رام الله- على مدى أكثر من عامين تحملت عشرات العائلات الفلسطينية في قرية شلال العوجا -شمال مدينة أريحا- مختلف صنوف العذاب، في محاولة للبقاء في قريتهم التي بنوا كل ركن فيها قبل عشرات السنين.
وكانت الحلقة الأخيرة في مسلسل هجرة العائلات الفلسطينية من هذه القرية هي مغادرة 14 عائلة بدوية فككت السبت مساكنها ورحلت عن القرية، أسوة بأكثر من مائة عائلة سبقتها إلى الرحيل بعد أن ضاقت ذرعا بهجمات المستوطنين وجرائمهم.
لم يكن الرحيل خيارا سهلا، يقول نايف الغوانمة –للجزيرة نت- وهو يفكك أعمدة مسكنه البسيط قاصدا الرحيل، مضيفا أنه وغيره صبروا حتى النهاية، وخسروا من أموالهم وأغنامهم الكثير في سبيل البقاء، لكنهم وجدوا أنفسهم بلا ظهر يسندهم.
وأضاف الغوانمة: منذ بداية الشهر (يناير/كانون الثاني الجاري) خرج الجميع إلا نحن 14 أسرة -من عائلة الغوانمة- مكونة من 80 فردا، فاضطررنا أن نغادر مع أغنامنا واحتياجاتها.
وعما تعرض له التجمع؛ يقول الغوانمة إن آخر عامين مرّا كانا "كالجحيم"، مشيرا إلى اعتداءات وضغوطات يومية خسر هو وأحد إخوانه خلالها قطيعين من الأغنام سرقهما المستوطنون، أحدهما سرق قبل حرب الإبادة، فضلا عن اعتداءات على البيوت والممتلكات، دون أن تجد شكواهم أي صدى أو استجابة من شرطة الاحتلال وجيشه.
وأشار إلى أن المأساة زادت بعد إقامة بؤرتين استيطانيتين في محيط التجمع خلال الحرب على غزة، ثم نشر أكثر من 7 قطعان من الأغنام للمستوطنين خلال الشهر الأخير في محيط القرية.
ويعد هذا الرحيل الثالث لعائلة الغوانمة بعد رحيل سابق من قرية دير دبوان شرق رام الله إبان نكسة 1967، وقبله اللجوء من جنوبي فلسطين إبان نكبة 1948.
ونتيجة الملاحقات والاعتداءات والهجمات والسرقات المتكررة منذ أكثر من عامين، ظلت أغنام سكان التجمع حبيسة حظائرها ولا يستطيعون إخراجها إلى المراعي، وإنما يضطرون إلى شراء الأعلاف وإطعامها في حظائرها مما كبدهم تكاليف كبيرة، وفق نايف الغوانمة.
ومنذ بدء العائلات في الرحيل عن قريتها، ظل طلاب مدرستها الوحيدة بلا تعليم، ونظرا لعدم توفر الإمكانيات في أماكن النزوح الجديدة شمال أريحا، تفكر العائلات المهجرة في إلحاق أبنائها بمدارس داخل مدينة أريحا.
لا يختلف الحال كثيرا بالنسبة للشاب خالد الغوانمة الذي يقول -للجزيرة نت- إن تزايد الضغط دفع الناس للهجرة، موضحا أنه لم يكن بمقدور السكان تحّمل وجود المستوطنين وأغنامهم بين المساكن لما يترتب على ذلك من مخاطر، وهو الأمر الذي يضطر الشباب لتعطيل أعمالهم والبقاء قريبا من بيوتهم.
ويضيف: "تحملنا الكثير حتى وصلنا مرحلة تتحرك فيها مؤسسات الاحتلال لو تعرض مستوطن للضرر، دون أن يتحرك ساكن لانتهاكات المستوطنين بحقنا على مدار الساعة".
وأوضح خالد الغوانمة أن الاعتداءات تزايدت بشكل ملحوظ مع بداية العام الجاري حيث زادت أغنام المستوطنين بالمئات، وبالتالي تصاعدت اعتداءاتهم على التجمعات واحدا تلو الآخر حتى رحل أكثر من مائة عائلة عن مساكنها.
ويقول إن وجود المتضامنين وزيارة الدبلوماسيين الأجانب رغم أهميتهما فإنهما لم يوقفا الاعتداءات أو يخففانها، كما أن الجهات الرسمية لا تولي التجمعات المهددة الاهتمام الكافي، فلم يبق إلا خيار الرحيل المر.
ويضيف: "نشعر بالخذلان وتقصير مؤسساتنا الرسمية التي تستطيع أن تفعل ما هو أكثر من بعض المساعدات العينية..، لقد بتنا نشعر أننا وحدنا معزولون وفي المواجهة، حتى المواطن العادي لا يشعر بنا".
بدوره، يشير حسن مليحات -المشرف العام على منظمة "البيدر" الحقوقية المهتمة بالانتهاكات الإسرائيلية في التجمعات الفلسطينية المستهدفة- إلى أن قرية شلال العوجا أقيمت منذ عام 1967 على أرض وقفية.
ويضيف -في حديثه للجزيرة نت- أنه قبل بدء حرب الإبادة على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بلغ عدد سكان التجمع نحو 1200 نسمة ينحدرون من نحو 120 عائلة، تملك قرابة 18 ألف رأس من الأغنام تعد مصدرا أساسيا لقوتها ورزقها.
أما اليوم فإن عدد الماشية تراجع إلى حد كبير مع رحيل العائلات تدريجيا وانتشارها إلى مناطق متفرقة جنوب العوجا أو الجفتلك أو فصايل بالأغوار.
وذكر من الاعتداءات التي تعرض لها التجمع "قطع خطوط المياه واقتحام التجمع والمرور بين مساكنه بالمركبات وتهديد السكان، وصولا إلى حصار القرية بالكامل".
ووفق ملحيات، فإن الهجرة الجماعية بدأت خلال يناير/كانون الثاني الجاري، حيث اضطرت للهجرة في 5 مجموعات، آخرها 14 عائلة أمس السبت.
وإضافة لاعتداءات المستوطنين، شارك نواب في الكنيست ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش في التحريض على القرية وتشجيع الاستيطان في المنطقة.
ويرتبط اسم قرية شلال العوجا بنبع مياه تاريخي يقع في ذات المنطقة المصنفة على أنها محمية طبيعية، وهو نهر أو نبع العوجا الذي جلب السكان البدو إلى الإقامة هناك.
ووفق تقرير للسلطة صدر في يوليو/تموز 2024، فإن نبع العوجا يقع على بعد 11 كيلومترا شمال شرق مدينة أريحا "ضمن محمية العوجا الطبيعية، ويشكل مصدرا طبيعيا وحيويا للمياه العذبة في المنطقة".
وأشار التقرير -في حينه- إلى ما يواجه المنطقة من "خطر حقيقي" نتيجة ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، مثل الاستيلاء على الأراضي وبناء المستعمرات، مما يُهدد بتدمير البيئة الطبيعية وتجفيف النبع"، لافتا إلى ما شهدته المحمية من اقتحامات من قبل المستوطنين لمجرى مياه النبع، وحرمان الفلسطينيين من الاستفادة منه والتنزه في محيطه.
ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، فقد أدت اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال -منذ بدء حرب الإبادة على غزة- إلى تهجير 42 تجمعا سكنيا وقرية فلسطينية، كان يسكنها نحو 508 عائلات فلسطينية يزيد أعداد أفرادها على 3 آلاف نسمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة