استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأربعاء نظيره التركي رجب طيب أردوغان، في ثالث زيارة إلى مصر منذ استئناف العلاقات بين البلدين، بعد تدهور استمر لنحو 12 عاما.
وخلال مؤتمر صحفي بين الرئيسين، قال السيسي إن بلاده تسعي إلى ترسيخ السلام في المنطقة، مؤكدا أن الأمن والاستقرار "مسؤولية" جماعية، في حين قال أردوغان إنه سيعمل مع مصر على مبادرات لتحقيق السلام وإعادة الإعمار في قطاع غزة.
وتأتي زيارة أردوغان في توقيت "لافت وضاغط" حسبما يرى محللون تحدثت إليهم بي بي سي، حيث تتقاطع البلدان في عدد من الملفات الأساسية في المنطقة، ووسط تهديدات بتصعيد أمريكي جديد ضد إيران، جارة تركيا.
في حديث مع بي بي سي، يقول رئيس مجلس الديمقراطية والمحلل السياسي المصري كرم سعيد، إن زيارة أردوغان إلى مصر تأتي في توقيت شهدت فيه العلاقة بين مصر وتركيا تنسيقا لافتا فيما يتعلق بقضايا المنطقة وصراعات الإقليم، على رأسها التوترات في قطاع غزة والأوضاع في ليبيا واليمن وسوريا والسودان، وأيضا التصعيد الأمريكي ضد إيران.
ويوضح سعيد "هذا التصعيد يؤثر على المصالح الاستراتيجية للبلدين، فتركيا لديها ارتباطات في مجال الطاقة مع إيران، وإذا وقعت مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران، سينعكس ذلك على ممرات الملاحة البحرية في الإقليم ومنها قناة السويس"، مضيفا "ربما هناك رغبة مصرية تركية سعودية في تهدئة التوترات ومحاولة كبح جماح التدخل الأمريكي ضد إيران.
وتصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، بعد تهديدات أمريكية متتالية بتنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران، بعد ما وصفته واشنطن "بقمع" الاحتجاجات التي اندلعت في إيران الشهر الماضي.
وترفض تركيا بشكل قاطع العمل العسكري ضد إيران، التي تتشارك معها في حدود بأكثر من 500 كيلومتر، وتخشى اندلاع أزمة لاجئين على حدودها، إلى جانب التوترات المتوقعة المترتبة على هذه الضربة، إذا شددت إيران أنها سترد بقوة على أي عمل عسكري ضدها.
تأتي زيارة أردوغان أيضا في وقت تسعى فيه القوى الدولية إلى بدء تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والذي تم برعاية مصرية- أمريكية- قطرية- تركية، وشارك أردوغان في مراسم إعلان الاتفاق في مدينة شرم الشيخ في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
في هذا السياق، يقول عضو حزب العدالة والتنمية التركي يوسف كاتب أوغلو، إن هدف تركيا في هذه المرحلة هو "تنسيق وجود قوات حفظ السلام والمشاركة في إعادة الإعمار، والضغط على إسرائيل للالتزام بالاتفاق".
ويؤكد هذه النقطة الباحث المصري بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية بشير عبد الفتاح، حيث يقول "إن تطابق المواقف بين تركيا ومصر بشأن غزة وإيران من شأنه أن يساعد كثيرا في توحيد الضغوط للضغط على الولايات المتحدة لدفع السلام قدما في غزة وللتراجع عن فكرة توجيه ضربة عسكرية إلى إيران".
وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، أعلن المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف بدء تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، والتي تشمل إعادة إعمار قطاع غزة ونزع السلام بالكامل من القطاع، بما في ذلك سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى.
وتسعى تركيا للمشاركة في القوة الدولية المقرر إدخالها إلى غزة، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال إن إسرائيل "ترفض وجود جنود أتراك أو قطريين داخل قطاع غزة".
وترى دول عدة من بينها مصر وتركيا أن ما تصفه بـ"الانتهاكات المتكررة" من الجانب الإسرائيلي لوقف إطلاق النار، تعرقل الجهود الرامية إلى المضي قدما في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة "ترامب للسلام"، وذلك بحسب بيان لوزراء خارجية ثمان دول من بينهم مصر وتركيا.
ونفذت إسرائيل ضربات عدة على قطاع غزة جوية وبرية على القطاع خلال الشهر الماضي، أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الفلسطينيين في القطاع.
ومنذ التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قُتل 529 فلسطينياً وأُصيب أكثر من 1460 آخرين.
ويقول الجيش الإسرائيلي إنه نفذ "ضربات دقيقة من البر والجو"، ردا على إطلاق نار على قواته داخل القطاع.
من بين الملفات التي يرى محللون أن مصر وتركيا باتا يتفاهمان حولها، هو الملف الليبي، والذي شهد خلافا حادا بين البلدين لسنوات، في ظل تقارب القاهرة من الشرق الليبي، وتحالف أنقرة مع الغرب الليبي.
يعود المحلل السياسي كرم سعيد ليوضح، "هناك توافق مصري تركي حول تسوية الأزمة الليبية، يظهر بعد الانفتاح التركي على شرق ليبيا، والانفتاح المصري على غرب ليبيا"، مضيفا "بات هناك أرضية مشتركة واسعة بين البلدين لتسوية أغلب القضايا العالقة".
أيضا يقول عضو العدالة والتنمية التركي يوسف كاتب أوغلو "مصر وتركيا انتقلتا إلى مرحلة جديدة من التنسيق الأمني والاستراتيجي لمعالجة الملفات العالقة والساخنة إقليميا، في ليبيا والسودان وسوريا والصومال وغيرهم".
إلى جانب التفاهمات السياسية حول القضايا الإقليمية، شهدت العلاقات بين البلدين نموا واضحا في العلاقات الاقتصادية، وأعلن الرئيسان خلال اجتماعاتهما أن التبادل الاقتصادي والتجاري بين البلدين كان جزءا أساسيا من الاجتماعات التي عقدت في القاهرة.
وخلال المؤتمر الصحفي بين السيسي وأردوغان، قال السيسي إن بلاده تسعى إلى رفع حجم التبادل التجاري مع تركيا إلى 15 مليار دولار بحلول 2028، معتبراً أن زيارة أردوغان لمصر تمثل فرصة ثمينة لتعزيز المشاورات، وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا 6.8 مليار دولار خلال عام 2025 مقابل 6.6 مليار دولار خلال عام 2024، بحسب بيان الجهاز المركزي للإحصاء.
كما عززت مصر وتركيا من تعاونهما العسكري عبر الإعلان عن تصنيع مشترك لإنتاج طائرات مُسيّرة ذات إقلاع وهبوط عمودي ومركبات، في أغسطس/ آب من العام الماضي.
سبق أن زودت تركيا مصر بالمسيرة التركية "بيرقدار تي بي 2" خلال صفقة أُعلن عنها في فبراير/ شباط عام 2024، تزامناً مع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأولى إلى مصر، بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
ورفع البلدان مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما في عام 2023، بعد نحو 12 عاما من القطيعة، منذ تولي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في مصر وإزاحة الرئيس المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي، ما وصفته تركيا حينها بـ"الانقلاب"، ورفضت القاهرة هذا الوصف رفضا تاما.
وخلال هذه السنوات، اختلف البلدان حول عدة أمور أبرزها، الوضع في ليبيا، وموقف تركيا من جماعة الإخوان المسلمين التي صنفتها القاهرة كجماعة إرهابية، واستضافت تركيا الآلاف من أعضائها.
واستمرت جهود التطبيع بين تركيا ومصر، التي بدأت في عام 2020، حتى عام 2023، عندما عيّن الطرفان سفراء متبادلين.
والتقى أردوغان والسيسي لأول مرة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، في حفل افتتاح كأس العالم الذي أقيم في قطر وقررا مواصلة العملية، وخلال العامين الماضيين تبادل الرئيسان الزيارات.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة