تقول مصادر خليجية ومحللون في منطقة الخليج إن الولايات المتحدة أشعلت الحرب مع إيران لكن دول الخليج المنتجة للنفط ستدفع الثمن.
يأتي هذا وسط توتر علاقات المنطقة التي تتعرض لهجوم إيراني والقوة العظمى التي تعتمد عليها لحمايتها.
ووفقا لثلاثة مصادر إقليمية، طلبت عدم الكشف عن هوياتها لأنها غير مخولة بالتحدث علنا، فإن الاستياء يتزايد خلف الكواليس في عواصم دول الخليج العربية بسبب جرها إلى حرب لم تبدأها أو تؤيدها، لكنها تتحمل الآن كلفتها الاقتصادية والعسكرية، مع تعرض مطارات وفنادق وموانئ ومنشآت عسكرية ونفطية لضربات إيرانية.
وقالت ابتسام الكتبي رئيسة مركز الإمارات للسياسات لرويترز: "هذه ليست حربنا. لم نرد هذا الصراع، ومع ذلك ندفع الثمن من أمننا واقتصادنا".
وأضافت أن هذا لا يعني أن إيران "بريئة". وكانت حكومات الخليج قد أكدت لطهران أنها لن تسمح لواشنطن باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي في الحرب. ومع ذلك، شنت إيران موجات من الضربات بالطائرات المسيرة والصواريخ في أنحاء المنطقة على الرغم من تلك التأكيدات، مما أدى أيضا إلى تراجع ثقة قطاع الأعم
قلق من سيناريو "الأسد الجريح" بعد الحرب
بينما يتزايد الانزعاج من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب صراع يعتقد كثيرون أنه أوقد شرارته دون تشاور، تقول بعض المصادر الإقليمية إن واشنطن يجب عليها الآن أن تمضي في الحرب حتى النهاية للقضاء على ما يعتبرونه تهديدا إيرانيا مستمرا في جوارهم المباشر.
وقالت الكتبي: "إذا انسحبت أمريكا من الحرب الآن دون تحقيق النصر، فسيكون ذلك مثل ترك أسد جريح".
وأضافت “ستظل إيران تشكل تهديدا للمنطقة، وقادرة على توجيه هجمات جديدة. وإذا انهار النظام، تاركا فراغا في السلطة، فستعاني الدول المجاورة من التداعيات”.
وردا على طلب للتعليق، قال البيت الأبيض إن الضربات الأمريكية والإسرائيلية قلصت الهجمات الصاروخية التي ترد بها إيران بنسبة 90 بالمئة، "إذ سحقت قدرتها على إطلاق هذه الأسلحة أو إنتاج المزيد منها".
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن الرئيس دونالد ترامب على اتصال وثيق مع الشركاء في الشرق الأوسط وإن هجمات طهران على جيرانها تؤكد ضرورة القضاء على هذا التهديد.
ولم تستجب دول الخليج لطلبات التعليق.
وقتل الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب. وردت طهران بقصف إسرائيل ودول الخليج التي تستضيف منشآت عسكرية أمريكية، وأوقفت فعليا مرور شحنات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، الممر الحيوي لنحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
وفي أنحاء المنطقة، أدى إغلاق المجال الجوي إلى إلغاء شركات الطيران حوالي 40 ألف رحلة، في أكبر اضطراب يعصف بحركة الطيران العالمية منذ جائحة كوفيد-19. في الوقت نفسه، تأثرت السياحة في الخليج بشدة، مما يهدد الصورة التي عملت دول الخليج على ترسيخها كوجهة آمنة للسياح الباحثين عن الرفاهية.
دول الخليج تظهر رباطة جأش وتعيد تقييم الوضع الأمني
وسط هذه الاضطرابات، سعت دول الخليج إلى إظهار الهدوء ورباطة الجأش. وقال رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يوم الجمعة إن بلاده “في فترة حرب ولكنها بخير”، وأنها ليست “فريسة سهلة”، في أول تصريح علني له منذ أن أطلقت إيران صواريخ على الإمارات.
في الوقت نفسه، يقول محللون إن الحرب دفعت دول الخليج إلى إعادة تقييم اعتمادها الأمني على واشنطن وإلى التفكير في احتمال الدخول في نهاية المطاف في ترتيبات أمنية إقليمية جديدة مع طهران، حتى مع انهيار الثقة في إيران.
وقال فواز جرجس من كلية لندن للاقتصاد إنه على مدى عقود، قامت العلاقات بين واشنطن ودول الخليج على تفاهم ضمنية: طاقة الخليج وأمواله، بما في ذلك مئات المليارات من الدولارات التي تنفق على الأسلحة الأمريكية والتكنولوجيا المتقدمة والسلع والخدمات، مقابل الحماية الأمريكية.
ويرى جرجس أن الحرب زعزعت هذه الافتراضات. وأضاف أن دول الخليج ستسرع الآن من جهودها لتنويع شراكاتها الخارجية والأمنية، إدراكا منها “أنها لا تستطيع الاعتماد حقا على الولايات المتحدة لحماية مواردها من الطاقة والنفط والغاز، وشعوبها، وسيادتها”.
وتذكر هواجس دول الخليج الحالية بشأن واشنطن بالقلق الذي شعرت به السعودية إزاء تقاعس الولايات المتحدة في الرد على إيران بعد الهجوم بطائرات مسيرة وصواريخ في عام 2019 على منشآت النفط في بقيق وخريص بالمملكة.
وألقت واشنطن والرياض مسؤولية الهجمات على طهران التي نفت أي دور لها.
وقال عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث ومقره السعودية، إن واشنطن فشلت في وضع ضمانات لحلفائها الإقليميين أو تأمين تدفق النفط والغاز في وقت الحرب، مضيفا أن التكلفة على اقتصادات دول الخليج “فادحة”.
رجل أعمال يستنكر “جر الخليج إلى الصراع”
قال بن صقر إن الحرب أظهرت حدود الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية فقط، لا سيما من الولايات المتحدة، مضيفا أن دول الخليج بحاجة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والاستعداد للأزمات المستقبلية.
وأضاف “القوى الخارجية تتخذ قراراتها أيضا بناء على مصالحها الاستراتيجية الخاصة وليس مصالح الخليج. ونتيجة لذلك، من المرجح أن تتبع دول الخليج نهجا أكثر حذرا وتوازنا في علاقاتها مع كل من إيران والشركاء الدوليين الرئيسيين”.
وفي انتقاد علني نادر، شكك رجل الأعمال الإماراتي البارز خلف الحبتور في أهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وقال مؤسس مجموعة الحبتور: "إذا كان الهدف من الضربات هو احتواء إيران، فهل أخذت في الاعتبار التداعيات على المنطقة أم تجاهلت ببساطة تكلفة جر الخليج إلى صراع ليس طرفا فيه؟".
وحذر الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية أمين الناصر أمس الثلاثاء من أن استمرار تعطيل الشحن عبر مضيق هرمز سيكون له “عواقب كارثية” على أسواق النفط.
لكن الحرس الثوري الإيراني قال إنه لن يسمح بشحن “لتر واحد من النفط” من الشرق الأوسط إذا استمرت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية. وحذر ترامب من أن واشنطن ستضرب إيران بقوة أكبر إذا منعت تصدير النفط.
وتقول مصادر قريبة من دوائر صنع القرار في دول الخليج العربية إن المنطقة بالكامل تشعر بإحباط شديد من ترامب. ويعتقد كثيرون أنه جر الخليج إلى حرب صيغت بدرجة كبيرة وفق الحسابات الإسرائيلية، دون أن يشارك خطة الحرب وأنه تصرف على عجل قبل تقييم كامل للآثار السياسية والاقتصادية على الحلفاء.
وقال مصدر خليجي مطلع على عملية صنع القرار في واشنطن إن القرارات الرئيسية تتخذها دائرة صغيرة من المقربين من ترامب تعمل إلى حد كبير خارج القنوات السياسية الأمريكية التقليدية.
وأضاف: "إنهم رجال أعمال وأشخاص يفكرون بعقلية الصفقات، وليسوا ساسة متمرسين"، مؤكدا أن هذا النهج ترك الشركاء في الخليج معرضين لعواقب قرارات هذه الدائرة.
المصدر: وكالات
المصدر:
روسيا اليوم