تتصاعد التوترات في الضفة الغربية مع استمرار الحكومة الإسرائيلية في اتخاذ خطوات عملية لإحكام قبضتها على الأراضي الفلسطينية، بينما يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومعه المسؤولون في واشنطن رفضهم الرسمي لأي ضم للضفة الغربية.
في مستهل هذا الأسبوع، أ قر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) سلسلة من الإجراءات تهدف إلى توسيع صلاحيات الرقابة والإشراف الإسرائيلية لتشمل مناطق مصنفة "أ" و"ب" وفق اتفاق أوسلو، بحجة تنظيم مخالفات البناء والمياه وحماية المواقع الأثرية والبيئية.
ووصف مجلس المستوطنات الإسرائيلية في الضفة هذه القرارات بأنها "الأهم منذ 58 عامًا"، معتبرًا أنها ترسخ عمليًا سيادة إسرائيل على الأرض وتؤكد "حق الشعب اليهودي فيها".
وتتيح هذه الإجراءات تنفيذ عمليات هدم ومصادرة للممتلكات الفلسطينية في مناطق كانت تخضع للسلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى تسهيل بناء المستوطنات وتوسيع النفوذ الإسرائيلي عمليًا، رغم مخالفتها لنصوص اتفاق أوسلو .
وقال وزراء الدفاع والمالية الإسرائيليان ، يسرائيل كاتس وبتسلئيل سموتريتش، في بيان مشترك، إن هذه القرارات "تغيّر الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية"، وتهدف إلى إزالة العوائق القديمة وإلغاء تشريعات أردنية كانت تمنع بيع الأراضي لغير العرب ورفع السرية عن سجلات الأراضي، ما يتيح للمشترين معرفة مالكي الأراضي والتواصل معهم مباشرة.
وتأتي هذه الخطوات ضمن سلسلة متراكمة اتخذتها الحكومة الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية، شملت توسيع صلاحيات الإدارة المدنية، تسريع المصادقة على مخططات استيطانية، وتقليص الدور الفلسطيني في إدارة الأراضي، ما يعزز ما يصفه محللون بـ"الضم الفعلي" للضفة الغربية.
وكان سموتريتش قد أعلن نهاية العام الماضي تخصيص أكثر من 1.1 مليار شيكل ضمن خطة استيطانية جديدة، تشمل تمويل إقامة مستوطنات جديدة وتوسيع بؤر قائمة.
يتعارض القرار الإسرائيلي مع طلبات الرئيس الأمريكي ترامب ومبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إذ طلب الاثنان من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اجتماع عقد في ديسمبر/كانون الأول الماضي تهدئة الوضع في الضفة الغربية.
وفي المقابل، أكد ترامب في مقابلة مع موقع أكسيوس رفضه أي ضم للضفة، لكنه لم يتخذ إجراءات عملية تعرقل تنفيذ الخطوات الإسرائيلية، مكتفيًا بالاعتراض اللفظي.
وقال: "لدينا ما يكفي من الأمور التي تشغلنا الآن.. لسنا بحاجة إلى الخوض في شؤون الضفة الغربية". وكان ترامب قد شدد في سبتمبر/أيلول الماضي، قبل الإعلان عن خطة وقف إطلاق النار في غزة، على أنه لن يسمح بضم الضفة الغربية، وسط استياء عربي وإسلامي وقلق أمريكي من تأثير ذلك على خطط السلام المقترحة.
وفي خطوة عملية، ألغت الإدارة الأمريكية أمرًا سابقًا صدر في عهد الرئيس جو بايدن لمعاقبة الأفراد والجهات المرتبطة بعنف المستوطنين، ما أزال إحدى أدوات الضغط الأمريكية المتاحة.
وتوضح الصحف الأمريكية أن الإدارة في واشنطن فضّلت الاعتراض اللفظي على الإجراءات الإسرائيلية بدل استخدام "أدوات الإكراه"، مع التركيز على منع الانهيار الأمني أو الاقتصادي في الضفة، بدل فرض مسار سياسي جديد يتعارض مع الخطوات الإسرائيلية.
وأتاح هذا النهج إمكانية رفض أي ضم رسمي للضفة الغربية دون ربطه بعقوبات ملموسة أو شروط محددة على المساعدات والدعم المقدم لإسرائيل، ما يخلق بدوره خلافات داخل المؤسسات الأمريكية، حيث يرى بعض المسؤولين أن أي تحرك ضد تل أبيب قد يُفسّر على أنه تخلي عن شريك استراتيجي في المنطقة.
نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقريرًا موسعًا وثّق تسارع عمليات ا لاستيطان وتهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية بوتيرة غير مسبوقة.
ورصد التقرير عائلات فلسطينية وهي تحزم ممتلكاتها القليلة استعدادًا للرحيل، تحت ضغط مستمر من المستوطنين، وسط غموض كامل حول وجهتها المستقبلية.
وأشارت الصحيفة إلى أن التهجير لا يقتصر على القوة العسكرية فقط، بل يشمل سياسة "الخنق الاقتصادي" والترهيب اليومي، ينفذها مستوطنون، بمن فيهم قاصرون، ضمن مجموعات منظمة تحظى بغطاء سياسي رسمي.
وكشفت هآرتس وجود 147 مستوطنة و191 بؤرة استيطانية غير مرخصة يقطنها نحو 478 ألف مستوطن، مقابل 2.8 مليون فلسطيني، ما يعكس استمرار الضغوط على الفلسطينيين وتضييق فرص حل الدولتين.
في نفس الوقت، تشير تقديرات فلسطينية إلى أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية بلغ بحلول نهاية عام 2024 نحو 770 ألفًا موزعين على 180 مستوطنة و256 بؤرة استيطانية، من بينها 138 بؤرة ذات طابع رعوي أو زراعي، فيما نفذ المستوطنون نحو 4723 اعتداء في عام 2025، أسفر عن مقتل 14 فلسطينيًا وتهجير 13 تجمعًا بدويًا يضم نحو 1090 شخصًا.
أما الأمم المتحدة فتؤكد أن الاستيطان في الأراضي الفلسطينية يخالف القانون الدولي ويقوّض فرص تنفيذ حل الدولتين، داعية منذ سنوات إلى وقفه فورًا.
المصدر:
يورو نيوز