واشنطن- جاء خطاب الرئيس دونالد ترمب عن حالة الاتحاد أمام جلسة مشتركة ل لكونغرس، فجر الأربعاء، وهو الثاني في فترة حكمه الثانية والأخيرة، ترمبيًّا بامتياز، وخاليا من أي مفاجآت.
ويُعد خطاب الاتحاد أحد أبرز فرص الرئيس الأمريكي لعرض رؤيته للحكم سنويا، حيث يجذب عادة جمهورا تلفزيونيا كبيرا في وقت الذروة المسائية.
وروى ترمب في خطابة الطويل، الذي استغرق 107 دقائق، ما اعتبره "قصة نجاح استثنائية" للعام الأول من فترة حكمه الثانية، وشرح كيف عكست سياساته الداخلية والخارجية رؤيته الكبرى لأمريكا خلال السنوات الثلاث القادمة.
ووفق الكاتب والمحلل السياسي والعضو با لحزب الجمهوري بيتر روف، فإن خطاب ترمب تعرض لقائمة موضوعات صعبة مثيرة للاهتمام، إلا أن ترمب عرضها كمواد ترفيهية. وتمكن من رسم خطوط صارمة بين إنجازات إدارته، وبين عدم صحة ادعاءات الديمقراطيين.
وأضاف روف للجزيرة نت أن "ترمب رسم الخطوط العامة للانتخابات القادمة. وفي الوقت الحالي، سيضطر الديمقراطيون لتقديم بدائل حقيقية لأجندة ترمب، وليس فقط الترشح ضد شخص الرئيس، إذا كانوا يأملون الفوز بالسيطرة على الكونغرس ثم في انتخابات نوفمبر".
وألقى ترمب خطابه وعقله مركز على انتخابات الكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل؛ حيث يقاتل الجمهوريون للحفاظ على السيطرة على مجلس الشيوخ، ويمتلكون حاليا أغلبية 53 مقابل 47 مقعدا، وفي مجلس النواب، حيث هامش الفرق أصغر (218 مقابل 214).
من هنا يواجه ترمب معضلة كبيرة نظرا لأن الحزب المسيطر على البيت الأبيض يخسر تاريخيا منذ الحرب العالمية الثانية متوسط أكثر من 20 مقعدا في مجلس النواب في انتخابات منتصف المدة، إضافة إلى عدد من مقاعد مجلس الشيوخ.
جاء خطاب ترمب عاطفيا مثيرا وحادا في الوقت ذاته، ودشن لموسم انتخابي حاسم في انتخابات الكونغرس المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل وسط تدهور نسب الرضا الشعبي عن أدائه في مختلف استطلاعات الرأي الحديثة، وعلى رأسها تراجع ثقة الناخبين في الاقتصاد وفي سياسات الهجرة.
وبعدما أصبحت قضيتا الهجرة والاقتصاد بمثابة العمود الفقري لإدارة ترمب منذ استخدامهما في حملته الانتخابية عام 2024، اتخذ الرئيس موقفا دفاعيا فيما يتعلق بالقضيتين، بل قضى دقائق طويلة يتحدث عن الهجرة والجريمة، ومخالفات المهاجرين.
وبعدما نجح ترمب في إغلاق الحدود الجنوبية مع المكسيك وأوقف الهجرات غير النظامية عبر الأراضي المكسيكية التي كان يؤيدها أغلب الأمريكيين، جاء خطابه الذي يعد بمثابة كشف حساب عن عامه الأول في الحكم، في لحظة استثنائية من غضب شعبي واسع بسبب أجندته المتعلقة بالهجرة.
وقد كانت سياسات تشديد قيود الهجرة إحدى أقوى القضايا بالنسبة للرئيس، إلا أن إجراءات الإدارة العدوانية في التنفيذ، التي نتج عنها مقتل مواطنين أمريكيين، تسببت في رد سياسي كبير، وأجبرته على سحب قوات شرطة الهجرة من شوارع ولاية مينيسوتا.
ويحذر الكثير من قادة الحزب الجمهوري من أن أجندة ترمب المتعلقة بالهجرة تضر بقطاعات الصناعة والزراعة والخدمات، كما ستتسبب في فقدان تأييد الناخبين من أصول لاتينية في انتخابات الكونغرس الحاسمة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وقال ترمب "في المستقبل، ستستمر المصانع والوظائف والاستثمارات وتريليونات الدولارات في التدفق إلى الولايات المتحدة، لأننا أخيرا لدينا رئيس يضع أمريكا أولا. ولعقود قبل أن آتي، كان لدينا العكس تماما. من التجارة إلى الرعاية الصحية، ومن الطاقة إلى الهجرة، تمت سرقة كل شيء وتلاعبوا لسحب الثروة من الناس المنتجين والمجتهدين الذين يتحكمون في دولتنا".
وتتراجع ثقة الأمريكيين في إدارة الرئيس للاقتصاد، بعدما اعتمد نجاحه في انتخابات 2024 عليها، واعتبر الاقتصاد ميزة انتخابية يمتلكها. وكان الانطباع العام هو أن عودة ترمب إلى البيت الأبيض مفيدة للاقتصاد. إلا أن ارتفاع معدلات التضخم، ومعاناة الكثير من الأمريكيين صعوبات معيشية لم يسبق أن عرفوها، دفعَا إلى التشكيك وإثارة القلق بين الجمهوريين قبل انتخابات الكونغرس القادمة.
ووجد استطلاع أجرته وكالة أسوشيتد برس هذا الشهر أن 39% فقط من الأمريكيين يوافقون على طريقة تعامل ترمب مع الاقتصاد، بينما يرفض طريقته 59% منهم.
ووجد استطلاع حديث لشبكة "إن بي سي" أن 34% فقط من الناخبين المسجلين يرون أن ترمب "حقق" توقعاتهم بشأن الاقتصاد، بينما قال 63% منهم إنه "لم يحقق النتائج" المرجوة.
ورفض ترمب استطلاعات الرأي التي تظهر أنه يقلل من قيمة الاقتصاد واعتبرها "مزيفة"، وروج لسوق الأسهم ليجادل بأن الأمور تسير على ما يرام، ولم يستغل فرصة الخطاب لإعلان أي تغيير في مسار سياساته الاقتصادية.
جاء خطاب حالة الاتحاد في لحظة حاسمة في السياسة الخارجية الأمريكية، إذ يضغط ترمب على إيران لحل برنامجها النووي، ولم يستبعد استخدام القوة لتحقيق ذلك. وفي الأيام الأخيرة، وسّع الجيش الأمريكي وجوده في الشرق الأوسط، وأرسل طائرات مقاتلة إضافية وحاملة طائرات ثانية إلى المنطقة.
وبعد أن تعهد بتوجيه الولايات المتحدة بعيدا عن التورط في أي صراعات خارجية أخرى، اتخذ ترمب موقفا أكثر عدوانية في خطاب حالة الاتحاد، وسعى إلى تبرير موقفه خاصة للناخبين الذين اعتمدوا على وعده بمنهج "أمريكا أولا" وعدم التدخل في شؤون دول أخرى، وذلك بالتخويف من مدى صواريخ إيران الباليستية التي ادعى أنها قد يصل مداها يوما ما إلى الأراضي الأمريكية.
كما تحدث ترمب بحماس عما اعتبره سجلا ذهبيا في صنع السلام حول العالم، وقال "كرئيس، سأصنع السلام حيثما استطعت، لكنني لن أتردد أبدا في مواجهة التهديدات لأمريكا أينما اضطررنا". وكرر ترمب تهديداته لإيران، وأكد أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة إذا فشلت المفاوضات.
وبمناسبة احتفال أمريكا هذا العام بذكرى مرور 250 عاما على استقلالها بالثورة على التاج البريطاني عام 1776، قال ترمب إن "الثورة لا تزال مستمرة، لأن شعلة الحرية والاستقلال لا تزال مشتعلة في قلوب كل وطني أمريكي".
المصدر:
الجزيرة