مع انتصاف شهر رمضان المبارك، يحاول المسلمون في مختلف أنحاء الولايات المتحدة المحافظة على روح هذا الشهر الفضيل المعتادة من العبادات والأجواء الاحتفالية، لكن تحت غمامة من الأحداث المقلقة.
فحملة الحكومة الفدرالية على الهجرة طالت كثيرا من مجتمعاتهم، وخطاب معاداة المسلمين يشتد ضراوة، والشرق الأوسط -حيث لكثير منهم أقارب وأحبة- يهتز الآن بسبب الحرب الأمريكية على إيران.
في مدينة باترسون ب ولاية نيوجيرسي التي تضم واحدة من أعلى نسب المسلمين إلى عدد السكان في البلاد تشعر حنين العطية، البالغة من العمر 18 عاما، بالأسى لأن الخوف وعدم اليقين يمنعان كثيرين من أبناء المجتمع المسلم من الاجتماع لإحياء الطابع الجماعي لرمضان.
تقول حنين، وهي نصف فلسطينية ونصف أردنية، متحدثة أمام المركز الإسلامي في مقاطعة باسيك حيث تُصلي فيه كل عام مع عائلتها خلال شهر رمضان، "معنى هذا الشهر الفضيل هو أن نكون مع من نحب لكن للأسف، فبسبب مداهمات شرطة الهجرة والجمارك الجارية في ظل إدارة الرئيس ترمب، لم يعد الناس يقدرون على ذلك".
والجالية الفلسطينية في باترسون -إحدى أكبر الجاليات الفلسطينية خارج الشرق الأوسط- تعيش حالة حداد على فقدان أحبائها، وتسعى لمساعدة الناجين من الحرب على غزة قبل التطورات الأخيرة التي تثير القلق.
أما رانية مصطفى، المديرة التنفيذية لـ"المركز المجتمعي الفلسطيني الأمريكي" في مدينة كليفتون فتقول "رمضان هذا العام كان ثقيلا بالفعل على كثير من العائلات في مجتمعنا بسبب حملات الهجرة".
وتتابع قائلة "والآن، مع بدء الحرب على إيران، يمر كثيرون هنا بحالة من الخوف والحزن الإضافيين".
وفي ولاية مينيسوتا، حيث لا يزال كثيرون تحت تأثير الحملة الأخيرة واسعة النطاق على المهاجرين، جاء رمضان مشحونا بمزيج قوي من المشاعر، بحسب الإمام يوسف عبد الله، المدير التنفيذي لـ"الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية".
يقول عبد الله "يشعر الكثيرون بالامتنان لأننا على قيد الحياة وبصحة جيدة، لكننا نشعر أيضا بأننا مجروحون، متأثرون، مدمرون اقتصاديا ونفسيا".
وتُعد "الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية" مظلة لعدد من المراكز الإسلامية في الولايات المتحدة، بما فيها بعض المراكز في مينيسوتا.
وأوضح عبد الله أن "مركز أبي بكر الصديق الإسلامي" في مينيابوليس، الذي يشغل فيه منصبا في مجلس الإدارة، قد ألغى إقامة موائد الإفطار الجماعية، والتي باتت تقتصر حاليا على التمر والماء فقط.
وأرجع هذا التغيير إلى الضربة الاقتصادية التي تلقتها كثير من الأعمال التجارية داخل المجتمع، والتي كانت عادة ترعى مثل هذه الوجبات، وذلك بسبب إحجام الناس عن الخروج خلال الحملة.
وقال عبد الله إنه حتى بعد سحب معظم ضباط الهجرة البالغ عددهم حوالي 3000 ضابط، لا يزال بعض أفراد المجتمع -وخاصة طالبي اللجوء واللاجئين- حذرين من الخروج، بما في ذلك الذهاب إلى المسجد.
واختتم حديثه بالقول "كان تناول طعام الإفطار معا وتبادل الحديث أثناء ذلك أمرا جميلا، آمل أن يعود ذلك من جديد".
و مع حلول شهر رمضان، أصدرت بعض الجمعيات الإسلامية إرشادات حول معرفة الحقوق للتعامل مع إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة، بما في ذلك المساجد. تقول داليا طه، المسؤولة في مجلس الشؤون الإسلامية في كاليفورنيا إن الإرشادات المرفقة للأئمة "تهدف إلى مساعدتهم في طمأنة المصلين دون إثارة الذعر أو نشر معلومات مضللة".
وأضافت أن من بين أسئلة الأئمة: هل يمكن إخضاع دور العبادة لعمليات إنفاذ القانون؟ كيف يمكن طمأنة الناس دون تقديم استشارات قانونية؟ كيف يمكن معالجة قلق المهاجرين مع الحفاظ على الطابع الروحي لشهر رمضان؟
وأضافت "هناك شعور عميق بالتكاتف والسلام يرافق شهر رمضان دائما حيث تشهد العديد من المساجد إقبالا كبيرا وتجمعا للعائلات، لكن الناس الآن يفترسهم الخوف والقلق وعدم اليقين إلى جانب إيمانهم. فالتدين والقلق يتعايشان جنبا إلى جنب، وأعتقد أن الجميع مرهقون".
من جهته، يرى إبراهيم ديفان، المدير التنفيذي لمسجد الشريف، وهو مسجد يتسع لـ2000 مصل في لونغ بيتش، بكاليفورنيا، أن مجتمعه، كغيره من التجمعات الإسلامية، يعاني من ضغوطات ناجمة عن تصاعد الإسلاموفوبيا، وإنفاذ قوانين الهجرة، والصراعات في الشرق الأوسط.
وأضاف أن المسجد عزز أيضا إجراءات الأمن خلال الصلاة في شهر رمضان وقال "كل ما يمكننا فعله هو الاستمرار في الصلاة والصيام وفي الوقت نفسه، نحتاج أيضا إلى الانتباه لما يحدث من حولنا، واتخاذ الاحتياطات اللازمة".
اشتدت موجة من الخطاب المعادي للمسلمين في الحملات الجمهورية في وقت مبكر من هذا العام الانتخابي، لا سيما في تكساس، التي أجرت انتخاباتها التمهيدية يوم الثلاثاء الماضي.
وساعد الحاكم جريج أبوت، الذي حسم ترشيح الحزب الجمهوري لولاية رابعة، في قيادة الجهود لوقف مشروع سكني مخطط له يركز على المسلمين بالقرب من دالاس.
وفي الكونغرس، تم تقديم العديد من مشاريع القوانين مؤخرا تستهدف الشريعة الإسلامية بما في ذلك الصلاة والسلوك الأخلاقي.
وشبه النائب الجمهوري عن ولاية فلوريدا، راندي فاين، في منشور حديث له على وسائل التواصل الاجتماعي، المسلمين بـ"الكلاب" مما دفع مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية وبعض أعضاء الكونغرس الديمقراطيين إلى المطالبة باستقالته.
وينظر القادة المسلمون الأمريكيون إلى هذا الخطاب الحاد على أنه ترويج للخوف في عام الانتخابات، وهو أكثر حدة الآن مما كان عليه في مواسم الحملات الانتخابية الأخيرة.
ولم يهدأ قلقهم إلا جزئيا بسبب انتصارات الانتخابات الأخيرة للمرشحين المسلمين، ولا سيما فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك.
يقول إدوارد أحمد ميتشل، نائب المدير الوطني لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "في كل عام انتخابي، نشهد تصاعدا في التعصب ضد المسلمين في بعض مناطق البلاد، حيث ينظر السياسيون إلى الأمريكيين المسلمين كأداة سياسية فعالة. نتوقع ذلك، لكن الوضع هذه المرة أسوأ بكثير من المعتاد".
وفي باترسون، تقول رانيا مصطفى تشعر العديد من العائلات بالقلق على أقاربهم في المناطق التي مزقتها الصراعات في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، بما في ذلك أولئك الموجودون في غزة الذين يكافحون من أجل الحصول على إمدادات غذائية.
لكنها فخورة بصمود مجتمعها. وقالت "على الرغم مما يحدث في العالم، يذكرنا رمضان بقوة مجتمعنا وصموده. لا يزال الناس يجتمعون للصلاة، ويتناولون الطعام معا، ويتفقدون أحوال بعضهم البعض، ويدعمون العائلات التي تعاني".
ومع غروب الشمس عن جزء من شارع باترسون الرئيسي الذي أعيد تسميته "طريق فلسطين"، والذي ترفرف على جانبيه الأعلام الفلسطينية والأمريكية، وصل الناس إلى منازلهم ومطاعمهم لتناول الإفطار في إحدى الأمسيات الرمضانية.
وتوجه البعض إلى محلات الحلويات، في حين توجه آخرون إلى صالون فلسطيني لتصفيف الشعر. وأعرب عودة، صاحب الصالون وكبير حلاقيه، عن أسفه لتأثير الاضطرابات في الشرق الأوسط وحملة الولايات المتحدة على الهجرة على ما كان من المفترض أن يكون شهرا سعيدا.
وقال عودة، نائب رئيس بلدية باترسون، حينما كان يحلق لحية أحد الزبائن "هذا لا يؤثر فقط على من لا يملكون وثائق، بل يؤثر أيضا على كل من حولنا".
ومثل غيره من قادة المدينة، حث على إطلاق سراح لوقا كورديا، وهي فلسطينية من سكان باترسون، محتجزة في مركز احتجاز للمهاجرين منذ عام بعد مشاركتها في احتجاج في نيويورك.
وقالت كورديا مؤخرا إنها تعرضت لنوبة صرع، ربطتها بالظروف "اللاإنسانية" داخل مركز الاحتجاز.
وفي ظل هذه الظروف المضطربة، قال عودة إنه يشارك الكثيرين أملهم "بغض النظر عن عرقهم أو دينهم خلال شهر رمضان.. فالجميع يأملون في السلام".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة