في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
جنوب لبنان- في هذا العام، لا يشبه عيد الفصح ما سبقه من أعياد. فبين الجنوب وبيروت والبقاع والجبل، يتوزع اللبنانيون على جغرافيا مثقلة بالقصف والخوف، حيث تختلط طقوس العيد بأصوات الطائرات والانفجارات، في مشهد يعكس واقعا استثنائيا يعيشه بلد يرزح تحت وطأة واحدة من أقسى مراحله.
في القرى المسيحية الجنوبية، حيث اختار بعض الأهالي البقاء رغم المخاطر، تتجلى المفارقة بوضوح: كنائس تفتح أبوابها للصلاة، وبيوت لا تزال تحضر كعك العيد، لكنْ بقلوب مثقلة وعيون تترقب كل طارئ. هنا، لا يغيب العيد تماما، لكنه يأتي محاطا بالقلق والحذر.
تقول سناء إسبر، من بلدة راشيا الفخار، إن عيد هذا العام "حزين بكل معنى الكلمة"، مشيرة إلى أن كثيرين لم يتمكنوا من الوصول إلى قراهم بسبب الطرقات المقطوعة أو المخاطر الأمنية، فغابت الوجوه التي كانت تملأ الساحات والبيوت في مثل هذه الأيام.
وتضيف إسبر للجزيرة نت "كنا نتمنى أن يكون العيد مناسبة يجتمع فيها الناس بأمان، لكنّ الواقع فرض علينا شيئا مختلفا".
وترى إسبر أن ما يعيشه اللبنانيون اليوم يتقاطع مع رمزية المناسبة، قائلة "هذا يوم آلام السيد المسيح، وكل العالم يتألم، لكنْ نحن في لبنان نتألم أكثر بسبب الحروب التي فرضت علينا، ومع ذلك نبقى أبناء الرجاء والسلام".
في راشيا الفخار، حيث تقف كنيسة القديس جورجيوس شاهدة على حروب سابقة، يعود المشهد اليوم بصورة مختلفة، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والقلق الذي يخيّم على المنطقة.
ومع ذلك، لا تغيب الصلاة، إذ يؤكد المطران الياس كفوري للجزيرة نت أن العيد يمر "بحزن كبير"، لكنه يحمل في طياته أيضا تمسكا بالأمل.
ويقول "نتوكل على الله، ونصلي من أجل السلام، ومن أجل أن تتوقف الحرب"، لافتا إلى أن بعض الأهالي ما زالوا متمسكين بالبقاء في بلدتهم رغم قساوة الظروف. بالنسبة لهم، لا تمثل الكنيسة مكانا للعبادة فقط، بل ملجأ يلوذون به، كما في محطات سابقة من تاريخ المنطقة.
ويعبر المطران عن أمله بوقف فوري لإطلاق النار، متسائلا بحسرة: "لماذا لبنان يتدمر بحجة أن هناك مسلحين؟ فليس كل الشعب مسلحا". ويضيف: "لن نستسلم، نحن أصحاب هذه الأرض، ومن حقنا أن نعيش فيها بكرامة"، في تأكيد على تمسك الأهالي بأرضهم رغم كل التحديات.
على مستوى البلدة، يبدو التحول واضحا بين أعياد الأمس واليوم. يختصر رئيس بلدية راشيا الفخار بيار عطالله المشهد بقوله "بأي حال عدت يا عيد؟". ففي السنوات الماضية، كانت البلدة تعج بأبنائها القادمين من مختلف المناطق، إلى جانب الزوار والأصدقاء، أما اليوم فالحضور محدود، والأجواء هادئة على غير العادة.
ويقول عطالله للجزيرة نت "الأمنيات بسيطة، نتمنى أن تتحسن الظروف ويعم الهدوء، ونعود لنحتفل كلبنانيين بأعيادنا". ويؤكد أن معنى العيد لا يكتمل إلا بعودة الاستقرار، وعيش الناس بسلام في منطقة أنهكتها الأزمات.
ورغم كل ذلك، لا تغيب بعض تفاصيل العيد؛ ففي البيوت ما زالت تحضر الحلويات التقليدية، ويتبادل الناس التهاني، لكنْ "بغصّة" تلازم هذه اللحظات.
من جهته، يلاحظ الشاب كليم جبران، الذي قدم من بيروت لقضاء العيد في بلدته، الفرق بوضوح، قائلا إن "العيد السنة الماضية كان أفضل بكثير"، مستعيدا ذكريات الأعياد التي كانت تعيد الحياة إلى القرية. أما اليوم، فالأجواء مختلفة، يسودها هدوء حذر لا يعكس صورة العيد المعتادة.
ومع ذلك، يرى جبران أن هذه الظروف أظهرت جانبا آخر من العلاقات بين الناس، إذ يقول "الناس قربت من بعضها أكثر… يمكن لأن الخوف جمعنا". ويضيف أن عيد القيامة هذا العام يحمل معنى مضاعفا، باعتباره "عيد التسامح والسلام"، وهو ما يحتاجه اللبنانيون اليوم أكثر من أي وقت مضى.
أما إيلي، أحد أبناء البلدة، فيستعيد بدوره مشهد الأعياد السابقة التي كانت تعج بالمغتربين القادمين من بيروت وخارج لبنان، مشيرا إلى أن كثيرين لم يتمكنوا هذا العام من الحضور، فيما تردد آخرون بسبب الأوضاع الأمنية. ويقول "العيد هادئ أكثر بكثير من المعتاد"، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن من بقي يحاول الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه: "ليست كما قبل، لكن هناك محاولة للاستمرار".
بين الحزن والإصرار، يمر عيد الفصح هذا العام في جنوب لبنان. لا تملأ الاحتفالات الشوارع كما في السابق، ولا ازدحام في الساحات، لكنْ ثمة ما هو أعمق من ذلك وهو رغبة في البقاء، وتمسك بالحياة، ولو في حدها الأدنى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة