آخر الأخبار

النقلة الخطيرة في تعميق ضم الضفة الغربية

شارك

عند النظر والتدقيق في القرارات التي صادق عليها المجلس الوزاري المصغر في دولة الاحتلال الإسرائيلي مؤخرا- والتي شملت السماح للإسرائيليين بالتملك في الضفة، وأقرت إجراءات إدارية جديدة- يتبين أنها جملة قرارات من شأنها تسريع الاستيطان في الضفة الغربية، وتعد نقلة خطيرة في تعميق مسار الضم الفعلي للضفة الذي بدأ منذ زمن طويل، ومن أبرز محطاته جدار الفصل العنصري الذي كان أحد أهدافه دمج المستوطنات الإسرائيلية، وعزل القرى الفلسطينية عن بعضها، مرورا بمشاريع الطرق الالتفافية التي مهدت لبناء المستوطنات في منطقة (E1) وغيرها.

مسار قديم ومستمر

تأتي القرارات الأخيرة في سياق سلسلة من الخطوات التي تعمل على ضم الضفة الغربية، ومن أبرزها، نقل صلاحيات أساسية في إدارة الاستيطان والمنطقة "ج" من الإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي، إلى إدارة الاستيطان التابعة للوزير بتسلئيل سموتريتش، والتي ترأسها يهودا إلياهو، وقد مُنح سموتريتش حقيبة وزارية في إطار الفصل الذي حدث داخل وزارة الدفاع.

فبالإضافة إلى منصبه كوزير للمالية أصبح سموتريتش مسؤولا عن إدارة صلاحيات واسعة تتعلق بشؤون الحياة في الضفة الغربية، إذ وقع هو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت في فبراير/شباط 2023 على اتفاقية مبادئ وتقسيم المسؤوليات والصلاحيات بين وزير الدفاع، والوزير المساعد في وزارة الدفاع.

وبهذه الخطوة انتزع سموتريتش لنفسه إدارة الشؤون المدنية من الجيش الإسرائيلي، وذلك لنقل السيطرة من صفة مؤقتة لصفة دائمة، منهيا فترة عسكرية خالصة امتدت منذ عام 1967.

وقد سرعت هذه الخطوة وتيرة التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وأوقفت فاعلية تطبيق قوانين البناء ضد المستوطنين، فيما زادت عمليات هدم منازل الفلسطينيين.

إضافة لذلك، منذ فوز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بولايته الثانية في عام 2024 بُذلت جهود كبيرة من أجل تهيئة الظروف لضم الضفة الغربية، وتم تقديم قوانين وتشريعات جديدة لإعادة تسمية الضفة الغربية بيهودا والسامرة، وذلك لتغيير هذه الصيغة في المراسلات الأمريكية الرسمية.

إعلان

ويذكرنا هذا بما حدث في أغسطس/آب 2025، إذ أقالت وزارة الخارجية الأمريكية شاهد قريشي كبير مسؤوليها الإعلاميين لشؤون إسرائيل وفلسطين بعد خلافات حادة حول صياغة بيانات تتعلق بسياسات إدارة ترمب، ومنها خلاف قريشي مع ديفيد ميلستين، مستشار السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي الذي أصر على استخدام تسمية "يهودا والسامرة" بدلا من الضفة الغربية من أجل شرعنة الاستيطان والضم.

تحول هذه الخطوات المتتابعة الضفة الغربية إلى ساحة سيادة فعلية بشكل كبير جدا، كما تعد دفنا عمليا لفكرة الدولة الفلسطينية التي حظيت باعترافات مهمة في الأمم المتحدة مؤخرا بعد "طوفان الأقصى"

ضم مقنَن

وفي هذا السياق، تم فتح سوق تملك الأراضي للإسرائيليين في الضفة الغربية، حيث قام المجلس الوزاري المصغر برفع القيود عن بيع أملاك فلسطينية للإسرائيليين، كما سمح بهدم الأملاك في مناطق السلطة الفلسطينية، إضافة إلى نقل صلاحيات التخطيط في مدينة الخليل، ومحيط الحرم الإبراهيمي، وبيت لحم إلى إسرائيل، ومن شأن هذه القرارات أن تغير الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية.

ومن أجل تسهيل تملك الأراضي للمستوطنين في الضفة الغربية قام الاحتلال الإسرائيلي بإلغاء تشريعات تعود للعهد الأردني، فقد منعت هذه التشريعات إضافة إلى اتفاقيات أوسلو، عمليات البيع للإسرائيليين في مناطق الضفة الغربية، حيث كان القانون الأردني يحظر بيع الأراضي لغير العرب، وقد كان هناك سرية مفروضة على سجلات الأراضي.

ولكن مع إلغاء القوانين القديمة من قبل الاحتلال الإسرائيلي أصبحت أسماء المالكين متاحة، وهذا يوفر للراغبين بالشراء من الإسرائيليين تحديد مالكي الأراضي والتواصل معهم مباشرة؛ لعرض شراء أراضيهم. كما أن هذا الأمر سيؤدي إلى استهداف ملاك فلسطينيين محددين؛ بحجة السفر أو الاعتقال.

ويذكر أن هذه الخطوة تأتي بعد سياسة اقتصادية مشددة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، إذ ستفتح الباب أمام المستوطنين والأثرياء اليهود لشراء أراضٍ بشكل مباشر أو عبر وسطاء، وهذا يخدم أنماط السياسة الإسرائيلية التقليدية المبنية على تفريغ الأراضي من سكانها بشتى الطرق، وتسهيل الاستيلاء عليها بذريعة النزاعات، كما يقلل من تبعات الضغط المترتب على سياسة المصادرة لأراضي الفلسطينيين في القرى.

وفيما يتعلق بصلاحيات الترخيص والبناء في مدينة الخليل، فقد تم نقل هذه الصلاحيات من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي، وستكون الإدارة الإسرائيلية مسؤولة عن التنظيف وإخلاء النفايات والبستنة والصيانة، كما تقرر إنشاء كيان بلدي مستقل للتجمع اليهودي في الخليل لإدارة احتياجات المستوطنين دون الاعتماد على الآليات الفلسطينية.

وهي خطوة ستعمل على منع التوسع العمراني الفلسطيني، إذ إن المتوقع هو رفض كل طلبات البناء التي يقدمها فلسطينيون، ثم هدم كل ما سيبنى دون ترخيص، وهذا سيكون في المناطق المستهدفة في التوسع الاستيطاني بشكل أكثر كثافة.

كما أن ملف النظافة والخدمات البلدية سيتم توظيفه ضد التجمعات والأحياء الفلسطينية في الخليل، بحيث سيتم تقليل هذه الخدمات إلى أقل حد ممكن من أجل تطبيق السياسة التقليدية مرة أخرى؛ لجعل الواقع الفلسطيني غير قابل للحياة. إن ما يجري في الخليل هو بروفة مصغرة لما تريد إسرائيل إنجازه في القدس.

إعلان

كما أن وجود ملكيات خاصة إسرائيلية سيستخدم ذريعة ضد أي مطالبة بالانسحاب أو الإخلاء، إذ إن إسرائيل لن تترك الملكيات الخاصة للمستوطنين واليهود دون حماية عسكرية من الجيش، وستقوم بإنشاء ممرات وطرق خاصة لهم لتأمينهم.

تحوّل هذه الخطوات المتتابعة الضفة الغربية إلى ساحة سيادة فعلية بشكل كبير، كما تعد دفنا عمليا لفكرة الدولة الفلسطينية التي حظيت باعترافات مهمة في الأمم المتحدة مؤخرا بعد "طوفان الأقصى".

فلا يوجد كيان أو دولة يحق لها أن تفتح سوق تملك أراضٍ لمواطنيها في داخل دولة أخرى، حيث إن إسرائيل تعتبر نفسها صاحبة السيادة، في انتهاك فاضح للقانون الدولي الذي يعتبر الضفة الغربية أرضا محتلة.

كما أن العنصرية الإسرائيلية مستمرة في تماديها من خلال سن تشريعات خاصة بالمستوطنين في المناطق الفلسطينية، تقدم لهم حماية وقوانين مختلفة عن تلك التي يتم التعامل بها مع الفلسطينيين.

في الصورة الأوسع، تتيح إسرائيل لمستوطنيها التملك بالضفة مع استمرار خطط الضم والتهويد، ومحاولة تدثير هذه الخطوات الإجرامية بحزمة تشريعات، مع إبقاء غزة في وضع كارثي، والعمل على ترتيبات أمنية وعسكرية من أجل المضي نحو حسم الساحات في الضفة وغزة لصالحها، ومن ثم القدس.

صحيح أن ما تقوم به إسرائيل تهديد وجودي مخطط له منذ عقود، وهي ماضية في تكريس الوقائع على الأرض بشكل حثيث، لكن لا ينبغي التسليم بقدرة إسرائيل على حسم هذه الساحات، أو الانتظار كذلك لمزيد من الخطوات، بل يجب أن يكون هناك توحيد للجهود الفلسطينية والعربية وكل الأطراف التي تهددها سياسات إسرائيل في فلسطين، والمنطقة.

تربط إسرائيل للأسف أقدار الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس معا من خلال استهدافهم جميعا، وهذا لا يمنع أن تتعدد أنواع مقاومة الفلسطينيين، ولكنها يجب أن تخدم نفس الهدف، وأن تتزامن في الضغط على الاحتلال من المقاومة الخشنة، إلى العمل الدبلوماسي، والمقاومة الشعبية، والنضال القانوني وحشد الرأي العام العالمي.

ولهذا في عالم لا يعترف إلا بالقوة لا ينبغي التخلي عن أي شكل من أشكال المقاومة في مرحلة من المراحل، بل يجب تجميع كل أدوات القوة الناعمة والخشنة.

ولهذا فإن الدعوات للتخلي عن القوة لن تفهم إلا أنها استجابة للإكراه العسكري والقهر الممنهج الذي تم تطبيقه، ولن تؤدي إلا إلى زيادته وإغرائه وتوغله وتسهيل عمله.

يمتلك الفلسطينيون في هذا السياق قدرات جيدة، ويوجد مؤشرات في البيئة الإقليمية قد تحدث تحولات إيجابية. غير أننا نرى توسع خطوات إسرائيل في الضفة، هو قراءة لسيولة المنظومة القانونية الدولية، مع تآكل وضع الأمم المتحدة، وقراءة لصعوبة التطبيع في البيئة الإقليمية في ظل تحولاتها بعد "طوفان الأقصى" بالرغم من عدم يأسها من ذلك.

في هذه الصراعات الوجودية لا بد من استخدام كل صور المقاومة التي تقرها الشرعة الدولية؛ لأننا أمام عدو يوسع المستوطنات، ويفتت الأرض، ويقتل الإنسان متجاوزا حالة الإبادة الجماعية. وبالتالي لا بد من التفكير في آليات جديدة لردعه لا في أشكال تخفف من تكلفة جرائمه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا