آخر الأخبار

التاريخ الشعبي لـ "معجزات" إسرائيل الاستخباراتية في إيران

شارك

"تنفس صباح طهران مودعا أقصر شهر في العام، ومبتدئا لزمن حرب لم يعرف منشئوها كم تطول".

صباح السبت 28 فبراير/شباط الذي بدا واحدا من صباحات العاصمة المألوفة: الدوائر الحكومية تستقبل أول أيام العمل، والموظفون يعودون إلى مكاتبهم كما يفعلون كل أسبوع. قبيل الساعة العاشرة صباحا، حين يصل الموظف المتأخر عادة ويبدأ الملتزم بالتثاؤب، انطلقت قذائف صاروخية دقيقة إلى مقر المرشد علي خامنئي الذي كان يعقد اجتماعا مع كبار قادته. أدى القصف إلى مقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية عن عمر ناهز 86 عاما.

الرواية الإسرائيلية التي نقلتها صحيفة فاينانشال تايمز (Financial Times) البريطانية تحدثت عن سنوات من المراقبة السرية، واختراق لشبكة كاميرات المرور حول مجمع المرشد، وتحليل دقيق لشبكات العلاقات داخل الدولة، ومصادر بشرية تثبت المعلومة قبل ساعة الصفر. لكن ما إن يبتعد المرء قليلا عن هذا المشهد المشغول بعناية، حتى يطل سؤال بسيط: أين يفترض أن يكون المسؤول في أول أيام العمل من الأسبوع؟ أليس في مكتبه؟

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 قتيلان في إسرائيل إثر هجومين صاروخيين من إيران
* list 2 of 2 مسؤول إيراني للجزيرة: هذه شروطنا لوقف الحرب وفتح مضيق هرمز end of list

هنا تبرز المفارقة التي تعرفها أجهزة الاستخبارات أكثر من غيرها. فما يعرض لاحقا بوصفه ثمرة لعمليات معقدة واختراقات مذهلة، قد يكون في أساسه مبنيا على معرفة بديهية لا تحتاج إلى كل هذا التعقيد. بيد أن كل عمل عسكري يحتاج إلى هالة من الإبهار، لأن أثر العملية لا يقتصر على نتائجها المباشرة، بل يمتد إلى ما تطبعه في النفوس من الهيبة والإكبار. يخبرنا ذلك ببساطة أن سردية القوة ليست بالضرورة انعكاسا لواقع القوة نفسها.

مصدر الصورة نجاحات الموساد وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تكمن في الثغرات التي يفتحها خصومه في جدارهم وينفذ منها (الجزيرة)

فحين تفكك أي عملية استخبارية إلى عناصرها الواقعية -من شبكات مراقبة، مصادر بشرية، تحليل بيانات، وسلسلة طويلة من الإجراءات الروتينية- تتراجع الهالة الغامضة التي يصنعها الخطاب الدعائي. وتعود العمليات إلى سياقها الحقيقي بوصفها تقوم على أدوات معروفة وإجراءات قابلة للفهم، لا على معجزات خفية أو قدرات خارقة. والحقيقة أن الخطاب الاستخباراتي الإسرائيلي يحتاج إلى هذه الأسطورة بقدر ما يحتاج إلى العمليات ذاتها، لأن الهيبة سلاح بذاته، فحين يقتنع الخصم بأنه يواجه قوة لا تقهر، فإنه قد يستسلم من الداخل قبل أن تصل إليه الضربة. لكن ما يكشفه السجل التاريخي للاختراقات الإسرائيلية في إيران هو نمط أبسط مما توحي به السرديات: عنصر بشري من الداخل يفتح الباب في كل مرة.

موجز تاريخ الاختراق الإسرائيلي

في يناير/كانون الثاني 2018، سرق فريق تابع للموساد نحو نصف طن من وثائق "مشروع آماد" (AMAD Project) النووي من مستودع سري في طهران تضم نحو 55 ألف صفحة وآلاف الملفات الرقمية المخزنة على أقراص مدمجة. لم يكن هذا مجرد اختراق تقني أو عملية اقتحام محدودة، بل واحدة من أكبر الانتكاسات الاستخباراتية التي تعرضت لها إيران في العقود الأخيرة.

إعلان

غير أن القراءة الواقعية تفرض تجاوز التفسير السهل الذي يعزو النجاح إلى جرأة المنفذين وبراعتهم وحدها. إخراج هذا الكم من الوثائق من قلب العاصمة لا يمكن تفسيره بعملية خاطفة نفذها فريق خارجي معزول. احتاجت العملية إلى بيئة تنفيذية داخلية ساعدت على نجاحها. تشير دراسات أمنية إلى ظاهرة معروفة في عالم الاستخبارات تتمثل في قدرة الأجهزة الأجنبية على الوصول إلى بعض المنتفعين أو المهمشين داخل المؤسسات الحساسة. أفراد يشعرون بالتهميش داخل الأجهزة الأمنية أو الإدارية، أو عناصر تسعى إلى مكاسب شخصية، أو موظفون لا يتمتعون بالحصانة المهنية والانضباط المؤسسي الكافيين.

من خلال هؤلاء تُبنى شبكة من "الميسرين المحليين" الذين يوفرون المعلومات اللوجستية أو يسهلون الحركة أو يغضون الطرف في لحظات حاسمة. وداخل إيران لم تُقرأ العملية بوصفها نجاحا إسرائيليا فحسب، بل باعتبارها فشلا في منظومة الأمن المضاد، دفع بعض المسؤولين إلى المطالبة صراحة بـ"تطهير" المؤسسات الحساسة من الثغرات البشرية.

"يبقي السؤال الصعب معلقا فوق المشهد: كيف استطاع الخصم أن يزرع بنية تخريبية بهذا العمق داخل بلد قام أصلا على فكرة التعبئة الأمنية والثورية؟".

النمط نفسه تكرر في نطنز. بين عامي 2020 و2021، تعرضت المنشأة النووية لانفجارين كبيرين خلال أقل من عام، دمرا وفق بعض التقديرات نسبة كبيرة من أجهزة الطرد المركزي. التقارير أشارت إلى عملية اختراق متعددة المستويات: وفقا لما نشرته صحيفة "ذا جويش كرونيكل" (The Jewish Chronicle)، تنكرت عناصر مرتبطة بالموساد في هيئة تجار مواد بناء منذ عام 2019، وأدخلوا متفجرات ضمن شحنات بناء وصلت إلى المنشأة عبر سلاسل التوريد، والتي فُجرت لاحقا عن بعد في يوليو/تموز 2020. لكن البعد الأهم لم يكن تقنيا فحسب بل بشريا أيضا، إذ أشارت بعض التقارير إلى أن الاستخبارات الإسرائيلية نجحت في الوصول إلى أفراد داخل البيئة المرتبطة بالمنشأة، سواء عبر سلاسل التوريد أو عبر عاملين وفنيين لهم صلة بالموقع.

مصدر الصورة مهندس إيراني يجري تجربة على معدات نووية في 10 أبريل/نيسان 2021 بمنشأة نطنز النووية في أصفهان (وكالة الأناضول)

وفي يناير/كانون الثاني 2023، حين تعرض مجمع تصنيع عسكري في أصفهان لهجوم بطائرات مسيرات مفخخة نُسب إلى إسرائيل، أعلنت السلطات الإيرانية إعدام شخص قالت إنه تعاون مع الموساد في التخطيط للهجوم، وذكرت لاحقا اعتقال "الفاعلين الرئيسيين". الرواية الرسمية نفسها أقرت بأن العمليات لم تكن محمولة على أجنحة التكنولوجيا الإسرائيلية وحدها، بل كانت لها امتدادات محلية وشبكات داخلية.

ثم جاءت عملية "الأسد الصاعد" في يونيو/حزيران 2025 لتكشف أن الحرب الخفية وصلت إلى قلب إيران على نحو لم يعد ممكنا إنكاره أو تأويله. وفق تقارير متعددة، تضمنت العملية قواعد مسيّرات سرية داخل إيران، وتخزين أسلحة متطورة في الداخل، وشل الدفاعات الجوية قبيل موجة من الضربات، إضافة إلى تهريب مكونات طائرات دون طيار وتجميعها محليا. وحين بدأ الهجوم، انطلقت عشرات المسيّرات والصواريخ المخبأة لتدمر أهدافا حساسة من بينها منشآت للحرس الثوري ومواقع نووية. ورغم ما حدث لاحقا من اعتقالات واسعة في عدة محافظات بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، ورغم إعدام أحدهم كرسالة تحذير، بقي السؤال معلقا فوق المشهد: كيف استطاع الخصم أن يزرع بنية تخريبية بهذا العمق داخل بلد قام أصلا على فكرة التعبئة الأمنية والثورية؟

الأعداء من الداخل

لا تقتصر مشكلة إيران على خصومها في الخارج، ولكنها تمتد إلى بعض "مواطنيها" من المعارضين الذين يتحولون إلى الجسر الذي يعبر من خلاله هؤلاء الخصوم إلى قلب النظام. وحين يتوافر هذا الجسر، تصبح المهمة أقل تعقيدا مما تبدو عليه في الروايات اللاحقة؛ إذ يجدون من الداخل من يدلهم على الطريق. وعندها تبدو بعض العمليات التي تُقدَّم لاحقا بوصفها "معجزات استخباراتية" أقرب إلى نتيجة معرفة داخلية دقيقة منها إلى عمل خارق للعادة.

إعلان

نشر الصحفي الأمريكي سيمور هيرش عام 2012 تقريرا أشار فيه إلى أن قيادة العمليات الخاصة المشتركة الأمريكية (JSOC) بدأت منذ عام 2005 برنامجا تدريبيا لعناصر من منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، الجماعة التي كانت حتى ذلك الوقت مدرجة على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية لدى وزارة الخارجية الأمريكية منذ عام 1997.

"لا تقتصر مشكلة إيران على خصومها في الخارج، ولكنها تمتد إلى بعض مواطنيها الذين يتحولون إلى الجسر الذي يعبر من خلاله هؤلاء الخصوم إلى قلب النظام".

نشأت المنظمة في ستينيات القرن الماضي كحركة طلابية مزجت بين الماركسية والإسلام الثوري، وبرز اسمها في السبعينيات في سياق عمليات مسلحة داخل إيران. وبعد الثورة عام 1979 دخلت في صدام دموي مع النظام الإسلامي الجديد، قبل أن تستقر في العراق بدعم من صدام حسين. ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران مطلع الألفية، بدأت العلاقة بين الطرفين تأخذ مسارا مختلفا.

ووفق هيرش، رأت بعض الدوائر الأمريكية في المنظمة التي تمتلك شبكات داخل إيران أداة محتملة لجمع المعلومات الاستخباراتية. وقد برز اسم مجاهدي خلق دوليا عام 2002 حين كشفت عن وجود منشأة إيرانية سرية لتخصيب اليورانيوم تحت الأرض. ونقل هيرش عن محمد البرادعي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية آنذاك، أن الجماعة على اتصال بجهاز الموساد الإسرائيلي الذي زودها بمعلومات عن البرنامج النووي لتنشرها علنا. وبذلك أصبحت المنظمة، في نظر بعض المراقبين، في موقع تخادم مباشر مع إسرائيل.

مصدر الصورة " " مريم رجوي، زعيمة منظمة مجاهدي خلق، تضع ورودا خلال تأبين في باريس لأشخاص قتلوا في مخيم أشرف للاجئين في العراق والذي ضم إيرانيين في المنفى في 4 سبتمبر/أيلول 2013. (غيتي إيميجز)

بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، الذي كان يوفر للجماعة ملاذا في العراق، دخلت العلاقة بين المنظمة والأجهزة الغربية مرحلة أعمق. وبحسب ما أورده هيرش نقلا عن مسؤولين استخباراتيين وعسكريين سابقين وحاليين، أطلقت برامج سرية لدعم عدد من التنظيمات المعارضة الإيرانية بهدف جمع المعلومات داخل إيران ومتابعة أنشطة النظام. ووصلت إلى مجاهدي خلق موارد مالية ومعدات لوجستية وافرة.

وقد روى روبرت باير، العميل المتقاعد في وكالة الاستخبارات المركزية الذي عمل متخفيا في كردستان ومناطق أخرى من الشرق الأوسط، أنه تلقى في أوائل عام 2004 عرضا غير رسمي للعودة إلى العراق عبر شركة أمريكية خاصة لدعم مجاهدي خلق في جمع معلومات عن البرنامج النووي الإيراني، مضيفا أن المشروع بدا له جزءا من نشاط طويل الأمد وليس عملية محدودة. كما تحدث مسعود خدابنده، العضو المنشق عن المنظمة والمقيم في بريطانيا، عن تدريب عناصر في ولاية نيفادا على مهارات الاتصال أثناء العمليات واعتراض المكالمات الهاتفية والرسائل النصية داخل إيران، قبل ترجمتها وتسليمها لخبراء استخبارات الإشارات الأمريكيين، وفق ما أوردته مجلة "نيويوركر" (The New Yorker).

بين عامي 2007 و2012، اغتيل خمسة علماء نوويين إيرانيين. نفت مجاهدي خلق تورطها، لكن شبكة "إن بي سي نيوز" (NBC News) نقلت عن مسؤولين في إدارة الرئيس باراك أوباما أن الهجمات نفذت بواسطة عناصر من المنظمة بعد حصولهم على تدريب وتمويل من جهاز الموساد. وبحسب مايكل هيدن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) الأسبق، لم يكن الهدف استهداف علماء بعينهم بقدر ما كان إرباك منظومة البرنامج النووي والتأثير على معنويات النظام.

"مسؤولون في إدارة الرئيس الأمريكي أوباما قالوا إن عناصر من مجاهدي خلق اغتالوا علماء نووين إيرانيين بعد حصولهم على تدريب وتمويل من جهاز الموساد".

وفي أغسطس/آب 2012 بث التلفزيون الرسمي الإيراني فيلما وثائقيا تضمن اعترافات لمتهمين، قال أحدهم ويدعى بهزاد عبدولي إنه تلقى تدريبا عسكريا استمر نحو 40 إلى 45 يوما في معسكر قرب تل أبيب، شمل الرماية والدراجات النارية والدفاع الشخصي وجمع المعلومات. وأشار التقرير الإيراني إلى أن "دولة مجاورة" ساعدت في نقل المشتبه بهم سرا إلى إسرائيل، فيما أعلن وزير الاستخبارات الإيراني آنذاك حيدر مصلحي أن السلطات فككت شبكتين قال إنهما شاركتا في تدريب منفذي عمليات الاغتيال. وقد جاءت هذه الاغتيالات في سياق سلسلة أوسع من العمليات التي استهدفت البرنامج النووي، من بينها انفجارات في مواقع عسكرية والهجوم الإلكتروني بفيروس "ستوكسنت" (Stuxnet) الذي ألحق ضررا بأجهزة الطرد المركزي عام 2010.

إعلان

في المقابل، يمثل مسار رضا بهلوي -نجل آخر شاه لإيران وأحد أبرز شخصيات المعارضة في المنفى التي تطرح نفسها بديلا سياسيا- حالة مختلفة من التعاون العلني. ففي أبريل/نيسان 2023 زار بهلوي إسرائيل بدعوة رسمية، والتقى مسؤولين سياسيين وأمنيين في لقاءات نشرت صورها.

تعكس هذه المسارات المتباينة بين التعاون غير المعلن مع جماعات معارضة مسلحة مثل مجاهدي خلق، والتواصل العلني مع شخصيات سياسية في المنفى مثل رضا بهلوي طبيعة الأدوات المتعددة التي استخدمت في إدارة الصراع مع إيران، حيث تداخل العمل الاستخباراتي مع الحسابات السياسية والإعلامية في منظومة واحدة هدفها تقويض النظام الإيراني.

الحرس الثوري: حماية الثورة والأكل منها

لا يكفي تفسير الاختراقات الاستخبارية في إيران من زاوية نشاط خصومها وتوافقهم على النكاية بالنظام. فنجاح مثل هذه العمليات يتصل أيضًا بحالة البنية الداخلية للدولة المستهدفة. فالأجهزة التي تتشابك فيها المصالح وتضعف فيها الرقابة تصبح أكثر قابلية للاختراق؛ إذ يكفي في كثير من الأحيان استغلال ثغرة هنا أو إغراء فرد هناك لفتح طريق داخل بنية يفترض أنها محصنة.

يبرز الحرس الثوري بوصفه أحد المفاتيح المهمة لفهم هذه المفارقة. فقد ولد هذا الجهاز في سياق الثورة الإسلامية بوصفه قوة تعبئة عقائدية، تقوم على فكرة التضحية والانخراط في الدفاع عن النظام الجديد. بيد أن مساره خلال العقود اللاحقة قاده تدريجيًا إلى موقع مختلف، حيث لم يعد مجرد جهاز ثوري تعبوي ولكنه تحول جزئيا إلى شبكة واسعة تجمع بين القوة العسكرية والنفوذ الأمني والامتداد الاقتصادي.

بدأت ملامح هذا التحول تتبلور بوضوح بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية. ففي عام 1989 أُنشئ مقر خاتم الأنبياء للبناء بمرسوم من المرشد للمساهمة في مشاريع إعادة إعمار البلاد. لكن هذا الذراع الهندسي سرعان ما تجاوز حدود المقاولات التقليدية، ليدخل مجالات النفط والغاز والبنية التحتية والطرق والسدود والاتصالات والصناعات المختلفة. وفي التسعينيات، انتقلت أجزاء واسعة من الاقتصاد إلى مؤسسات وشركات مرتبطة بالحرس أو قريبة من دوائر السلطة.

توسع هذا الدور خلال عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي خدم بنفسه سابقا في صفوف الحرس الثوري. ففي تلك المرحلة حصلت شركات مرتبطة بالحرس على حصة كبيرة من المشاريع الحكومية، كما ملأت الفراغ الذي تركته الشركات الأجنبية بعد تشديد العقوبات الدولية. وبحلول العقد الماضي أصبحت مؤسسات الحرس حاضرة في قطاعات مالية وصناعية وتجارية واسعة.

مصدر الصورة توسع النفوذ الاقتصادي للحرس الثوري في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد (وكالة الأنباء الأوروبية)

غير أن الإشكالية لم تتعلق بحجم النفوذ فقط، بل بطبيعته أيضًا. فعندما يتحول جهاز عسكري – أمني إلى لاعب اقتصادي كبير، ويتمتع في الوقت نفسه بقدر محدود من الرقابة المؤسسية، تتداخل حدود الأمن والسياسة والاقتصاد. وقد ظهرت مؤشرات هذا التداخل في عدد من الوقائع التي أثارت جدلا داخل إيران، مثل سيطرة الحرس على مطار الإمام الخميني الدولي عام 2004 بدواع أمنية، إضافة إلى شبكة واسعة من الشركات والاستثمارات المرتبطة به في قطاعات الموانئ والطاقة والاتصالات والبنية التحتية.

قدم النظام هذا التوسع ضمن إطار ما سمي "اقتصاد المقاومة"، أي الاعتماد على القدرات المحلية لمواجهة العقوبات. بيد أن هذا المسار أثار نقاشا داخليا واسعا حول توزيع الموارد الاقتصادية وأولوياتها. ومع اتساع الدور الاقتصادي للحرس، تمدد حضوره أيضًا إلى المجال السياسي والإداري، حيث شغل عدد من ضباطه السابقين مناصب في الحكومة والبرلمان والإدارات المحلية والشركات الكبرى. ومع هذا التداخل بين المؤسسة العسكرية والمجال المدني، أصبح من الصعب الفصل بين دور الحرس كجهاز أمني وبين حضوره في بنية الحكم.

وبذلك تحول الجهاز الذي تأسس لحماية الثورة أولا ليجد نفسه مع مرور الزمن أمام مؤسسة ضخمة تتقاطع فيها السلطة الأمنية مع المصالح الاقتصادية والسياسية، وتنتعش فيها المحسوبيات والعلاقات لإكراهات أمنية تارة، ولنزعات شخصية تارة أخرى.

الباسيج.. ضبط المجتمع وتعزيز انقسامه أيضا

إذا كان الحرس يمثل الذراع الصلبة للدولة، فإن الباسيج يمثل ذراعها الاجتماعية والثقافية. تأسس عقب الثورة كجيش متطوع مواز، ثم تحول عبر العقود إلى مؤسسة واسعة الانتشار تضطلع بمراقبة الولاءات وتعزيز حضور الأيديولوجيا في الحياة اليومية. تقدر بعض المصادر الإيرانية عدد منتسبيه، رسميا أو احتياطيا، بأكثر من 10 ملايين، بينهم نحو أربعة ملايين امرأة، موزعين في المدن والقرى وفي المدارس والجامعات والمصانع والمؤسسات. ويعتقد أنه يضم في أدنى الأحوال مئات الآلاف من العاملين الناشطين، وأكثر من مليون ضمن قوائم الاحتياط.

"حين تتحول أداة التعبئة الشعبية إلى شبكة مصالح مصغرة، فإنها قد تظل نافعة في التعبئة السريعة، لكنها تفقد كثيرا من شرعيتها الاجتماعية".

ينشط الباسيج في الرقابة الأخلاقية على المجتمع، ومراقبة النشاطات المعارضة، وفرض الحجاب والآداب الإسلامية، وإقامة نقاط التفتيش ومواجهة التجمعات غير المرخصة. كما لعبت الباسيجيات "الأخوات" دورا كبيرا في مراقبة التزام النساء والفتيات بالضوابط المقررة. وعلى المستوى الثقافي والدعائي، يدير الباسيج مواكب وندوات ومخيمات صيفية ووسائل إعلام محلية ونشرات موجهة للشباب والطلاب.

إعلان

مع مرور الوقت، واجهت المؤسسة تناقضا جوهريا. فالباسيج الذي تأسس على فكرة التطوع والشعبية والقناعة لم يعد قائما عليها، بعدما تحسنت رواتب أفراده وحوافزهم، وصاروا يتمتعون بأفضلية في التوظيف والقروض والإسكان والقبول الجامعي. واعترف مسؤولون بأن كثيرا من الشباب انضموا إليه بحثا عن الامتيازات لا عن الاقتناع. وهذا مهم جدا لفهم ما جرى لاحقا: فحين تتحول أداة التعبئة الشعبية إلى شبكة مصالح مصغرة، فإنها قد تظل نافعة في التعبئة السريعة، لكنها تفقد كثيرا من شرعيتها الاجتماعية.

مصدر الصورة عناصر من قوات البسيج خلال عرض أمام مبنى السفارة الأميركية السابقة في طهران يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 (وكالة الأنباء الأوروبية)

هذا التحول كان أحد أسباب تآكل المناعة الداخلية في المجتمع الإيراني وانفتاح بعض أعضائه للعمل مع جهات خارجية ضد النظام. لأن الدولة حين تجعل قطاعات واسعة من مواطنيها مشتبهين فإنها قد تكسب معلومات مؤقتة، لكنها تخسر شيئا أعمق وهو الثقة العامة. ومن دون هذه الثقة، تختل حاضنة النظام ولو جزئيا وتنشأ طبقة قليلة قابلة للاستغلال من قبل الخصوم، وهذه الطبقة مهما صغر عددها تكون أكثر من كافية لتحقيق اختراقات هائلة.

لماذا أصبح الاختراق سهلا؟

تقوم فكرة الأمن القومي في أصلها على حماية الدولة والمجتمع من الأخطار، وضمان تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الخصوم. لكن هذه الفكرة، حين تتحول مع الزمن من مشروع وطني جامع إلى منظومة مغلقة من الأجهزة والشبكات والمصالح الضيقة قد تنقلب إلى نقيضها. فبدل أن تعزز الانتماء، فإنها تفتح ثغرات تجعل أفرادا من المجتمع أقل ارتباطا بالدولة وأكثر قابلية للاختراق من خصومها، في ظل تآكل الانتماء العام.

ظهر هذا التآكل أولا في صور اللامبالاة تجاه رموز الدولة، أو حتى الشماتة بإخفاقاتها. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال كأس العالم 2022، حين أظهرت استطلاعات أن نحو نصف الإيرانيين داخل البلاد شعروا بالفرح لهزيمة منتخب إيران أمام الولايات المتحدة. كانت لحظة رمزية عبر فيها جزء من المجتمع عن شعور بأن المنتخب، في وعيه، لم يعد يمثل الأمة بأسرها. كما ظهر هذا التباعد في فتور المشاركة في بعض المناسبات الرسمية مثل ذكرى الثورة حيث تحولت هذه الفعاليات في كثير من الأحيان إلى حضور منظم أكثر من كونها تعبيرا شعبيا واسعا .

لكن التغير لم يتوقف عند حدود الرفض السلبي. فمع تفاقم آثار الحصار الاقتصادي -من تضخم مرتفع وبطالة وضيق معيشة- اتسعت مساحة الإغراء المالي. في بيئة يعاني فيها كثير من الناس من الديون والضغوط الاقتصادية، قد يتحول عرض مالي كبير مقابل مهمة محددة إلى إغراء يصعب على البعض مقاومته. وقد تحدثت تقارير عن حالات حصل فيها أفراد على مبالغ كبيرة مقابل تنفيذ مهام تخريبية أو نقل معلومات. وليست هذه مجرد قصة جشع فردي، بل تعبير عن بيئة اجتماعية واقتصادية أصبح فيها الانتماء العام أضعف من أن يردع بعض الأفراد عن التعاون مع خصوم الدولة. وقد أقرت الأجهزة الإيرانية نفسها بوجود مواطنين جندوا لصالح أجهزة استخبارات أجنبية.

توقيع بعض المارة في طهران بجانب صورة للعالم النووي محسن فخري زادة الذي اغتالته إسرائيل بمساعدة محلية. (الجزيرة)

كما أن التهميش الأمني والسياسي لبعض المجموعات مثل الأكراد والبلوش والعرب الأهوازيين جعل بعض أفرادها أكثر عرضة للاستغلال. ففي قضية اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده عام 2020، جرى استخدام بعض مهربي الحدود الأكراد المعروفين محليا باسم "الكولبر" لنقل أجزاء السلاح الآلي الذي استخدم في العملية. هؤلاء يعيشون أصلا على هامش الاقتصاد الرسمي في ظروف معيشية صعبة، يحملون أثقالا فوق الجبال مقابل أجور زهيدة، ويسقط منهم قتلى كل فترة برصاص حرس الحدود. كثير منهم يشعر بأن الدولة لا تمنحهم شيئا سوى التشكيك في وطنيتهم ورصاص جنودها. وفي مثل هذه البيئة يصبح استغلالهم من قبل شبكات استخباراتية أمرا ممكنا، لا لأنهم خونة بالفطرة، بل لأن الدولة لم تترك لهم ما يستحق الولاء.

"عبقرية العدو ليست هي ما اخترق إيران، بل إن ما فعلته إيران بنفسها كان هو عامل الحسم".

هذه الصورة لم تعد مجرد انطباعات متفرقة، بل انعكست في استطلاعات الرأي. ففي أواخر عام 2022 أجرى معهد غمان (GAMAAN) استطلاعا واسعا شمل نحو 200 ألف إيراني بينهم 158 ألفا داخل البلاد و42 ألفا في الخارج. أظهرت نتائجه أن 81% من المشاركين داخل إيران لا يريدون استمرار الجمهورية الإسلامية مقابل 15% فقط أيدوا النظام. وأن 60% يريدون تغيير النظام جذريا، مقابل 6% فقط يؤيدون إصلاحات تدريجية و11% يتمسكون بنظام الجمهورية الإسلامية. وفي استطلاع آخر نشره معهد الشرق الأوسط في أكتوبر/تشرين الأول 2024، قال 78% إن سياسة بلادهم الخارجية سبب لتدهور أوضاعهم الاقتصادية، وأيد 61% التوصل إلى اتفاق نووي مع الغرب، وأيد 68% تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، بينما عارض 67% التطبيع مع إسرائيل ولم يؤيده سوى 25%.

ولكي لا نخطئ فهم الأرقام، فإنها لا تعني قطعا أن الإيرانيين سعداء بالاستهداف الأمريكي الإسرائيلي لبلادهم، بل العكس تماما فإن ذلك يصنع لحظة من الوحدة تتجاوز هذه الخلافات. المؤكد أيضا أن جموع الإيرانيين لا يبدون تعاطفا مع إسرائيل، لكنهم -في غير أوقات الحرب- يحملون نظامهم مسؤولية كبيرة عن الأزمات التي يعيشونها. وهذا يشير إلى أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل شرخ عميق بين الرواية الرسمية للنظام وبين وعي اجتماعي آخذ في التحول جزئيا وجاهز للاستثمار من الخصوم.

وهنا بالضبط يكمن ما لا تقوله سردية القوة الإسرائيلية ومعجزات الاختراق، وهي أن عبقرية العدو ليست هي ما اخترق إيران، بل إن ما فعلته إيران بنفسها كان هو عامل الحسم. حين تحولت المؤسسات عن دورها إلى شبكات امتيازات ونفوذ، وتحولت الدولة من مشروع جامع إلى منظومة تفتقر للثقة، لم يعد الخصم بحاجة إلى معجزات استخباراتية. صار يكفيه أن يطرق الأبواب التي فتحها الخصم بيده. وفي ذلك الصباح من فبراير/شباط، لم يكن السؤال الحقيقي أين يجلس المرشد وغيره من القادة، بل لماذا أصبح بعض المقربين منهم مستعدين لخيانتهم كما فعل آخرون قبلهم.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا