.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة