في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فرض حصار بحري على إيران، بدأ الإعلام الصيني يتساءل: هل تسعى واشنطن إلى توظيف هذا الحصار كورقة ضغط إستراتيجية على بكين، أم إن الهدف المباشر يبقى طهران وإعادة تشكيل توازنات القوة في الخليج؟
في هذا السياق، تعكس تغطية صحيفة "الشعب" وصحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" الصينيتين مقاربة متكاملة تركز على أمن الطاقة العالمي، وتناقش فرضية الضغط على الصين.
في مقال للأكاديمي دونغ شيو تشنغ من جامعة الأعمال والاقتصاد الدولي، قدّمت صحيفة الشعب -وهي لسان حال الحزب الشيوعي الصيني- قراءة تضع الأزمة في إطار اقتصادي عالمي واسع. ويرى فيها الكاتب أن أزمة الملاحة تحولت إلى "اضطراب تاريخي في إمدادات الطاقة العالمية" بشكل يتجاوز تقلب أسعار النفط، ويقوّض أسس النمو الاقتصادي العالمي عبر سلاسل التوريد وتوقعات التضخم والأوضاع المالية.
ويصف دونغ الطاقة بأنها "شريان الحياة للصناعة الحديثة"، محذراً من أن ارتفاع أسعارها يطلق سلسلة من التداعيات تمتد إلى قطاعات النفط والغاز والكيمياويات والنقل والأسمدة والإلكترونيات.
وفي محاولة لتفسير حالة التضخم العالمي، يربط المقال بين ارتفاع أسعار النفط والغاز وبين زيادة التضخم، مشيرا إلى تأجيل بعض البنوك المركزية خفض الفائدة وعودة أخرى لرفعها، رغم أن التضخم الحالي "ناتج عن صدمات في جانب العرض"؛ أي أن علاجه عبر كبح الطلب يهدد بالوقوع في حالة الركود التضخمي، خاصة في الاقتصادات النامية المعتمدة على واردات الطاقة، وما يرافقها من مخاطر انخفاض العملات وخروج رؤوس الأموال وعدم استقرار الديون.
وتؤكد صحيفة "الشعب" أن قطاع الطاقة يدخل مرحلة إعادة تشكيل؛ إذ ينتقل النظام من معياريْ الكفاءة والتكلفة إلى نموذج يقوم على الأمن والمرونة، عبر تعزيز الاحتياطيات الإستراتيجية، وتنويع مصادر النفط والغاز، وجعل مسارات النقل أكثر إقليمية وأقرب إلى السواحل، إضافة إلى تسريع التحول نحو الطاقة غير الأحفورية وتقنيات الكيمياء الحديثة للفحم، لتقليل الاعتماد على النفط والغاز.
ويستنتج دونغ أن استعادة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز -عبر وقف إطلاق النار- تعد خطوة أساسية لاستقرار ثقة السوق العالمية، مع ضرورة تنسيق السياسات الاقتصادية الكلية وحماية سلاسل التوريد. وبالتالي، فإن حصار مضيق هرمز -وفقا لدونغ- هو أزمة عالمية تمسّ الجميع، وليس مجرد أداة موجهة ضد الصين بعينها.
في المقابل، تناولت "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" السؤال مباشرة في مقالها لتجمع بين التكهنات الغربية وتحليل الخبراء.
ويفيد تقرير الصحيفة بأن هناك من يرى في واشنطن أن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية يهدف إلى إجبار بكين على الضغط على طهران، من خلال تهديد النفط الإيراني المتجه إلى الصين بصفتها أكبر مشتري له، وهي فكرة تناقلتها صحف مثل لوس أنجلوس تايمز وبلومبيرغ.
كما ينقل التقرير عن هو شي جين -رئيس التحرير السابق لصحيفة "غلوبال تايمز" الصينية- قوله: إن الولايات المتحدة تعتزم استغلال هذه الفرصة للضغط على الصين لحث إيران على التوصل إلى اتفاق، مع أن هذا الإجراء ليس موجها ضد الصين تحديدا. بينما وصفت وزارة الخارجية الصينية الحصار بأنه إجراء "خطير" و"غير مسؤول"، ويهدد "بتقويض وقف إطلاق النار الهش أصلا".
غير أن معظم المحللين الذين أوردت الصحيفة آراءهم يشككون في أن الهدف الأساسي هو الصين؛ إذ يؤكد الباحث جيسي ماركس أن قرارات ترمب بشأن إيران "تتعلق بإيران نفسها"، وأن الرسالة الأساسية من الحصار هي إظهار قدرة الولايات المتحدة على شن ضربات عسكرية، وفي الوقت نفسه "هزيمة طهران في عقر دارها" عبر السيطرة على أهم ممر للطاقة في العالم، ومنع إيران من تسليح المضيق وتعويض الخسائر الناجمة عن ذلك.
ويحذر المحلل غاي بيرتون من المبالغة في تقدير نفوذ الصين على طهران، مذكرا بأن إيران "تقدّر علاقتها بالصين، لكنها حذرة من الاعتماد المفرط عليها"، وأن بكين "ليست في وضع يسمح لها بإجبار طهران على تغيير مسارها".
في السياق نفسه، رفضت القناة الإخبارية للتلفزيون المركزي الصيني الرواية التي تجعل طهران "لا تستمع إلا لبكين"، ووصفتها بأنها تبسيط مفرط ومحاولة لـ"إلقاء عبء الوساطة على الصين" ومحاولة تصنيفها "طرفا منحازا".
أما "هوانغ جينغ" -الأستاذ بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية- فيرى أن خطوة ترمب تعكس بحثه عن مخرج يحفظ ماء الوجه عبر دفع إيران إلى وقف إطلاق النار، مشيرا إلى أن النفط والغاز المصدَّرين عبر مضيق هرمز "ليسا عنصرين أساسيين في مزيج الطاقة الصيني" الذي يتسم بتنوع نسبي، مما يحد من قدرة واشنطن على خنق الصين عبر حصار المضيق.
وفي المحصلة، تكشف الصحافة الصينية عن إجابة مركبة لهذا التساؤل، إذ يُدرك صناع الرأي في بكين أن واشنطن قد تحاول الاستفادة من حصار مضيق هرمز للضغط على الصين عبر ملف النفط ومسؤوليتها في كبح طهران. لكنهم يعلمون أيضا أن هذا الضغط يبقى ثانويا أمام الهدف الأمريكي المباشر المتمثل في تقييد إيران، وإبراز التفوق البحري الأمريكي، وإعادة تشكيل توازن الردع في منطقة الخليج.
ومع ذلك، توحي وسائل الإعلام الصينية بأن تنوع مزيج الطاقة الصيني، ومحدودية نفوذ بكين على طهران، وحرص الصين على تجنب المواجهة البحرية المباشرة، تجعل من حصار مضيق هرمز ورقة ضغط غير حاسمة في تغيير سلوك بكين وإستراتيجيتها، حتى لو كان لها أثر رمزي وسياسي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة