آخر الأخبار

تحقيق للجزيرة يكشف.. من عبر مضيق هرمز خلال 7 أسابيع من الحرب؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في 28 فبراير/شباط 2026، اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. كان مضيق هرمز، وهو الممر الذي يعبره نحو خُمس نفط العالم، أول الجبهات التي اشتعلت بعد تهديدات إيرانية صريحة بمنع سفن "العدو" من العبور، وهو ما أدى إلى إغلاق المضيق. ولم تلبث بوادر استعادة الملاحة بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 8 أبريل/نيسان أن تلاشت في أعقاب إعلان الولايات المتحدة الحصار البحري الكامل على الموانئ الإيرانية في 13 أبريل/نيسان.

نظريا، كان على هرمز، في الحالتين، أن يتوقف تماما!

"خلال فترة الرصد الممتدة من 1 مارس/آذار إلى 15 أبريل/نيسان، عبر المضيقَ ما لا يقل عن 202 رحلةٍ في الاتجاهين"

لكن بيانات التتبع تكشف صورة مختلفة. فخلال فترة الرصد الممتدة من 1 مارس/آذار إلى 15 أبريل/نيسان، عبر المضيقَ ما لا يقل عن 202 رحلةٍ في الاتجاهين من ناقلات نفط، وسفن شحن، وحاويات، تحت النار وفوق خطوط الحصار. لقد ظل الشريان يعمل جزئيا (بوتيرة عبور أقل بكثير مما قبل الحرب) ولكن بصورة انتقائية توافقت في معظم الأحوال مع مصالح وسياسات إيران، الدولة التي تتحكم فعليا في الملاحة عبر المضيق.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 غوتيريش: نشهد تصعيدا خطيرا والعالم لا يمكنه تحمل حرب نووية
* list 2 of 2 عاصفة في قم.. الحوزة والعلماء في زمان الحرب end of list

رصدت وحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة هذه الرحلات منذ الساعات الأولى للحرب وحتى الأيام الأولى للحصار، وأجرت تحققاً معمقاً في ملفات السفن، وملكياتها، وأعلامها، وسلوكها في البحر، والنتيجة التي توصلنا إليها كانت صورة للمضيق تظهر أنه لم يخضع لمنطق الحرب ولا لمنطق الحصار، بل واصل العمل بمنطقه الخاص.

من بين هذه الرحلات، برزت طبقة تستحق التدقيق. فقد أظهرت البيانات 77 رحلة لسفن مرتبطة بإيران بشكل مباشر أو غير مباشر (38.5% من المجموع)، بينها 61 سفينة مدرجة على قوائم العقوبات الدولية. هذه الشريحة، أو ما يُعرف بـ"أسطول الظل"، تكشف كيف تتكيّف شبكات الشحن الخاضعة للعقوبات مع ضغوط الحرب والحصار في آنٍ واحد.

"أسطول الظل ليس ظاهرة إيرانية حصرا؛ إنه بنية تحتية لوجستية موازية نمت عالميا في ظل العقوبات على روسيا وفنزويلا وإيران"

وأسطول الظل ليس ظاهرة إيرانية حصراً؛ إنه بنية تحتية لوجستية موازية نمت عالمياً في ظل العقوبات على روسيا وفنزويلا وإيران، تضم بحسب التقديرات الدولية أكثر من 1400 ناقلةٍ تعمل بأعلام مزيفة وشركات وهمية وتأمين ذاتي، وتحوّلت من ثغرة في نظام العقوبات إلى نظام شحن بديل مكتمل الأركان.

إعلان

قسم الفريق فترة الرصد والتحقق المعمق إلى 3 فترات تعكس التصعيدات الميدانية في المنطقة.


* مرحلة الحرب المفتوحة (1 مارس/آذار – 6 أبريل/نيسان): شهدت عبور 126 سفينةٍ، مع ذروة يوم 1 مارس/آذار بلغت 30 سفينةٍ في يوم واحد.
* مرحلة التهدئة المُعلَنة (7–13 أبريل/نيسان): شهدت عبور 49 سفينة بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
* مرحلة الحصار الأمريكي (13–15 أبريل/نيسان): عبر خلالها 25 سفينة، بعضها كسر الحصار ووصل إلى خارج الخليج.

هذا التحقيق يقدّم أوسع عملية رصد ميداني لحركة مضيق هرمز خلال الحرب، ويضع تحت المجهر طبقتين متوازيتين. الأولى هي حركة الملاحة العامة التي صمدت في وجه الاضطراب، والثانية هي طبقة الأسطول الخفي التي تحرّكت داخلها، ويدقق في البيانات المرتبطة بالعقوبات الدولية، ليكشف كيف يُدار أحد أهم ممرات العالم المائية حين تتداخل فيه الجغرافيا والسياسة والحرب.

مصدر الصورة (الجزيرة)

كيف رصدنا المضيق الذي لا يتوقف

راقبنا في وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة المضيق يومياً منذ اليوم الأول للحرب، كنا نراقب كل سفينة تعبر في أي اتجاه، على مسافات كافية من جانبَي الممر. ثمة فجوات لا مفرّ منها ولا يمكن إلا أن نضعها في الحسبان، فهناك سفن تُطفئ إشاراتها على مسافات بعيدة فلا تظهر في بيانات التتبع، لكن المتابعة من خلال المصادر المفتوحة المختلفة عملت على تضييق هذه الفجوات إلى أدنى حدّ ممكن.

فوق هذه البيانات الأولية، بُنيت طبقات تحليلية معمّقة طُبِّقت على كل سفينة من الـ185 التي قامت بـ202 رحلةٍ رصدناها. وقد شملت هذه الطبقات ما يلي:


* أولاً: التحقق من العقوبات

فُحص رقم تسجيل السفينة (IMO) لكل سفينة عبر قواعد بيانات متخصصة، مع مطابقة متزامنة مع قوائم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) الأمريكية، وقوائم الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، والأمم المتحدة، للكشف عن السفن المدرجة ضمن قوائم العقوبات بما يشمل أي إدراجات حديثة قد تكون طرأت منذ بداية الحرب. هذه الخطوة وحدها أوصلتنا إلى أول نتيجة: 61 سفينة رصدناها كانت خاضعة فعليا للعقوبات.


* ثانياً: تحليل الملكية التاريخي

تتبّع الفريق تاريخ كل سفينة من الملاك السابقين والحاليين، الأسماء والأعلام المتبدّلة، هيئات التصنيف، ومؤسسات التأمين المعروفة بـ"أندية الحماية والتعويض" (P&I). وكثيراً ما كشفت هذه الطبقة شبكات من الشركات الوهمية تخفي وراءها ملاكاً حقيقيين لا يظهرون في السجلات الرسمية.

"هناك 61 سفينة خاضعة للعقوبات عبرت مضيق هرمز منذ بدء الحرب وحتى منتصف أبريل/نيسان"


* ثالثاً: التحليل السلوكي وبيانات نظام التعريف التلقائي (AIS)

عبر أدوات مثل مارين ترافيك (MarineTraffic) راجع الفريق مسارات السفن كاملة، مع تركيز خاص على الإشارات السلوكية الكاشفة مثل انقطاعات إشارة (AIS) غير المبررة، أو الإبحار قرب مناطق حساسة كجزر قشم ولارك وميناء بندر عباس، والتغيّر المتكرّر في الأسماء والأعلام خلال فترات قصيرة.

رابعاً، رسم شبكات العلاقات عن طريق تحليل الأنماط المشتركة بين السفن، في محاولة للإجابة على أسئلة مثل: مَن يديرها؟، ومَن يؤمّنها؟ أو مَن يمثّلها في الموانئ؟ رسمت الوحدة خريطة للشبكات التشغيلية الفعلية، لتكشف تجمّعات من السفن تعمل كأسطول واحد وإن اختلفت أعلامها وأسماء ملاكها على الورق.

إعلان

وبناء على هذا توصلنا إلى صورة واضحة لكيفية عمل مضيق هرمز تحت ضغط الحرب والعقوبات.

مصدر الصورة

أسطول الظل الإيراني يجتاز مضيق هرمز

كشفت البيانات التي قامت وحدة التحقيقات بجمعها وتحليلها عن نمط معقد في حركة الملاحة في مضيق هرمز خلال فترة الرصد بين 1 مارس/آذار إلى منتصف 15 أبريل/نيسان 2026، إذ تم كشف تمكن 202 رحلةٍ من المرور عبر المضيق، 77 منها مرتبط بإيران، بنسبة تصل إلى 38.5%. الأهم أن 61 سفينة من تلك السفن العابرة خاضعة بشكل صريح للعقوبات الدولية.

الأرقام التي كشفتها البيانات تدل على أن حركة الملاحة لم تتوقف كليا، ولكنها تقلصت وصارت أكثر انتقائية، مع قدرة هذه الشبكات على التكيف مع ظروف الحرب والاضطرابات في المضيق.

ومن أبرز ما تم رصده خلال هذه المرحلة، هو حركة العبور يوم 13 أبريل/نيسان 2026، – اليوم الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة بدء الحصار البحري، حيث تم رصد كسر سفينتين على الأقل للحصار الأمريكي والعبور نحو وجهات خارج الخليج.

"خلال أول 36 ساعة للحصار الأمريكي، رصدنا نجاح سفينتين على الأقل في كسر الحصار والعبور نحو وجهات خارج الخليج"

ومن السفن التي وُثِّق عبورها، سفينة الشحن الإيرانية المسماة "13448" (MMSI: 422733500) وهي سفينة لا تحمل رقم (IMO)، لأنها سفينة صغيرة تعمل في المياه الساحلية. ترفع السفينة العلم الإيراني وفق بيانات مارين ترافيك، وهي مدرجة على قائمة العقوبات الأمريكية.

مصدر الصورة

مصدر الصورة

كما وثقت الوحدة العديد من الحالات لسفن قامت بالتلاعب في أنظمة التعريف الخاصة بها (AIS) من خلال إغلاقه أو تغيير البيانات المرسلة عبره، إلى جانب اتباع مسارات غير مبررة، وهو سلوك غالبا ما تلجأ إليه السفن بهدف إخفاء هويتها أو وجهتها. ومن هذه الأمثلة الناقلة فلورا (FLORA) (IMO: 9349576) المرتبطة بإيران من خلال موانئ الوصول والمغادرة، والمدرجة أيضا على قائمة العقوبات الأمريكية.

مصدر الصورة

3 مراحل.. والعبور مستمر

كما ذكرنا آنفا، قمنا بتقسيم فترة الرصد إلى ثلاث مراحل. المرحلة الأولى جاءت تحت شعار "التمويه من أجل العبور"، وهي الفترة الممتدة بين 1 مارس/آذار 2026 حتى 06 أبريل/نيسان 2026، وهي أيام الحرب على إيران (قبل وقف إطلاق النار). خلال هذه المرحلة، رصدنا مرور 126 سفينةٍ عبر الممر البحري. سجلت ذروة العبور في اليوم الأول من فترة الرصد الموافق 1 مارس/آذار 2026، بمرور 30 سفينةٍ في يوم واحد وهو أعلى معدل يومي خلال هذه المرحلة (كانت الحرب في البداية ولم يكن التصعيد بلغ ذروته في البحر بعد).

أظهرت المعطيات أن 46 من السفن التي رصدناها في تلك المرحلة مرتبطة بإيران بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء عبر الأعلام أو الإدارة أو الموانئ. كما كشفت البيانات عن تداخلات واضحة بين النشاط التجاري وشبكات يُحتمل أنها تعمل على تجنب العقوبات المفروضة على إيران.

تزامنت المرحلة الثانية، الممتدة بين 7 و13 أبريل/نيسان 2026، مع إعلان التهدئة المؤقتة، ورصدنا خلالها عبور 49 سفينةٍ عبر مضيق هرمز، وذلك قبل دخول الحصار البحري الأمريكي حيز التنفيذ. وتكشف بيانات الملاحة التي جمعناها أن أكثر من 40% من السفن التي مرت خلال تلك المرحلة مرتبطة بإيران بشكل مباشر أو غير مباشر، بواقع 20 سفينة شحن.

ومن السفن التي عبرت مضيق هرمز باتجاه مناطق خارج الخليج، سفينة روشاك (ROSHAK) (IMO: 9405966)، التي تحمل العلم الإيراني وتشملها العقوبات الأمريكية.

ومن السفن التي غادرت المضيق من موانئ إيرانية نحو وجهات أخرى إقليمية ودولية، سفينة آزارغون (AZARGOUN) (IMO: 9283019) المتجهة إلى الهند، وسفينة إل بي غرين (LB GREEN) (IMO: 9609469) التي خرجت من إيران باتجاه ميناء فارنا ببلغاريا.

كما وصلت سفن أخرى إلى موانئ إيرانية مثل بافاند (BAVAND) (IMO: 9387798) القادمة من الهند وإم دي إل طوفان (MDL TOOFAN) (IMO: 9275141) القادمة من البرازيل.

يكشف تحليل حركة العبور خلال تلك المرحلة أن الحركة في المضيق تواصلت في الاتجاهين من إيران وخارجها، ما يرجح محاولات استكمال عمليات التفريغ والشحن قبل إغلاق الممر البحري.

إعلان

تبدأ المرحلة الثالثة مع دخول الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية حيز التنفيذ، وخلالها رصد فريق التحقيقات استمرارا في حركة العبور عبر الممر البحري، حيث تم تسجيل مرور 25 سفينةٍ عبره خلال يوم ونصف تقريبا.

فقد وُثق كسر سفن مرتبطة بإيران للحصار البحري متمكنة من الخروج عبر المضيق ومنطقة الحظر، منها سفينة (13448) والتي تحمل علم إيران وخرجت من ميناء الحمرية ووصلت إلى ميناء كراتشي في باكستان.

كما وثق الفريق اجتياز سفينة كريستيانا (CHRISTIANNA) (IMO: 9596703) للحصار البحري الأمريكي خارجة من مضيق هرمز، ويظهر تلاعب السفينة في الإشارة وقطعها لفترات زمنية متفاوتة إضافة إلى تحركات مضطربة قبل وبعد مغادرتها مضيق هرمز. وهي سفينة مرتبطة بإيران من خلال الموانئ الإيرانية التي دخلتها أو غادرت منها كما أنها تخضع لعقوبات.

وثقنا أيضا اجتياز سفينة مانالي (MANALI) (IMO: 9268916) التي تحمل علم بنما للحصار البحري الأمريكي، حيث أظهرت البيانات عبورها مضيق هرمز يوم 14 أبريل/نيسان، ومرة أخرى مخترقة الحصار في 17 أبريل/نيسان، متوجهة إلى أحد الموانئ الهندية وفقا لمعلومات وجهتها المحددة.

تجدر الإشارة إلى أن فترة الرصد في هذه المرحلة كانت قصيرة جدا كون البيانات التي جرى تحليلها تشمل فقط أول 36 ساعة تقريبا.

كيف عملت شبكات الشحن خلال الحرب؟

ولتعزيز دقة التحليل، لم تكتف وحدة التحقيقات برصد حركة السفن، بل أجرت تحليلا معمقا عليها وعلى الرحلات، شمل تحليل الملكية، وأنماط التشغيل، والارتباطات المحتملة بشبكات خاضعة للعقوبات. وقد سمح هذا الدمج بين التحليل الكمي والتحقق النوعي بالكشف عن أنماط تشغيل معقدة لم تكن لتظهر بالاعتماد على البيانات الأولية فقط.

على مستوى الشركات المشغلة للسفن، كشف البيانات المُجمعة عن شبكة واسعة من الكيانات البحرية المنتشرة في عدة دول، حيث برزت خمس دول تصدرتها إيران بنسبة 15.7%، تلتها الصين بنسبة 13%، واليونان التي تجاوزت نسبتها 11%، فيما جاءت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الرابعة بنحو 9.7%، ثم الهند بـ 5.9%. ومن الملاحظ أن نحو 18.9% من السفن المرصودة لم تُعرف الجهات المشغلة لها.

كما أظهرت البيانات تكرار استخدام نفس العناوين أو شركات الإدارة لعدد من الكيانات المختلفة، إذ تعمل بعض الشركات كوسيط إداري أو تشغيلي لعدة سفن في ذات الوقت، ويظهر هذا من خلال وجود شركات مسجلة تحت عناوين (C/O) أي أنها تدار عبر شركات أخرى، ما يؤشر على وجود طبقات متعددة من الملكية والإدارة.

هذا النمط يشير إلى أن قطاع الشحن يعتمد في كثير من الأحيان على شبكات شراكات معقدة وعابرة للحدود، حيث تسجل السفن في دول، وتدار من دول أخرى، وتُربط بشركات وسيطة. رغم أن هذا النمط قد يستخدم لأغراض تجارية مشروعة، لكنه في بعض الحالات قد يساهم أيضا في صعوبة تتبع المالكين الحقيقيين أو فهم طبيعة الأنشطة بشكل كامل، لاسيما في حالات مرتبطة بدول تخضع لعقوبات أو في المناطق التي تشهد توترات.

"قطاع الشحن يعتمد في كثير من الأحيان على شبكات شراكات معقدة وعابرة للحدود، حيث تسجل السفن في دول، وتدار من دول أخرى، وتُربط بشركات وسيطة"

فيما يخص هذه الشركات، كشف التحليل المعمق للبيانات عن الاعتماد بشكل كبير على الشركات الآسيوية في إدارة وتشغيل السفن المرتبطة بحركة العبور من مضيق هرمز. فقد بلغ إجمالي السفن التي تديرها شركات مقرها الصين 24 سفينة، تليها الهند بـ 11 سفينة، ثم اليابان وفيتنام بثلاث سفن لكل منهما، ثم باكستان وكوريا الجنوبية بسفينتين لكل دولة منهما، وسفينة واحدة لكل من ماليزيا وتايلاند.

خريطة توضح دول تمركز أغلبية الشركات التي تدير السفن المرصودة (الجزيرة)

إلى جانب ذلك، كشف البيانات أن عددا من السفن قامت بالتلاعب في أنظمة التعريف الآلي الخاصة بها (AIS)، من خلال قطع الإشارة لفترات زمنية متفاوتة أو التشويش عليها، وهي أنماط تشغيل غير اعتيادية رصدها الفريق، مثل سفينتي جينوا (GENOA) (IMO: 9268942) وسكاي ويف (SKYWAVE) (IMO: 9328716)، اللتين أظهرتا فجوات زمنية واضحة في بياناتهما الملاحية وتحركات متضاربة خلال رحلاتهما.

كما كشفت البيانات استخدام العديد من السفن أعلام تسجيل مختلفة مثل جزر القمر وبنما وليبيريا ومالطا، وعادة ما تستخدم هذه الأعلام في قطاع الشحن لتسجيل السفن خارج ملكية الدولة الحقيقية، لتقييد تتبع المالكين الحقيقيين. واللافت أن الفريق رصد 16 سفينة تحمل أعلاما مصنفة على أنها أعلام مزيفة (فولس فلاغ) وفق بيانات التتبع الدولية.

أنماط ملاحة غير اعتيادية

رصد الفريق من خلال البيانات التي حللها تحولا لافتا في سلوك عدد من السفن التجارية خلال فترة الرصد، حيث ظهر أن مساراتها انحرفت عن الطرق الملاحية الدولية المعتادة باتجاه المياه الإقليمية الإيرانية بالقرب من جزيرتي لارك وقشم.

مثلا، أظهرت بيانات ناقلة الغاز باين غاز (Pine Gas) (IMO: 9315680)، التي ترفع العلم الهندي، خلال موقع مارين ترافيك، أن السفينة سلكت الممر الضيق بمحاذاة السواحل الإيرانية يوم 23 مارس/آذار 2026. وفي تصريح نقلته وسائل إعلامية عن رويترز، أكد كبير ضباطها سوهان لال أن التعليمات جاءت من قيادات الحرس الثوري بشكل مباشر، وأن الممر الاعتيادي كان "ملغما" وفق وصفه. وقد نفى الضابط دفع أي رسوم عبور.

بصورة مماثلة تماما، رصدنا عبور الناقلة الصينية برايت غولد (Bright Gold) (IMO: 9171503) من الممر ذاته في اليوم نفسه (23 مارس/آذار) استنادا إلى بيانات مارين ترافيك.

وقد حصلت وحدة المصادر المفتوحة على صورة تثبت تداخل عناصر تشغيل بعض السفن العابرة، فعلى سبيل المثال ترفع ناقلة النفط الخام جوريا (IMO: 9175535) علم هونغ كونغ، وقد أشير إلى تشغيلها بطاقم صيني. اللافت أن الناقلة غادرت ميناء بنغرانغ الماليزي دون تحديد وجهة نهائية، حيث سجلت وجهتها على أنها (For Order) وهو مصطلح بحري يستخدم للإشارة إلى أن الوجهة تحدد خلال الرحلة.

كما أظهرت بيانات التتبع أن الناقلة سلكت مسارا يمتد عبر المحيط الهندي وصولا إلى بحر العرب، قبل أن تتابع رحلتها شمالا باتجاه مضيق هرمز، حيث عبرت الممر البحري من خلال المياه الإقليمية الإيرانية بالقرب من جزيرتي لارك وقشم.

ويعكس هذا النمط بنية تشغيل عابرة للحدود، تجمع بين علم مسجل، وطاقم من جنسية مختلفة، وميناء انطلاق في دولة ثالثة، ووجهة غير محددة، ما يدل على تداخل في المصالح التجارية بين أطراف متعددة. كما يزيد هذا النمط من صعوبة تتبع الجهة المالكة الفعلية أو المستفيد النهائي.

هيمنة ناقلات الطاقة

كشف تحليل الفريق لبيانات السفن العابرة، عن استمرار هيمنة سفن قطاع الطاقة على حركة العبور في مضيق هرمز، ما يشير لعدم توقفها بشكل كامل رغم الاضطرابات في المنطقة.

إعلان

فقد بلغ إجمالي عدد ناقلات الطاقة، بما فيها النفط الخام والمنتجات النفطية وناقلات الغاز 68 سفينةٍ، أي ما نسبته 36.2% من إجمالي السفن العابرة، وهي النسبة الأعلى بين الفئات المرصودة. ومن اللافت أن 10 منها مرتبطة بإيران.

لكن الحركة التجارية غير النفطية لم تتوقف تماما، حيث رصد الفريق عبور 57 سفينةٍ من فئتي ناقلات البضائع الجافة سفن الشحن والشحن العام، ما يمثل أكثر من 30% من السفن المارة خلال فترة الحرب، وهي فترة الرصد الأولى للفريق. ومن اللافت أيضا في هذا النوع هو هيمنة السفن المرتبطة بإيران، فمن أصل 57 سفينةٍ، هناك 41 سفينةٍ لديها ارتباط بإيران، أي ما يقارب 72% من سفن البضائع الجافة والشحن والشحن العام.

المضيق الذي لا يُغلَق

في 11 مارس/آذار، اخترق مقذوفان هيكل سفينة البضائع التايلاندية مايوري ناري (Mayuree Naree) (IMO: 9323649) وهي تعبر مضيق هرمز فارغة من أي حمولة، في طريقها إلى الهند لتحميل شحنة من الأرز. اشتعلت النار في غرفة المحركات، وأُنقذ عشرون بحاراً تايلاندياً، لكن بقي ثلاثة محاصرين في الداخل. بعد أسابيع، عُثر على رفاتهم حين صعد فريق إنقاذ متخصص إلى السفينة التي كانت قد جنحت على شاطئ جزيرة قشم الإيرانية.

في الوقت نفسه، كانت ناقلات أسطول الظل تعبر المضيق ذاته، بأعلام مزيفة وإشارات مطفأة ووجهات غير محددة. سفينة الشحن التايلاندية كانت تعمل وفق القواعد بعلم حقيقي، ومسار معلن، وتنسيق مع مراكز الأمان البحري البريطانية. أما أسطول الظل فيعمل خارج هذه القواعد، وهذا بالتحديد ما أبقاه على سطح الماء يغدو إلى المضيق ويروح.

"الحصار والعقوبات ربما تستطيع التأثير في دولة تدير تجارتها بشكل قانوني تماما، لكن 47 سنة من الحصار علّمت إيران كيف تدبر شؤونها بطريقتها الخاصة"

ما كشفه رصد 202 رحلةٍ خلال سبعة أسابيع من الحرب والحصار لا يتعلق بإيران وحدها. إنه يكشف أن الحصار والعقوبات البحرية قد تكون قادرة على التأثير في دولة تقوم بكل تجارتها أمام العالم وطبقًا لقوانين القوى الكبرى، لكن 47 سنة من الحصار علّمت إيران كيف تدبر شؤونها. إن ما يعبر هرمز اليوم هو أسطول بُني بالكامل خارج القواعد القانونية التي تحكم التجارة البحرية، يضم 16 سفينةٍ بأعلام دول حبيسة، وشركات مسجّلة تحت عناوين شركات أخرى لا تملك سوى صندوق بريد، وقرابة خُمس السفن لم تُعرف جهاتها المشغّلة أصلاً.

قبل الحرب، كانت تعبر المضيق نحو 100 سفينة يوميا. اليوم، بالكاد تمرّ بضع سفن. هناك عشرون ألف بحار عالقون على متن ألفَي سفينةٍ في الخليج العربي في ما وصفته المنظمة البحرية الدولية بأنه وضع لا سابقة له في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. البحارون لا ينامون في سفنهم، بل يظلون متيقظين على الأسطح يراقبون السماء التي قد تشتعل بالصواريخ واعتراضاتها فوقهم.. بلا سابق إنذار.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا