في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
وصفت صحيفة نيويورك تايمز في مقال لمدير مكتبها في برلين، جيم تانكرسلي، التناقض اللافت في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والمسؤولين الإيرانيين بأنه يوحي بتباين كبير في الحسابات السياسية لدى الطرفين.
ووفق الكاتب، فإن ترمب "لا يكف عن الحديث عن مدى تقدم إدارته في التفاوض لإنهاء الحرب"، حيث صرح يوم الاثنين بأن واشنطن وطهران تجريان "مناقشات جيدة"، ومضيفا في نبرة تفاؤلية أن الإيرانيين "يريدون السلام".
ويرى تانكرسلي أن دوافع ترمب تتجاوز الرغبة في التهدئة العسكرية إلى حسابات سياسية داخلية محضة، حيث يخشى الرئيس من رد فعل شعبي عنيف قد يكلف حزبه الجمهوري السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، خاصة مع تحول الصراع إلى "نقطة اختناق لإمدادات النفط العالمية"، مما أدى لارتفاع جنوني في أسعار البنزين.
وترى الصحيفة أن إستراتيجية ترمب القائمة على تكرار الحديث عن المفاوضات تهدف إلى "رفع الآمال بأن الحرب قد تنتهي قريبا"، وهو ما انعكس بالفعل في تراجع أسعار النفط عالميا بنسبة تزيد عن 10% وهدوء نسبي في الأسواق.
في تقدير المحللين أن ترمب ربما يسعى لشراء الوقت لغايات سياسية وعسكرية، بانتظار وصول المزيد من العتاد العسكري إلى المنطقة، في حين تواصل طهران اتباع إستراتيجية مناقضة تقوم على الإنكار المطلق لأي تواصل.
ويصف تانكرسلي إستراتيجية إيران هذه بأنها "محاولة تضليل ترمب" أو إحراجه على الملأ، حيث تهدف طهران من وراء ذلك لإبقاء أسعار النفط مرتفعة كأحد أسلحتها الأخيرة المتبقية لفرض شروط أفضل لإنهاء الحرب.
ورغم هذا التناقض العلني في الروايات، تشير الصحيفة إلى أن "هناك بالفعل مستويات من المحادثات الجارية، على الأقل عبر قنوات غير مباشرة. فلماذا لا ترغب إيران في الإقرار بها؟".
في تقدير المحللين أن ترمب ربما يسعى لشراء الوقت لغايات سياسية وعسكرية، بانتظار وصول المزيد من العتاد العسكري إلى المنطقة
من جانبها، تقدم صحيفة وول ستريت جورنال قراءة أكثر تفصيلا لمسار محتمل، وإن كان "ضيقا"، للتوصل لاتفاق دبلوماسي، يسعى إلى تحقيقه وسطاء من تركيا ومصر وباكستان.
وفي نظر الكاتب لورانس نورمان في مقاله بالصحيفة، فالمرونة التي يبديها ترمب وحلفاؤه السياسيون تقابلها مواقف إيرانية معلنة تتسم بالتشدد، حيث نفى وزير الخارجية عباس عراقجي وجود أي نية للتفاوض، رغم تأكيد الوسطاء العرب بأن طهران أبدت انفتاحا أكبر في الغرف المغلقة.
ومع ذلك، تظل الفجوة بين مطالب الطرفين هائلة؛ فإيران تشترط الآن الحصول على تعويضات عن أضرار الحرب وإغلاق القواعد الأمريكية الإقليمية، وهي مطالب وصفها نورمان بأنها "غير قابلة للنقاش" بالنسبة لواشنطن.
كما تسعى طهران لفرض رسوم على الشحن الدولي مقابل حق عبور مضيق هرمز. وفي المقابل، تصر الولايات المتحدة على تخلي إيران الكامل عن تخصيب اليورانيوم وضمان حرية الملاحة ووضع قيود صارمة على برامج الصواريخ والمليشيات الإقليمية.
تسعى طهران لفرض رسوم على الشحن الدولي مقابل حق عبور مضيق هرمز
وتنقل وول ستريت جورنال عن مايكل سينغ، المدير السابق لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي، قوله إن المخرج قد يكون عبر "وقف إطلاق نار بسيط يسبق مفاوضات لاحقة تعالج الأجندة الكاملة"، محذرا، في الوقت نفسه، من أن الإصرار على تحقيق كافة الأهداف في هذه المرحلة قد يجهض أي فرصة للسلام.
كما أشار سفير الولايات المتحدة السابق لدى إسرائيل، دانيال شابيرو، للصحيفة ذاتها إلى أن "الحروب تميل إلى أن تنتهي بشكل فوضوي"، وأن الألم الناتج عن الصراع قد يدفع الطرفين في النهاية للقبول بـ"ترتيب جزئي غامض" يوقف القتال دون حسم الملفات الكبرى.
على الجانب الآخر من المشهد، وتحديدا من واشنطن، يرى الكاتب سايمون ماركس في مقال نشرته صحيفة "آي بيبر" البريطانية، أن ترمب بدأ يفقد السيطرة على زمام الأمور لصالح إيران التي نجحت في "فرض سيطرتها على الرواية وانتزعتها منه"، ومن ثم، إحراجه.
وأشار ماركس إلى أن طهران تتهم واشنطن علنا بأنها "تتفاوض مع نفسها"، بينما تسخر من "التفسيرات المتغيرة باستمرار" للموقف الأمريكي.
ونقل المقال عن المتحدث العسكري الإيراني إبراهيم ذو الفقاري قوله بلهجة اتسمت بالسخرية من تقلب مواقف ترمب: "شخص مثلنا لن يتفق أبدا مع شخص مثلك. ليس الآن، ولا في أي وقت". كما نفى قاليباف وجود أي مفاوضات، محذرا من أن بلاده "تراقب عن كثب جميع التحركات الأمريكية في المنطقة".
واعتبر ماركس أن هذه التصريحات "زادت من حدة الازدراء" لادعاءات ترمب بوجود عملية تفاوض جارية مع "شخصية رفيعة" في إيران، يعتقد الكثيرون أنها قاليباف، الذي خرج بدوره لينفي ذلك مطالبا واشنطن بعدم "اختبار عزمنا على الدفاع عن أرضنا".
ويكشف مقال آي بيبر عن تفاصيل إضافية حول "خطة السلام المكونة من 15 نقطة" التي قدمتها واشنطن عبر باكستان، والتي يبدو أنها قوبلت برفض إيراني قاطع، ليس فقط بسبب بنودها، بل بسبب هوية الوسطاء.
وأوضحت الصحيفة أن طهران ترفض التعامل مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مبعوثي الرئيس الأمريكي، واصفة إياهما بـ "الخونة" لدورهما في عمليات عسكرية سابقة ضد منشآتها النووية.
ويستبعد ماركس أن يرضى ترمب بمثل هذه المطالب، خاصة في الوقت الذي يُفترض فيه أنه يحقق انتصارا في حربه، ولكنْ على المدى القريب، يغلب الظن أنه لا يملك الكثير ليفعله حيال ذلك.
ويلفت ماركس الانتباه إلى تناقض صارخ في ادعاءات ترمب العسكرية، فبينما يروج الرئيس لـ"محو" القدرة النووية الإيرانية تماما في 25 يوليو/تموز الماضي، تدعو خطته الحالية إلى "تدمير منشآت نطنز وأصفهان وفوردو"، مما يوحي بأن تلك المنشآت لا تزال تعمل وتمثل تهديدا قائما.
بينما يواجه ترمب ضغوطا للقضاء على التهديد العسكري الإيراني نهائيا، يجد نفسه مضطرا للتعامل مع واقع ميداني أثبت أن طهران لا تزال قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وإطلاق تهديدات مدمرة
إن المشهد الحالي، كما تُصوره الصحف الثلاث، يعكس مأزقا معقدا يتداخل فيه العسكري بالسياسي والشخصي.
فبينما يواجه ترمب ضغوطا لـ"إنهاء المهمة" والقضاء على التهديد العسكري الإيراني نهائيا، يجد نفسه مضطرا للتعامل مع واقع ميداني أثبت أن طهران لا تزال قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وإطلاق تهديدات مدمرة.
ويختتم ماركس مقاله بالإشارة إلى فيديو دعائي إيراني يظهر نسخة ذكاء اصطناعي للمرشد الأعلى الراحل على خامنئي وهو يشاهد صاروخا يصيب تمثال الحرية، تحت شعار "انتقام واحد للجميع"، في إشارة واضحة إلى أن طهران لا تنوي السماح لترمب بالتحكم في الخاتمة أو الرواية النهائية لهذا الصراع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة