في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بزيه الملطخ بالطلاء يحاول الفتى النيجيري جونيور بريدا العامل بحرفة الدهان، البقاء متواريا عن الدوريات الأمنية في حي "البحر الأزرق" بضاحية المرسى التي تبعد نحو 20 كيلومترا عن وسط العاصمة تونس .
اشتهر الحي الشعبي بتركز لافت للمهاجرين المنحدرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث يعمل أغلبهم في الأعمال التجارية البسيطة في السوق أو في أعمال حرفية أخرى تفتقد اليد العاملة مثل البناء والدهان والحدادة وورشات الميكانيكي.
وعلى الرغم من اندماج عدد كبير من المهاجرين في الحلقة الاقتصادية بالحي، فإنهم باتوا مهددين أكثر من أي وقت مضى بالترحيل الى بلدانهن أو البقاء بلا أفق واضح، والسبب في ذلك أن البرلمان التونسي يستعد لمناقشة مقترح لتعديل قانون الجنسية يتجه في ظاهره لتسوية أوضاع المقيمين أو حديثي الولادة غير الحاصلين على جنسية البلاد، لكنه في نفس الوقت ينطوي على قيود جديدة تهدف الى مواجهة تدفقات الهجرة غير النظامية وتأثيرها المزعوم على الخارطة الديموغرافية للبلاد على المدى المتوسط.
كان جونيور قد أكمل مناوبته للتو عندما التقته DW عربية. لم تكن له تفاصيل كاملة عن القانون المقترح في البرلمان لكنه يعتقد أن هذا الحق في امتلاك الجنسية سيكون فاقدا لمعناه إذا كان مصير الرضيع أو الطفل هو الملجأ بينما الأم في السجن بدعوى عدم امتلاكها للإقامة أو لدخولها الأراضي التونسية بطريقة غير نظامية. وهنا تبرز المعضلة الأساسية وفق جونيور.
فهو يتشارك مع آلاف المهاجرين في عدم امتلاكهم وثائق تثبت إقامتهم بشكل قانوني في تونس، وإذا ما قرروا التوجه الى السلطات لطلب تسوية أوضاعهم فإنهم سيواجهون خطر الإيقاف وربما الترحيل، وهذا الوضع يجعل الجميع داخل حلقة مفرغة.
ومع أن هدف أغلب المهاجرين في حي "البحر الأزرق"، ومنهم جونيور، هو العبور الى السواحل الإيطالية القريبة ، إلا أن الفتى النيجيري لا يخفي رغبته في البقاء بتونس إذا ما نجح بطريقة ما في تسوية إقامته بشكل قانوني. لكن الأمر لن يكون بالسهولة التي يتوقعها.
طرح 16 نائبا في البرلمان بالفعل مقترح لتعديل قانون الجنسية، وهي خطوة اعتبرت استباقية تحسبا لزيادات في مواليد المهاجرين المنحدرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث أثارت النائبة سيرين مرابط أسئلة بشأن أعداد المواليد الجدد للمهاجرين غير النظاميين في الوقت الذي حذرت فيه النائبة منال بديدة بشكل صريح من "خطر اختلال التركيبة الديموغرافية " إذا لم يتم تشديد شروط التجنيس.
وسواء كان هذا التحذير ضربا من المبالغة أم لا فإن مقترح التعديل للقانون يتضمن رغبة مشتركة لدى النواب المبادرين، بقطع الطريق أمام الآلاف من الوافدين وأبنائهم للحصول على الجنسية التونسية.
وفي شرحهم لأسباب التعديل في الوثيقة المرفقة بالمقترح، يربط النواب هذه الخطوة بـ"ممارسة الدولة لسيادتها على أرضها وبتفادي كل تهديد للأمن والسلم الاجتماعيين والحفاظ على التوازن الديموغرافي للبلاد".
ووفق النائب في البرلمان وأحد المقترحين للقانون عبد الرزاق عويدات، فإنه لن يكون متاحا منح الجنسية بطريق التجنيس إلا لمن دخل تونس بصفة قانونية وأقام فيها إقامة اعتيادية لمدة سبع سنوات متتالية قبل تقديم مطلبه، مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها قانونا، وهي التي تشمل أصحاب الكفاءات المتميزة والتخصصات النادرة التي يمكن أن تستفيد منها تونس أو أولئك الذين قدموا خدمات جليلة للبلاد وساهموا في إشعاعها.
يضطر المهاجرون غير النظامين في تونس للعمل في مهن بسيطة ورخيصة بالكاد تسد رمقهم بصورة من: Tarek Guizaniوتشمل باقي التعديلات التي اطلعت عليها DW عربية، بالخصوص إتاحة الجنسية لكل مولود من أبوين عديمي الجنسية ومقيمين بتونس لمدة لا تقل عن عشر سنوات، أو المولود بتونس من أبوين مجهولين أو الذي يعثر عليه حديث الولادة حتى إثبات ما يخالف ذلك.
رغم ربطها باالحفاظ على الأمن القومي، لا ينظر رئيس "جمعية الأرض للجميع" عماد سلطاني في حديثه مع DW عربية، الى مقترح التعديل لقانون الجنسية، سوى أنه "شعبويا وتعبيرا عنصريا" يتعارض مع مضامين القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني و حقوق الإنسان التي تتيح من حيث المبدأ الحق لكل شخص التنقل بحرية والعيش في أي مكان وفق ضوابط قانونية، حسب سلطاني.
كما يستبعد رئيس الجمعية حدوث تحولات ديموغرافية محتملة، بدليل أن العديد من المدن الأوروبية حققت تطورا بفضل الهجرة والتنوع الديموغرافي.
بالنسبة لسلطاني، وهو ما يتردد أيضا لدى منظمات حقوقية أخرى، فإن الأخطر من ترسيخ "فزاعة الاستيطان" الأجنبي، هو دفع تونس الى لعب دور محوري في مراقبة الحدود المتقدمة للاتحاد الأوروبي وتحمل المسؤولية لوحدها في كبح التدفقات نحو السواحل الأوروبية.
وبينما تثار شكوك حول مدى فاعلية القانون بتعديلاته الجديدة، في الحد من الهجرة غير النظامية وتأثيراتها على البلاد بشكل عام، يرى سلطاني أنه سيكون من الصعب ردع أشخاص قطعوا الصحراء والبحر بحثا عن فرص أفضل للحياة عبر التشريعات وحدها، ما لم يتم تغيير "السياسات الاستعمارية الغربية" في دول المنشأ واحترام كرامة المهاجرين وحفظ حقوقهم.
يرى الحقوقي سلطاني أنه سيكون من الصعب ردع أشخاص قطعوا الصحراء والبحر بحثا عن فرص أفضل للحياة عبر التشريعات وحدها (أرشيف)صورة من: Ferhi Belaid/AFP/Getty Imagesوفي انتظار ما سيقرره البرلمان بشأن التعديلات، لا ترى المهاجرة الوافدة من الكوت ديفوار ناعومي بيبليك البالغة من العمر 58 عاما، أي أفق واضح لمستقبلها في تونس بعد استنزاف الكثير من سنوات عمرها دون أن تتمكن من تسوية وضع إقامتها في تونس منذ قدومها إليها عام 2016 أو العبور الى السواحل الأوروبية.
تقضي ناعومي اليوم عدة ساعات لبيع البهارات على عربة في السوق بحي "البحر الأزرق". وبالكاد يمكنها دخلها من تسديد إيجار غرفتها وتلبية احتياجاتها الغذائية. وفي حديثها مع DW عربية علقت بشكل يائس: "لقت تعبت ولست مهتمة بالجنسية. أريد أن أعود الى أبنائي في الكوت ديفوار".
وبجانب تشديد شروط التجنيس، تتطلع السلطات التونسية زيادة أعداد المرحلين طوعا للمهاجرين غير النظاميين بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة ضمن "برنامج العودة وإعادة الإدماج" الذي يموله الاتحاد الأوروبي وفرنسا وإيطاليا والنمسا وهولندا والتشيك والمملكة المتحدة.
وفي عام 2025 جرى ترحيل 8853 مهاجرا الى بلدانهم بزيادة بنسبة 28 بالمئة عن أعداد المرحلين في 2024.
تحرير: ع.ج.م
المصدر:
DW