آخر الأخبار

"حرب غير متكافئة".. لماذا أصبحت مصادر الطاقة أهدافا عسكرية لإيران؟

شارك

في موجة تصعيد غير مسبوقة، تحولت مصادر الطاقة في دول الخليج العربي إلى ساحة مواجهة رئيسية في الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وذلك عقب الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي أودت بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي وقيادات عسكرية بارزة.

وفي قراءة إستراتيجية للتصعيد الإيراني، يرى محللون -تحدثوا للجزيرة نت- أن طهران تخوض "حربا غير متكافئة" تستخدم فيها موقعها الجغرافي وقدراتها الصاروخية المحدودة لتحويل المواجهة العسكرية إلى "حرب اقتصادية وحرب طاقة" تؤثر على العالم بأسره.

فإيران تستغل تحكمها في مضيق هرمز وقدرتها على ضرب ناقلات النفط لإجبار قوى عالمية كبرى -مثل الاتحاد الأوروبي والصين والهند واليابان- على الضغط من أجل وقف الضربات على أراضيها، في إستراتيجية تهدف إلى "إعادة صياغة قواعد الاشتباك" مع واشنطن وتل أبيب، حسب ما قاله المحللون.

وشهد أمس الاثنين حوادث أمنية متزامنة طالت بنى تحتية للطاقة ومرافق مدنية؛ ففي قطر أعلنت شركة "قطر للطاقة" توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بسبب هجوم عسكري على مرافقها في رأس لفان ومسيعيد. وفي السعودية تم اعتراض مسيّرتين استهدفتا مصفاة رأس تنورة وأُغلقت المصفاة احترازيا، بينما سقطت شظايا في مصفاة ميناء الأحمدي الكويتية، واستُهدفت ناقلة نفط شمال غرب ميناء السلطان قابوس العُماني.

وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الغاز الأوروبية بنسبة 50%، في حين قفزت أسعار النفط وسط مخاوف من اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.

4 أبعاد إيرانية لمواجهة التفوق الأمريكي

وفي قراءته للإستراتيجية الإيرانية، يؤكد الخبير في الأمن القومي والعلاقات الدولية محمد عبد الواحد أن "إيران لم تغير هدفها، وحتى الضربات على الخليج كانت جزءا منها، متمثلة في التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو ضرب ناقلات الطاقة".

إعلان

ويوضح عبد الواحد -في حديثه للجزيرة نت- أن "إيران تعلم تماما، كما تعلم الولايات المتحدة، أنها في مواجهة مع قوة عسكرية غير متكافئة، لذلك تفضل تجنب المواجهات المباشرة لأنها ليست في مصلحتها".

ويشير خبير الأمن القومي إلى أن "أمريكا وإسرائيل يقومان بضربات في العمق الإيراني في غياب دفاعات جوية قوية". وأضاف أن ذلك دفع طهران إلى الاعتماد على إستراتيجيات الحروب غير المتكافئة لتعظيم قدراتها البسيطة في مواجهة قوة عظمى.

ويفصّل عبد الواحد هذه الإستراتيجيات في 4 أدوات رئيسية:


* الصواريخ الباليستية: حيث تعتمد عليها إيران كبديل للمقاتلات والطائرات الكبيرة.

ويقول عبد الواحد إن إيران طورت صواريخها لتكون متقدمة؛ وضرب مثالا على ذلك بصواريخ دخلت العمق الإسرائيلي وتجاوزت الدفاعات المضادة، وبالإضافة إلى ذلك فقد استخدمت سلاح الصواريخ للوصول إلى أهدافها في الخليج.


* إستراتيجية الانتشار بدلا من القواعد الثابتة، ويوضح الخبير أن "معظم صواريخ إيران أصبحت تُطلق من منصات متحركة عبر عربات متنقلة، وهذا يجعل من الصعب على استهدافها .
* الموقع الجغرافي: حيث "تستغل إيران موقعها الجغرافي سياسيا وعسكريا لتحقيق أهداف عدة؛ فهي قادرة على تهديد ناقلات النفط أو ضرب مصادر الطاقة في دول الخليج، كما يمكنها إغلاق مضيق باب المندب.

ويضيف عبد الواحد أن "هذه التحركات تُحول الحرب من عسكرية إلى حرب اقتصادية وحرب طاقة، وهذا يؤثر على العالم بأسره، خاصة الاتحاد الأوروبي الذي يعتمد بشكل كبير على الطاقة من هذه المنطقة، بالإضافة إلى الصين والهند واليابان التي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تهديدات تؤثر على تدفق النفط إليها.


* الحرب النفسية التي "تُضيف لإيران نوعًا من القوة"، إذ إن "إيران تعيد صياغة إستراتيجياتها بما يُعرف "بإعادة الردع للكسر منذ الضربة الأولى"، وإعادة صياغة قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة وإسرائيل. مصدر الصورة ناقلة نفط تعرضت لهجوم قبالة السواحل العمانية في التصعيد الحالي بمنطقة الخليج (رويترز)

حين يصبح النفط سلاحا

من جانبه، يرفض الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والإستراتيجية علي الذهب فكرة الفصل بين البعدين العسكري والاقتصادي في التصعيد الإيراني. ويقول -في حديثه للجزيرة نت- "لا يمكن الفصل بين المفهوم الإستراتيجي العسكري والاقتصادي، حيث إن الإستراتيجيات العسكرية تعني فن توزيع القوى والوسائل واستخدامها لتحقيق أهداف عسكرية أو سياسية".

ويوضح الذهب أن "فن توزيع القوى والوسائل العسكرية لتحقيق الأهداف السياسية يظهر بوضوح في كيفية استخدام إيران قدراتها العسكرية للوصول لأهداف اقتصادية للتأثير على الأطراف المستهدفة وتعزيز مكاسبها السياسية".

ويضيف أن "إيران ضغطت على الدول الخليجية لدفعها للضغط على الولايات المتحدة لوقف أي اعتداء على إيران، مما يتيح مساحة للوساطة وتقليل مدة المواجهة".

ويستبعد الباحث في الشؤون العسكرية أن تكون إيران تسعى لجرّ دول الخليج إلى مواجهة مباشرة، قائلا "إن كنت تتصور من منظور عسكري أن إيران تحاول جر دول الخليج إلى المواجهة، فإن إيران ليست بهذه السذاجة".

إعلان

ويوضح هذه الزاوية بأن دول الخليج إذا دُفعت إلى حرب، فهذا يعني تدويلها لتصبح حربًا دولية أو عالمية بمفهوم أوسع، حيث تدخل فيها محاور أخرى مثل الصين وباكستان والهند وبريطانيا، وربما العراق، وكذلك الحوثيون".

ويرى الذهب أن الهدف الإيراني الحقيقي هو دفع دول الخليج إلى تسوية سياسية لهذه الحرب تشمل ملفات كثيرة مثل البرنامج النووي الإيراني، وبرامج الصواريخ والطائرات المسيرة.

ضغط سياسي واقتصادي

وتكتسب ضربات إيران لمصادر الطاقة الخليجية أهمية استثنائية بالنظر إلى الثقل الاقتصادي للمنطقة، فرغم أن إيران تضخ نحو 3.3 ملايين برميل يوميا فقط (3% من الإنتاج العالمي)، فإنها تمتلك نفوذا يتجاوز حجم إنتاجها بحكم موقعها الجغرافي على مضيق هرمز، حيث تمر معظم صادرات النفط القادمة من دول الخليج عبر هذا الممر للوصول إلى الصين والهند واليابان.

وقال الباحث المتخصص في سياسات الشرق الأوسط بالمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية حسن الحسن إن "إيران وسّعت بنك أهدافها ليشمل البنية التحتية المدنية في دول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك منشآت النفط والغاز ومحطات الطاقة، في محاولة للضغط سياسيا واقتصاديا على المنطقة والعالم".

وأوضح أن "طهران تسعى من خلال هذا التصعيد إلى تحميل الاقتصاد العالمي كلفة المواجهة، عبر التأثير على أمن الطاقة وإمدادات الغاز والنفط، خاصة للدول الأوروبية والآسيوية المعتمدة على صادرات الخليج".

وتؤكد الوقائع على الأرض خطورة الوضع؛ فقد أعلنت وكالة "تسنيم الإيرانية" استهداف سفينة كانت تحاول العبور بشكل غير قانوني من مضيق هرمز وإغراقها، كما قال الحرس الثوري الإيراني إن ناقلة الوقود "أثينا نوفا" التابعة لحلفاء الولايات المتحدة احترقت إثر إصابتها بمسيّرتين.

ويشدد الباحث علي الذهب على أن الإستراتيجية الإيرانية تعتمد على حسابات مستندة إلى المناورة والمقاومة ضمن حدود مرنة. ويضيف أن "إيران استفادت من دروس قاسية، خاصة من الضربات التي تلقتها في يونيو/حزيران العام الماضي". مبينا أنها الآن تظهر مرونة عالية في التعامل مع مصادر التهديد في منطقة الخليج، سواء على اليابسة أو في البحر.

ويرى الخبير في الأمن القومي محمد عبد الواحد أن استهداف المرافق الاقتصادية يمثل "المرحلة الثانية من التصعيد الإيراني الممنهج"، مؤكدا أن "فكرة الضغط عبر الخليج ومضيق هرمز ليست جديدة في الأدبيات السياسية الإيرانية، بل تعود إلى عقود، بما في ذلك فترة الحرب العراقية الإيرانية".

ويجمع المحللون على أن إيران تخوض حربا محسوبة الأهداف، تستخدم فيها موقعها الجغرافي الإستراتيجي وقدراتها العسكرية المحدودة لتحقيق أقصى تأثير ممكن، فهي تحوّل المواجهة العسكرية غير المتكافئة إلى حرب اقتصادية شاملة تجبر القوى الدولية الكبرى على الضغط من أجل وقف الهجمات على أراضيها.

وفي حين يرى محمد عبد الواحد أن إيران تسعى إلى "إعادة صياغة قواعد الاشتباك" مع الولايات المتحدة وإسرائيل عبر توسيع دائرة التأثير، فإن علي الذهب يؤكد أن الهدف النهائي هو الوصول إلى "تسوية سياسية شاملة تتضمن ملفات البرنامج النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا