تسعى حاليا أكثر من اثنتي عشرة دولة إلى تقييد وصول القاصرين إلى وسائل التواصل الاجتماعي ، من بينها نيوزيلندا وماليزيا وفرنسا وإسبانيا والنرويج وسلوفينيا والمملكة المتحدة، فيما تدرس ألمانيا اتخاذ خطوات مماثلة. وكانت أستراليا أول دولة في العالم تفرض حظرا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا، اعتبارًا من نهاية عام 2025، بينما بدأت إندونيسيا تطبيق قيود عمرية منذ نهاية مارس .
ويُشار دائما إلى أن الهدف من هذه الإجراءات هو حماية الأطفال والمراهقين . ويبدو ذلك منطقيا، إذ إن وقت استخدام الشاشات يمثل موضوعا مثيرا للجدل في العديد من العائلات، وغالبا ما يكون طويلا. ووفق دراسة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2025، يقضي ما لا يقل عن 50% من الشباب البالغين 15 عامًا في دول المنظمة ما لا يقل عن 30 ساعة أسبوعيًا أمام الأجهزة الرقمية .
ألمانيا، هامبورغ 2026 ، طلاب يحملون هواتف ذكية ويستخدمون تطبيق تيك توك أمام الفصل الدراسيصورة من: Marcus Brandt/dpa/picture allianceيبقى السؤال: هل ستكون القيود العمرية المخطط لها في العديد من الدول مجدية في الحد من العواقب السلبية المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي ؟
وتنظر الباحثة في مجال التعليم نينا كوليك إلى هذا النقاش أيضا بشيء من الشك. وتقول: "إلى جانب أن التجربة في أستراليا تُظهر أن فرض حد أدنى للسن ليس أمرا سهلا على الإطلاق، فإننا لا نحل بذلك المشكلات الخطيرة لوسائل التواصل الاجتماعي، بل نؤجل فقط سن الدخول إليها قليلا ".
وتتمثل هذه المشكلات، من ناحية، في الخوارزميات والوظائف المصممة مثل الرسائل الفورية والتمرير اللانهائي، التي تدفع المستخدمين إلى قضاء أكبر قدر ممكن من الوقت على المنصات، وتنطوي على إمكانية عالية للإدمان. ومن ناحية أخرى، يتعرض المستخدمون لمحتويات إشكالية، مثل تلك التي تمجّد العنف أو ذات الطابع الجنسي، وفقا لكوليك، الأستاذة في نظرية التربية والتنشئة الاجتماعية بجامعة بوتسدام .
في حين تتيح الوسائط الرقمية ل لأطفال والمراهقين فرصا للحصول على المعلومات واللعب والتواصل مع الآخرين، تشير دلائل، وفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى أن الاستخدام المفرط أو الإشكالي قد يخلّف عواقب سلبية. وتشمل هذه العواقب جوانب تتعلق بالصحة البدنية، مثل اضطرابات النوم وقلة النشاط، وأخرى تتعلق بالصحة العقلية، مثل انخفاض التفاعلات الاجتماعية المباشرة والاكتئاب أو التعرض للتنمر الإلكتروني .
ألمانيا، أوغسبورغ 2025 ، تلميذ يتعلم باستخدام جهاز لوحي في مدرسة بيشوف أولريش الثانويةصورة من: Matthias Balk/dpa/picture allianceومع ذلك، يوضح كريستيان مونتاغ أن تحديد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي بمعزل عن العوامل الأخرى ليس أمرا سهلا، إذ تتداخل عوامل بيئية ووراثية متعددة. لكن توجد أدلة قوية نسبيا على وجود علاقة بين الاستخدام المطول أو شبه الإدماني للهواتف الذكية وتراجع الأداء الدراسي، إضافة إلى ارتباطه بزيادة عدم الرضا عن صورة الجسد .
يقول مونتاغ، الذي يدرس في جامعة ماكاو في الصين، إن الأطفال والمراهقين معرضون بشكل خاص لهذه الآثار السلبية. ويوضح: "يستغرق نضج الدماغ البشري وقتا طويلا نسبيا. نفترض أن الأمر قد يستغرق حتى سن العشرين، وربما حتى منتصف العشرينات، حتى تنضج القشرة الجبهية الأمامية". ويضيف: "لذلك يجد القاصرون صعوبة أكبر في ضبط أنفسهم، ويصعب عليهم ترك الهاتف الذكي أكثر من البالغين ".
لكن حتى البالغين لا ينجحون دائمًا في ذلك، إذ يعاني كثير من الأشخاص فوق سن العشرين أو الخامسة والعشرين من العواقب نفسها. وهنا يبرز السؤال: هل يمكن أن يُحدث حظر وسائل التواصل الاجتماعي على المراهقين دون سن 14 أو 16 عاما فرقا كبيرا لهم وللمجتمع؟
وبحسب العديد من الخبراء، ينبغي أن تكون المناقشة أكثر شمولا. ويرى كثيرون أن القيود العمرية ليست سوى إجراء واحد ضمن مجموعة من الإجراءات الضرورية، فيما تصف كوليك هذا التوجه بأنه "نقاش زائف يصرف الانتباه عن الأدوات الفعّالة حقا ".
تقول الباحثة إن هناك تدابير فعالة أخرى منصوصا عليها بالفعل في قانون الخدمات الرقمية. ويُعد قانون الخدمات الرقمية مجموعة من القواعد على مستوى الاتحاد الأوروبي تنظم الخدمات الرقمية، وتلزم بالأساس المنصات الكبرى ومحركات البحث بتوفير حماية أكبر للمستخدمين . وبموجب ذلك، يتعين على منصات مثل تيك توك و إنستغرام تقييم المخاطر النظامية والحد منها، إضافة إلى التحلي بقدر أكبر من الشفافية بشأن خوارزمياتها .
صورة رمزية لطالبة نائمة على مكتبها في الليلصورة من: Thomas Trutschel/photothek/picture allianceوبحسب القانون نفسه، يجب على هذه المنصات أيضًا منح الباحثين المستقلين حق الوصول إلى بياناتها، حتى يتمكنوا من دراسة كيفية تأثير عناصر معينة على المستخدمين. ويشير عالم النفس مونتاغ إلى أن هذا كان يمثل تحديًا كبيرًا في السابق، قائلاً: "لقد أجرينا أبحاثًا لسنوات طويلة وأيدينا مقيدة. وعلى الرغم من تطبيق قانون الخدمات الرقمية، لا يزال الوصول غير كاف على الإطلاق ".
كما أن القانون لم يُنفذ حتى الآن بشكل فعال أو شامل في مجالات أخرى. ويشكل دونالد ترامب مشكلة أيضا حيث حاول مرارا تجنب فرض غرامات مالية على شركات التكنولوجيا الأمريكية من خلال التهديد بفرض رسوم جمركية في المقابل. وفي النهاية، يبقى قانون الخدمات الرقمية ساريا فقط داخل الدول الأوروبية .
في إطار مكافحة الآثار السلبية لـ وسائل التواصل الاجتماعي ، يمكن التفكير في إدخال تدرجات وتعديلات على عناصر التصميم الموجهة للمراهقين. ووفقا لمونتاغ، فإن مدة التمرير في النسخة الصينية من تيك توك، "دويين"، لا تتجاوز 40 دقيقة للأطفال دون سن 14 عاما، وبعدها لا تظهر أي محتويات جديدة. أما في منصة تيك توك، فهناك أيضا قيود زمنية، لكن يمكن التحايل عليها بسهولة أكبر. فبالنسبة لمن هم دون 13 عاما، يجب نظريا على ولي الأمر إدخال رمز بعد 60 دقيقة من الاستخدام. ابتداء من سن 13 عاما، يتعين على المراهقين إدخال رمز يحددونه بأنفسهم لمواصلة المشاهدة .
وبالطبع، لا تنجح هذه الآليات إلا إذا لم ينتحل المستخدمون صفة أشخاص أكبر سنا. لكن يبدو أن هذا يحدث كثيرا، إذ يعتمد إنشاء الحساب غالبًا على سؤال بسيط حول تاريخ الميلاد، ما يجعل تجاوز القيود أمرا شائعا حتى الآن .
لكن في الواقع، يرى مونتاغ أنه يجب بناء المنصات بطريقة مختلفة جذريا، ليس فقط للقاصرين، بل أيضا للبالغين. ويقول: "هل نموذج الأعمال القائم على البيانات، الذي يتجسس على المستخدمين ويزيد وقت استخدام الإنترنت إلى أقصى حد، غير صحي في حد ذاته؟ نعم. في الحقيقة لست بحاجة إلى انتظار دراسات حول المشكلات النفسية ".
صورة رمزية لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عاما صورة من: Wolfgang Maria Weber/picture allianceوإلى جانب النقاشات حول قيود السن والتدابير الرامية إلى تعزيز الكفاءة الإعلامية للمجتمع ككل، يجب قبل كل شيء ممارسة ضغط أكبر على مزودي المنصات وفرض تنظيم صارم عليهم. ويضيف مونتاغ: "لكن وسائل التواصل الاجتماعي التي تعمل بطريقة مختلفة تعني أيضا أنه يجب تمويلها بطريقة مختلفة. فإذا لم يكن ذلك عبر البيانات، فربما عبر نموذج الاشتراك". ويتابع: "وعندما لا تُصمم المنصات بحيث تبقي المستخدمين أمام الشاشة لأطول فترة ممكنة، فإنها تصبح أيضا أكثر مللا ".
صورة رمزية لطالبة نائمة على مكتبها في الليلصورة من: Thomas Trutschel/photothek/picture allianceأعده للعربية: م.أ.م
تحرير: طارق أنكاي
المصدر:
DW