آخر الأخبار

عزل جنوب الليطاني.. تداعيات تتجاوز مآسي "نزوح مفتوح" في لبنان

شارك

بيروت- لا يفارق الهاتف يد محمد العلي، يراقب بين لحظة وأخرى إشعارات التحذير التي ترد تباعا من الجيش الإسرائيلي، لكن إنذارا واحدا وصفه بـ"المُريب" قلب المشهد رأسا على عقب: إخلاء جنوب لبنان إلى شمال نهر الليطاني.

وعلى عجل، حمل العلي الحقائب التي أعدّها سلفا لمثل هذه اللحظات، وجمع أفراد عائلته، قبل أن يستقل سيارته وينطلق مسرعا نحو المناطق الواقعة شمال النهر.

وقال العلي للجزيرة نت إنه غادر منزله، دون أن يعرف إن كان سيعود إليه مجددا أم لا، ولا حتى إلى أين ستكون وجهته النهائية. وأضاف "خرجنا بسرعة كبيرة، لم يكن هناك وقت للتفكير أو التخطيط، فقط حاولنا أن نبتعد عن الخطر".

انعدام الخيارات

فرضت الخيارات القاسية نفسها على سكان الجنوب، تصفها المواطنة خديجة بأن "أحلاها مرّ"، بين البقاء تحت القصف أو النزوح إلى مصير مجهول.

وداخل سيارة متجهة نحو بيروت، جلست أم مهدي بصمت ثقيل، قبل أن تخبر الجزيرة نت بأن ما يعيشه أهالي الجنوب اليوم هو سلسلة من الخيارات الصعبة. وتقول "حاولنا قدر الإمكان تجنُّب النزوح، لأن الوصول إلى مراكز الإيواء لم يمنحنا الاستقرار، لكننا الآن نبحث فقط عن أي مكان، ولو صغير، نضع فيه أطفالنا، لنشعر ولو للحظة بشيء من الأمان وسط حياة مؤقتة لا نعرف متى تنتهي".

وفي المقعد الخلفي من مركبة أخرى، كانت أم عيسى تحتضن رضيعتها وتحاول تهدئتها بعدما أيقظتها أبواق السيارات ومركبات الإسعاف التي تشق الطريق بين طوابير الناس والمركبات الفارّة من الجنوب.

وبصوت متعب تحدّثت أم عيسى قائلة "خرجنا بسرعة، ولم آخذ أي شيء تقريبا من مقتنياتنا وأثاث منزلنا. فقط حملت طفلتي وركضنا إلى السيارة". وأضافت للجزيرة نت وهي تنظر إلى الطريق الممتد أمامها "كل ما أفكر فيه الآن أن تبقى ابنتي بأمان، وليس مهما أين سنذهب، فالمهم أن نبتعد عن القصف".

مصدر الصورة نازح من جنوب لبنان يفترش الأرض في مدينة صيدا بعد عدم إيجاد مركز إيواء (الجزيرة)

"نزوح مفتوح"

وفي حين كانت السيارات تبتعد شيئا فشيئا عن الجنوب، لم يكن الركاب يعرفون إن كان هذا الرحيل مؤقتا أم بداية نزوح مفتوح، في ظل تصاعد التحذيرات واستمرار القصف.

إعلان

وعلى الطرقات وفي المدن الساحلية، يتكشَّف المشهد الإنساني بأوضح صوره، عائلات غادرت منازلها على وجه السرعة، وأخرى فقدت مصادر رزقها، لتجد نفسها اليوم بلا مأوى. وكثيرون يفترشون الأرصفة في بيروت وصيدا، وآخرون يبيتون داخل مركباتهم على طول الطريق الساحلي، في انتظار حل قد لا يأتي قريبا.

ومع تجديد الجيش الإسرائيلي دعوته سكان البلدات والقرى الواقعة جنوب نهر الليطاني إلى إخلاء مناطقهم والتوجُّه شمالا، مُلوّحا بقصفها بذريعة رصد أنشطة ل حزب الله. وتحمل الدعوة في طياتها أكثر من بعد عسكري مباشر، إذ تفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات السياسية والإنسانية في بلد يعيش واحدة من أعقد أزماته الاقتصادية والمالية منذ 2019.

وكانت بيانات رسمية قد أشارت إلى ارتفاع عدد النازحين في لبنان إلى نحو نصف مليون شخص، أغلبهم من سكان الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق جنوب لبنان، في ضوء تصاعد وتيرة القصف الإسرائيلي المكثف واتساع رقعته.

العزل والسيطرة

ورأى المحلل السياسي، يوسف دياب، أن إنذارات إسرائيل بإخلاء القرى والبلدات بجنوب نهر الليطاني يعني عمليا التعامل مع المنطقة بوصفها حزاما أمنيا خاليا من السكان، ما يفتح الباب أمام تغييرات ميدانية كبيرة، وربما كان ذلك تمهيدا لتقدم بري أو اجتياح عسكري.

وحذّر في حديثه للجزيرة نت من أن هذا السيناريو قد يضع المنطقة تحت سيطرة إسرائيلية مباشرة، ويخلق واقعا اجتماعيا واقتصاديا شديد الخطورة في لبنان، قد يتجاوز في تداعياته المرحلة التي سبقت انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000.

ودعا دياب الحكومة اللبنانية إلى إعداد خطط عاجلة للإيواء والإغاثة، في ظل احتمال استمرار النزوح واتساعه، مُحذِّرا من توتُّرات اجتماعية بين المجتمعات المضيفة والنازحين نتيجة الضغط على الموارد والخدمات.

مصدر الصورة عائلات نازحة تنتشر في الساحات العامة بمدينة صيدا بعدما بلغت مراكز الإيواء طاقتها القصوى (الجزيرة)

وفي المقابل، قال المحلل السياسي علي أحمد، إن إخلاء مناطق جنوب لبنان ليس أمرا جديدا، بل تكرّر في الحروب الإسرائيلية السابقة، كحرب 2006 ومعركة "البأس" عام 2024، مبينا أن إسرائيل غالبا ما تستخدم هذه الإجراءات تمهيدا لتصعيد عسكري أو لإنشاء شريط حدودي عازل بذريعة حماية المستوطنات القريبة من الحدود، رغم أن الصواريخ يمكن إطلاقها من مسافات أبعد داخل لبنان.

أما عسكريا، فاعتبر الخبير العسكري حسن جوني، أن إفراغ المنطقة من سكانها يهدف إلى تسهيل أي تقدُّم برّي محتمل وتقليل المخاطر أمام القوات المتوغلة، لافتا إلى أن التقديرات تشير إلى احتمال وصول أي توغُّل إلى حدود نهر الليطاني، بما يفرض واقعا أمنيا جديدا في الجنوب.

وأضاف أن هذه الخطوة لا تحمل فقط أبعادا عسكرية، بل تشكل أيضا ضغطا مزدوجا: ميدانيا عبر تغيير الواقع الأمني، واجتماعيا عبر دفع أعداد كبيرة من السكان إلى النزوح، ما يضاعف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على لبنان.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا