آخر الأخبار

الحياة في الزنزانة الإسرائيلية.. يرويها القصّر فارس وسعدي ومحمود

شارك

حين فُتحت أبواب السجون لهؤلاء الأسرى القاصرين، عادوا إلى غزة بأجساد نجت من الأسر، وأرواح مثقلة بالخوف والاضطراب. بعضهم عاد إلى بيت مهدّم يحاول أن يستعيد داخله معنى الأمان، وبعضهم احتمى من أثر السجن بمشروع صغير، في حين بقي آخرون عالقين في خوف لا يهدأ حتى بعد الحرية.

هذا التقرير يتتبع تجربة وحياة 3 أسرى قاصرين اعتقلتهم قوات الاحتلال ونالوا الحرية، ليكشف كيف يمتد الأسر إلى ما بعد الإفراج، وكيف تبدأ مع الحرية معركة أخرى، أشد خفاءً وأطول وجعًا.

وبحسب معطيات مؤسسات الأسرى يعتقل الاحتلال أكثر من 9500 أسير فلسطيني، بينهم نحو 350 طفلًا، بينما استشهد طفلان من بين 89 أسيرًا استشهدوا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

من مرافقة مريض إلى السجن

دخلنا إلى رقعة مأهولة على حافة الخطر في مخيم جباليا، قرب مواقع تتمركز فيها قوات الاحتلال، حيث يواصل الناس السكن في مساحة لا تكاد تصلح أصلًا لأن تُسمّى بيتًا.

هنا تعيش أسرة محمود أبو وردة (16 عامًا) تحت سقف يهبط عليه الدمار من كل جانب، وبين كتل إسمنتية هائلة متكسّرة، هذا بيتهم الذي بقوا متمسكين به؛ يحبونه رغم الخراب، ويريدونه رغم قسوته.

خرج محمود قبل حرب الإبادة، في رحلة علاج بصفته مرافقًا لابن عمه في محافظة جنين بالضفة الغربية المحتلة. وفي ساحة مستشفى جنين الحكومي، بينما كان يحتسي مشروبًا ساخنًا، انقلبت اللحظة القصيرة إلى بداية اعتقال مباغت في 11 يناير/كانون الثاني 2026.

مصدر الصورة محمود يقول إنه عاد للحياة من جديد ولو كان مأواه خيمة (الجزيرة)

تجربة تتجاوز العمر

حاصره الجنود وكبّلوه، ثم انهالوا عليه بالأسئلة: لماذا أنت هنا؟ كم عمرك؟ ما اسمك؟ ومن أين أنت؟ وحين قال إنه من جباليا في قطاع غزة، واجهوه بالشتائم والتهديد، قبل أن تنطفئ الرؤية في عينيه ويُساق إلى المجهول.

اقتيد الفتى القاصر إلى زنزانة ضمت 5 أسرى فلسطينيين، كان المكان ضيقًا، موحشًا، ومثقَلًا بصمت قسري، حتى بدا الحديث بين الأسرى أمرًا محرّمًا.

إعلان

هناك، تداخل البرد مع العتمة، وصارت الساعات بطيئة وثقيلة، فيما كان محمود يواجه تجربة تتجاوز سنّه الصغيرة، وتضعه وجهًا لوجه أمام الخوف والإذلال والعزلة.

ويستعيد محمود الساعات الأخيرة قبل الإفراج عنه بوصفها من أشد ما مرّ عليه. عند الثامنة صباحًا، اقتحموا زنزانته واقتادوه إلى التحقيق، ولم يعيدوه إلا عند التاسعة والنصف ليلًا.

مصدر الصورة الأسير المحرر محمود يصنع غداء يوم الجمعة بصحبة أهله (الجزيرة)

ضرب فترويع فتهديد بالإعدام

وفي الليلة التالية، عند الثانية بعد منتصف الليل، أيقظوه من نومه، وانهالوا عليه ضربًا كلما سأل عن الجهة التي يُنقل إليها، ثم أُدخل إلى غرفة شديدة البرد والظلام مع تهديده بالإعدام، وبقي فيها 5 ساعات تحت هواء بارد مسلّط عليه حتى السابعة صباحًا.

وفي الأول من إبريل/نيسان 2026، جاءت لحظة الإفراج، قيّدوا يديه وقدميه، وأجبروه على التوقيع على ورقة، ثم نقلوه في سيارة أحاط به فيها 5 جنود، وألقوه عند معبر كرم أبو سالم، تحت تهديد مباشر بأن يختفي من الطريق خلال ثوان، في حين بدأ أحد الجنود العد بصوت عال: واحد.. اثنان.. ركض محمود مذعورًا، بلا وعي تقريبًا، حتى عثر على سيارة خاصة بالصليب الأحمر.

في غزة، كانت والدته أُلفت تعيش أياما من القلق الساحق، لم تكن تعرف مكان ابنها القاصر ولا مصيره، قبل أن تعلم بعد أربعة أيام أنه أسير، ثم تتلقى خبرا بوجوده في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح.

وجاء ذلك كله في أجواء مثقلة بالخوف بعد إقرار قانون الإعدام، فصار هاجس الفقد أكثر حضورا في قلب العائلة؛ لذلك بدا الإفراج عن محمود أشبه بانتشال لفتى من مصير ثقيل، وبانفراجة واسعة لبيت أنهكه الانتظار.

ومنذ عودته، تحاول العائلة أن تضمه إليها في كل تفصيل يومي، خاصة بعد مواجهته خبر قرار الإعدام؛ حتى بدأ محمود يستعيد على مهل قدرته على الاستيعاب والحديث.

من رعب المطاردة إلى وحشة الزنزانة

وإذا كان محمود قد خرج بخوف بقي يطارده داخل البيت خاصة مع استذكار تهديديات الإعدام، فإن سعدي حسنين خرج بخوف من البيت نفسه.

لم تكن الصدمة الأولى التي واجهها سعدي (15 عامًا) داخل السجن، بل سبقته إليه في الطريق. كان واحدًا من 4 أشخاص خرجوا في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2025 لإحضار بعض الأغراض من منزلهم في حي التفاح شرقي مدينة غزة، لكن رحلة العودة انقلبت إلى مطاردة وموت.

تمكن من سبقه من الفرار، فيما بقي هو وصديقه محاصرين بمسيّرة إسرائيلية من نوع " كواد كابتر"، مختبئًا خلف التلال الرملية قبل أن تصيب رفيقه مباشرة في عينه وترديه شهيدًا أمامه.

عند تلك اللحظة، وجد الفتى نفسه وجهًا لوجه أمام أول جرح نفسي غائر، وهو يرى الموت يسبق الأسر بثوان.

يقول سعدي: "اقتربت القوات مني وكنت في ذروة الرعب، حتى إني رددت الشهادتين، ثم أجبروني على خلع ملابسي كاملة، وعصبوا عينيّ وقيدوني بعد استجوابي عن عمري".

أكثر ما يقهر في السجن

ومنذ تلك اللحظة، انتقل من صدمة المشهد الأول إلى قسوة الاحتجاز، حيث أُغلق عليه باب الزنزانة في سجن سدي تيمان، وسط ظلام ووحشة وخوف من زمن مفتوح على المجهول.

ومنذ الإفراج عنه في 25 ديسمبر/كانون الأول 2025، لم يعرف سعدي معنى الاستقرار، ويتنقل بين أماكن وجود أفراد عائلته، فلا مكان ثابتًا له، ولا بيتًا يقضي فيه أيامه على نحو منتظم. وحين سألته الجزيرة نت عن سبب هذا التشتت الجغرافي، أجاب بأنه بات يخاف الاستقرار في مكان واحد، بعدما أمضى جزءًا من طفولته متنقلًا بين السجون.

إعلان

ويقول إن أكثر ما كان يضاعف قهره داخل السجن وجود مجندات في مثل عمره تقريبًا يوجهن إليه الشتائم والضرب، مضيفًا: "لم تكن المسألة، في نظري، مجرد إساءة عابرة، بل جرحًا مضاعفًا لكرامتي فيما أقف عاجزًا حتى عن ردها".

حرية إلى خيمة ومشروع نجاة

أما فارس أبو جبل (16 عاما) فاعتقل في 13 أغسطس/آب 2025 وخرج من سجون الاحتلال في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2025 مثقلًا بأثر نفسي قاس، وقد تحرر مع والده في اليوم نفسه، فيما احتُجز شقيقه الأصغر، البالغ 13 عامًا، 4 ساعات لدى قوات الاحتلال.

ويعيش اليوم مع أسرته في خيمة، حيث حاول أن يحوّل اتفاقا وُلد داخل السجن مع صديق له على تنفيذ مشروع بعد الحرية إلى واقع فعلي.

بدأ فارس مع والديه وإخوته مشروعًا صغيرًا لصناعة الإسمنت محليًا، فصار مصدر الإعالة الرئيسي للعائلة، وملاذًا شخصيًا له في مواجهة ما خلّفه الأسر من اضطراب نفسي.

مصدر الصورة فارس ينتقل إلى الأشغال الشاقة بعد تحرره لإعالة أسرته (الجزيرة)

ملف خطير

ويرى مدير جمعية "واعد للأسرى" عبد الله قنديل أن ما يعيشه الأسرى القاصرون المحررون هو ملف شديد الخصوصية والخطورة، لأنهم خرجوا من السجون مثقلين بصدمة وتعذيب وقهر نفسي في سن مبكرة، ثم عادوا إلى واقع يفتقر إلى المدارس والحاضنات الاجتماعية ومراكز الدعم النفسي.

ويضيف أن الشهادات التي استمعت إليها الجمعية أظهرت نمطًا واضحًا من التعنيف والإهانة استهدف هذه الفئة تحديدًا، في حين تقف المؤسسات في غزة، وسط الدمار وشح الإمكانات، عاجزة عن تقديم استجابة توازي خطورة الملف.

في غزة، لا تنتهي حكاية الأسير القاصر عند لحظة الإفراج، يخرج من الزنزانة، لكن الزنزانة لا تخرج منه بالسهولة نفسها، تبقى في خوفه من المكان، وفي ارتباك حديثه، وفي محاولاته الشاقة لاستعادة ما انكسر من طفولته.

وهكذا، تخوض العائلات مع أبنائها معركة يومية صامتة، لا لتحرير أجسادهم فحسب، بل لترميم أرواح نجت بأجسادها فقط.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا