في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مرحلة حرجة من الغموض الإستراتيجي، حيث تضاربت الإشارات الصادرة من الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل حول السقف الزمني والأهداف النهائية للعمليات العسكرية.
وتشير تحليلات وتقارير نشرتها مواقع وصحف أمريكية وبريطانية بارزة -من بينها أكسيوس، نيوزويك، نيويورك تايمز، وول ستريت جورنال الأمريكية، والتايمز البريطانية- إلى أن نهاية الحرب قد تتخذ عدة مسارات مختلفة، بعضها سريع ومحدود، وبعضها الآخر قد يقود إلى تحولات جيوسياسية عميقة في المنطقة.
بحسب تقرير نشره موقع أكسيوس الأمريكي للصحفي هيرب سريبنر، فإن الرسائل المتناقضة الصادرة من الرئيس دونالد ترمب ووزارة الحرب ( البنتاغون) تجعل الحلفاء والأسواق وأعضاء الكونغرس في حيرة حول كيف ومتى ستنتهي الحرب ضد إيران.
وتكمن أهمية الأمر في أن كل أسبوع يمر دون حل يعمّق الألم الاقتصادي في الداخل وعدم الاستقرار في الخارج، مما يرفع المخاطر السياسية لترمب قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وللاستدلال على هذا التضارب في التصريحات، ذكر الموقع الإخباري أنه في حين قال ترمب للجمهوريين في اجتماع سنوي لحزبهم يوم الاثنين، إن الولايات المتحدة "فازت بالحرب بالفعل، لكننا لم نفز بما فيه الكفاية"، تحدث بعدها بسويعات لشبكة "سي بي إس" قائلا إن الحرب " مكتملة إلى حد كبير".
الرسائل المتناقضة الصادرة من الرئيس دونالد ترمب والبنتاغون تجعل الحلفاء والأسواق وأعضاء الكونغرس في حيرة حول كيف ومتى ستنتهي الحرب
هذا التفاؤل من قِبَل الرئيس اصطدم بنبرة مغايرة تماما من وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي حذّر من أن الضربات ستشتد أكثر، مؤكدا أن المؤسسة العسكرية الأمريكية تمنح ترمب "خيارات عديدة" لمواصلة الحرب.
وفي تفسيرهم لهذا التسرع في إعلان النصر، يرجع المحللون أنات بيليد وجاريد مالسين وألكسندر وارد في تقرير مشترك نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، السبب في ذلك إلى الضغوط الداخلية، حيث يخشى مستشارو ترمب من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى رد فعل سياسي عنيف ضده.
نتنياهو: طموحنا هو تمكين الشعب الإيراني من التخلص من نير الطغيان
على الجانب الآخر، تبدو الأهداف الإسرائيلية أكثر حدية وشمولا. فبينما يركز البنتاغون على أهداف "محدودة ومعقولة" تشمل تدمير الصواريخ والمسيّرات والقدرات البحرية، يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن الهدف الأسمى هو "تغيير النظام".
ونقلت وول ستريت جورنال عن نتنياهو قوله: "طموحنا هو تمكين الشعب الإيراني من التخلص من نير الطغيان، نحن نكسر عظامهم وما زلنا نشطين".
وفي تعليقه للصحيفة ذاتها، قال نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق تشاك فريليتش إن "نتنياهو ظل يحلم لعقود بأن يخوض حربا مشتركة (مع الولايات المتحدة) لإسقاط الجمهورية الإسلامية"، لكنه أضاف أن "الاعتماد على ترمب في أي شيء هو دائما تعويل مشكوك فيه".
طرحت هيئة تحرير مجلة نيوزويك في تحليلها سؤالا محوريا هو: ما الذي يمكن اعتباره نصرا لترمب في الحرب على إيران؟
فبحسب المجلة، فإن القوات الأمريكية والإسرائيلية نجحت بالفعل في توجيه ضربات قوية للبنية العسكرية الإيرانية، بما في ذلك تدمير أجزاء كبيرة من قدرات الصواريخ والمنشآت العسكرية.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق هدف إستراتيجي نهائي.
وأوضحت المجلة أن الأهداف المعلنة للحملة واسعة النطاق، وتشمل منع إيران من تطوير أسلحة نووية، وتدمير قدراتها الصاروخية، وإضعاف شبكتها من الحلفاء الإقليميين، وتقليص قدرتها على تهديد الملاحة في الخليج.
وبسبب هذا الاتساع في الأهداف، فإن تعريف "النصر" قد يختلف بحسب السيناريو الذي ستتخذه الحرب.
تتقاطع تحليلات نيوزويك ونيويورك تايمز وأكسيوس عند 4 أو 5 سيناريوهات رئيسية لخاتمة هذا الصراع:
يصف الكاتب بريت ستيفنز في مقال بصحيفة نيويورك تايمز، هذا السيناريو بأنه "الأكثر تفاؤلا"؛ إذ يتصور البعض خروج ملايين الإيرانيين في عشرات المدن في مظاهرات حاشدة على غرار تلك التي قمعها النظام في يناير/كانون الثاني الماضي.
لكن الافتراض هذه المرة -وفق الكاتب- أن ينضم إلى المتظاهرين ضباط الشرطة والجنود وقادة من الجيش التقليدي، مدفوعين بالدعم الجوي الأمريكي والإسرائيلي.
مجلة نيوزويك: تغيير النظام يبقى السيناريو الأكثر طموحا لكنه أيضا الأكثر خطورة، إذ قد يؤدي إلى مرحلة انتقالية غير مستقرة
وفي اعتقاد ستيفنز أن هذا الاحتمال قد يتحقق إذا أدت الضربات العسكرية إلى إحياء الاحتجاجات الشعبية داخل إيران.
لكن ستيفنز يحذر من الإفراط في التفاؤل، قائلا إن النظام الإيراني "قد يكون عاجزا عن الدفاع عن مجاله الجوي، لكنه لا يزال قادرا على قتل شعبه".
وتتفق مجلة نيوزويك مع هذا التقييم، مشيرة إلى أن تغيير النظام يبقى السيناريو الأكثر طموحا لكنه أيضا الأكثر خطورة، إذ قد يؤدي إلى مرحلة انتقالية غير مستقرة بدلا من تحول سياسي واضح.
سيناريو آخر يطرحه محللون يتمثل في تحقيق ما يمكن تسميته "نصرا عسكريا محدودا"، عبر تدمير قدرات إيران العسكرية والنووية دون تغيير النظام السياسي.
ووفق تحليل نيوزويك، قد تعتبر واشنطن أن تدمير البنية التحتية للصواريخ والبرنامج النووي الإيراني كاف لإعلان النصر.
وفي هذه الحالة، يمكن للولايات المتحدة أن تعلن انتهاء العمليات العسكرية مع بقاء النظام الإيراني في السلطة، لكن في وضع أضعف بكثير.
من جانبه، يصف ستيفنز في مقاله بنيويورك تايمز، هذا السيناريو هو "الأكثر تفاؤلا".
ترامب قال إن استئناف المفاوضات ممكن رغم خيبة أمله من اختيار مجتبى خامنئي خلفا لوالده في منصب المرشد الأعلى
أحد السيناريوهات التي تتكرر في التقارير الغربية هو أن الحرب قد تنتهي بتسوية دبلوماسية جديدة حول البرنامج النووي الإيراني.
ويشير تقرير أكسيوس إلى أن الولايات المتحدة وإيران عقدتا بالفعل 3 جولات من المفاوضات غير المباشرة في جنيف قبل اندلاع الحرب، لكن المحادثات فشلت لأن واشنطن اعتبرت أن طهران غير جادة.
ومع ذلك، قال ترامب إن استئناف المفاوضات "ممكن" رغم خيبة أمله من اختيار مجتبى خامنئي خلفا لوالده في منصب المرشد الأعلى.
وفي هذا السيناريو، قد تستخدم واشنطن الضربات العسكرية كوسيلة ضغط لإجبار إيران على قبول قيود أشد على برنامجها النووي والصاروخي.
أحد السيناريوهات الأكثر واقعية من وجهة نظر بعض المحللين هو أن يقرر ترمب ببساطة إعلان النصر وإنهاء العمليات.
ويشير تقرير أكسيوس إلى أن الرئيس الأمريكي قد يعتبر أن تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية كاف لإعلان "انتصار تاريخي".
وفي هذه الحالة، قد تسحب الولايات المتحدة قواتها حتى لو لم تُحل القضايا السياسية الأساسية المتعلقة بالنظام الإيراني.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة، إذ حذّر ترمب نفسه من أن السماح "بالقائد الخطأ" في إيران قد يؤدي إلى عودة الحرب بعد سنوات.
بالنسبة للمتظاهرين الإيرانيين، قد يُنظر إلى زعيم تدعمه الولايات المتحدة من داخل النظام كخيانة وليس تحريرا
طرح ترمب فكرة استبدال في إيران قيادة أخرى من داخل النظام، مشيرا إلى تجربة إسقاط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واختطافه في عملية عسكرية نفذها الجيش الأمريكي في الثالث من يناير/كانون الثاني، حيث كلفت نائبته ديلسي رودريغيز بتولي منصب الرئيس بالوكالة.
لكن خبراء، نقل عنهم موقع أكسيوس، يرون أن مقارنة إيران بفنزويلا لها حدود كبيرة تتجاوز الجغرافيا، حيث إن التعامل مع البلدين كشيء واحد ينم عن سوء فهم لهيكل السلطة في الجمهورية الإسلامية التي نجت من 47 عاما من العقوبات والحروب والانتفاضات الداخلية، وتحصنت بمؤسسات عسكرية ودينية وسياسية مصممة للبقاء بعد رحيل أي زعيم فردي.
وبالنسبة للمتظاهرين الإيرانيين، قد يُنظر إلى زعيم تدعمه الولايات المتحدة من داخل النظام كخيانة وليس تحريرا.
بدورها، رسمت صحيفة تايمز البريطانية في تحليل لمراسليْها أوليفر رايت وجاك بارنيت، 3 سيناريوهات محتملة لنهاية الحرب مع إيران وتأثيراتها الاقتصادية على بريطانيا والعالم.
الأول يتمثل في انتهاء سريع للصراع خلال أسابيع قليلة، وهو ما سيحدّ من الأضرار الاقتصادية، إذ قد تعود أسعار النفط إلى نحو 65 دولارا للبرميل وتنخفض أسعار الغاز، ما يعني ارتفاعا طفيفا فقط في التضخم وتراجعا محدودا في النمو لا يتجاوز 0.2%، مع احتمال تأجيل خفض أسعار الفائدة دون إلغائها.
السيناريو الثاني يفترض استمرار القتال لعدة أشهر، ما قد يعرقل إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز ويرفع أسعار النفط إلى نحو 130 دولارا للبرميل.
أما السيناريو الثالث -وهو الأسوأ برأي الصحيفة- فيتمثل في تصعيد طويل وموسع قد يدفع النفط إلى نحو 150 دولارا للبرميل ويؤدي إلى تباطؤ حاد في الاقتصاد العالمي، وربما ركود في بعض الدول مع ارتفاع التضخم وتراجع النمو.
ويرى محللون اقتصاديون، استشهدت تايمز بأقوالهم، أن حربا قصيرة الأمد ستكون تداعياتها عابرة دون أن تترك ندوبا اقتصادية دائمة.
بينما يميل ترمب إلى إنهاء العمليات العسكرية قريبا، يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يفضل استمرار الحملة حتى تحقيق تغيير سياسي في إيران
إحدى أبرز القضايا التي سلّطت عليها صحيفة وول ستريت جورنال الضوء هي الخلافات المتزايدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول توقيت إنهاء الحرب.
فبينما يميل ترمب إلى إنهاء العمليات العسكرية قريبا، يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يفضل استمرار الحملة حتى تحقيق تغيير سياسي في إيران.
ووفق الصحيفة، فإن المسؤولين الإسرائيليين يوسعون نطاق أهدافهم ليشمل منشآت الطاقة الإيرانية، في محاولة لزيادة الضغط على النظام.
لكن الإدارة الأمريكية طلبت من إسرائيل التوقف عن استهداف البنية التحتية للطاقة دون موافقة واشنطن.
وقال الخبير في مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ للصحيفة إن ترمب قد يكتشف صحة أقدم دروس الصراعات البشرية التي تفيد بأن " بدء الحرب أسهل بكثير من إنهائها".
وأضاف أن إنهاء الضربات دون مسار دبلوماسي واضح قد يؤدي إلى "أسوأ السيناريوهات"، حيث تستمر إيران في استخدام نفوذها في مضيق هرمز بينما تواصل إسرائيل هجماتها.
يحذر بعض المحللين من أن الحرب قد تؤدي إلى سيناريو أكثر خطورة يتمثل في انهيار الدولة الإيرانية.
وفي هذا السياق، يطرح بريت ستيفنز في مقاله بنيويورك تايمز احتمال أن تتحول إيران إلى ساحة صراع داخلي يشبه ما وصفها بـ" الحرب الأهلية في سوريا".
وقد يؤدي ذلك -برأيه- إلى تدخل قوى خارجية، واندلاع صراعات عرقية داخل البلاد، وظهور موجات كبيرة من اللاجئين.
وفي تصور الكاتب أن هذا السيناريو قد يبدو جذابا للبعض في إسرائيل، لأنه يقضي على التهديد الإيراني، لكنه سيشكل "كابوسا إستراتيجيا" للولايات المتحدة وحلفائها.
تتفق الصحف الخمس على أن الحرب في إيران بدأت دون سابق إنذار كبير، وقد تنتهي بنفس الطريقة. لكن النهاية ليست مجرد توقف للقصف؛ بل هي معركة حول من سيحدد شكل الشرق الأوسط الجديد.
فبين رغبة ترمب في "الانتصار والانسحاب" كما في فنزويلا، وإصرار إسرائيل على "تغيير التاريخ" عبر إسقاط النظام الإيراني، وخشية بريطانيا وأوروبا من "ندوب اقتصادية" لا تندمل، تبقى إيران في حالة انتظار لما ستحمله "أيام الضربات الأكثر كثافة".
ونقلت مجلة نيوزويك عن علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، القول إن ترمب "من خلال تلميحه بوقف القصف دون مخرج دبلوماسي موثوق، فإنه يغامر بإحداث أسوأ العواقب؛ فإيران لديها كل الحوافز لمواصلة استخدام نفوذها على مضيق هرمز، بينما قد لا ترى إسرائيل سببا لوقف حملتها العسكرية الخاصة".
في نهاية المطاف، يتفق معظم المحللين على أن مسار الحرب لا يزال غير واضح.
فبينما يرى البعض أن تغيير النظام في إيران قد يكون ممكنا، يعتقد آخرون أن أقصى ما يمكن تحقيقه هو إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وإجبار طهران على التفاوض.
لكن تقرير أكسيوس ذكر أن "الحرب مع إيران بدأت دون إنذار، وربما تنتهي بالطريقة نفسها".
وهذا يعني أن النهاية قد تأتي فجأة، سواء عبر إعلان نصر سريع، أو اتفاق دبلوماسي، أو تطور غير متوقع يقلب مسار الصراع بالكامل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة