آخر الأخبار

لماذا خمدت احتجاجات إيران سريعا؟ قراءة في الاقتصاد والأمن

شارك

تحت ضغط العقوبات والتهديد المستمر بحرب مقبلة، جاءت الموجة الجديدة من الاحتجاجات في إيران لتُلبس التحديات القائمة أصلا حُلة جديدة تربط الداخل بالخارج. فقد خرج المضربون في بازار طهران مطالبين بوضع حدّ لتقلبات قيمة العملة الوطنية، ولم يكن البازار وحده في الاعتراض؛ إذ سرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى مدن أخرى رفضا للتضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطن وتدهور الوضع الاقتصادي عموما.

لم تتوقف الاحتجاجات عند حدود الاقتصاد والمطالب المرتبطة به؛ فبعد 10 أيام من الاعتراض السلمي ورفع شعارات مطلبية تركز على تحسين الأوضاع المعيشية، شهدت البلاد موجة عنف قل نظيرها في إيران، تخللتها شعارات تجاوزت الحيز الاقتصادي لتطال النظام وأمن البلاد واستقرارها.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الحرب الخاطفة في العقل العسكري الإسرائيلي
* list 2 of 2 الاحتجاجات الإيرانية بين محرِّك الاقتصاد والمجتمع وحسابات التدخل الأميركي end of list

ولم يقف هذا التطور عند حدود الداخل الإيراني؛ إذ لم يتوقف ساسة إسرائيل عن تشجيع الإيرانيين على الاستمرار حتى الإطاحة بنظام الحكم، بينما ذهب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبعد من ذلك بتهديده الصريح بأنه سيأتي لـ"نجدة" المتظاهرين إذا بدأت السلطات بقتلهم.

تسعى هذه الورقة إلى إيضاح ملابسات الاحتجاجات وتقلباتها، والعنف الذي وسم مراحلها الأخيرة أولًا، ثم تبحث في أثرها ومخرجاتها في الداخل، وفي تعاطي إيران مع الخارج، ولا سيما مع الولايات المتحدة.

سياسة جديدة واحتجاجات

لم تفارِق موجات الاحتجاج إيران المعاصرة، ولا يعني تزايدها حينا وتراجعها أحيانا أخرى بالضرورة أن البلاد تمر بوضع استثنائي. غير أن ما أضفى طابعا استثنائيًا على الموجة الأخيرة هو ما صاحب العملية الاحتجاجية من عوامل، أبرزها:


* أولا: الدعم المعلن والصريح للاحتجاج وأعمال العنف المصاحبة لها من قبل إسرائيل والولايات المتحدة.
* ثانيا: مستوى العنف و"الإرهاب المسلّح"، وفق التسمية الحكومية في إيران.

ومن الواضح أن إيران تمر بأحد أكثر فصولها تعرضا للاحتجاج والمطالبة بالتغيير خلال الأعوام الماضية. كما يتضح أن ثمة محركا رئيسيًا يتصدر المشهد في كل موجة من الموجات السابقة؛ فقبل سنتين مثلا، طغى موضوع الحجاب على الموجة الاحتجاجية بوصفه محرّكها الرئيس. ومع ذلك، فإن وجود محرك رئيسي لا يلغي حضور دوافع أخرى موازية.

إعلان

جاءت الموجة الأخيرة من الاحتجاجات في سياق تدهور اقتصادي متسارع وتذمر شعبي متزايد من تراجع قيمة العملة الإيرانية، الريال، أمام الدولار، وما رافق ذلك من تآكل مطرد في القدرة الشرائية للمواطن الإيراني.

وقد كان لانخفاض قيمة العملة دور رئيسي في الموجة الأولى من اعتراضات البازار في طهران؛ إذ أقفل كثير من التجار والباعة في أكبر بازار في إيران محالهم، ونظموا تجمعات احتجاجية مؤكدين أن عدم استقرار سعر صرف الدولار يمنعهم من العمل، فهم يستوردون أو يشترون سلعة ما ثم يُضطرون بعد بيعها إلى استيرادها أو ابتياعها مجددًا بأسعار أعلى من قيمة المبيعات.

وأعلنت السلطات الإيرانية، من المرشد الأعلى إلى رئيس الجمهورية ومسؤولين آخرين، تفهمها لتلك المطالب وأقرت بأحقيتها، ما حال دون الصدام مع المحتجين. واستمرت الأوضاع على هذا النحو قرابة 10 أيام.

وكانت حكومة الرئيس بزشكيان قد أعلنت عن إصلاحات اقتصادية جذرية، ركزت فيها على تغيير سياسة توريد السلع بهدف الإمساك بزمام سعر صرف الدولار والسيطرة بالتالي على غلاء المعيشة.

ولهذه السياسات تفاصيل عديدة، نكتفي هنا بعرض محورها الرئيسي لتتضح الصورة. فقد كان المتبع أن تقوم مجموعة من الشركات والمؤسسات، بعد حصولها على الدولار من الحكومة عبر البنك المركزي بأسعار تفضيلية، باستيراد السلع الأساسية والدواء لتصل إلى المواطن بأسعار أقل من أسعار السوق.

وكان من المفترض، في إطار هذه الآلية، أن تبيع الأطراف المستوردة السلع المستوردة بأسعار تفضيلية، ثم تعيد بعد انتهاء العملية ما حصلت عليه من دولار بالسعر التفضيلي إلى البنك المركزي.

إلا أن ذلك، وعلى مر العقود، لم يؤد إلى تحقيق الأهداف المرسومة، بل تحولت العملية برمتها إلى مجال واسع للفساد المالي والاقتصادي؛ إذ أعلن وزير الاقتصاد مؤخرًا أن الأطراف المستوردة لا تعيد ما تحصل عليه من دولار إلى البنك المركزي، وأن كثيرًا منها يبيع ما يستورده بأسعار السوق لا بالأسعار التفضيلية.

وبذلك أفضت هذه المنظومة، مع مرور الزمن، إلى نمط من الفساد يتعامل فيه المستوردون مع الدولار التفضيلي بوصفه نوعًا من "الريع" الخاص، يعود عليهم هم لا على المواطن. ولم تبدُ إجراءات الرقابة قادرة على كبح هذه الحلقة من الفساد أو وقف عجلة الاستنزاف تلك.

نتيجة لذلك، أعلنت الحكومة وقف تقديم الدولار بأسعار تفضيلية للمستوردين. وبما أن أسعار السلع ستُحتسب وفقا لكلفة الاستيراد الحقيقية، قالت الحكومة بأنها ستمنح الفارق بين سعر الدولار التفضيلي وسعره في السوق لجميع المواطنين في صورة تحويلات مباشرة.

بعبارة أخرى، وبحسب صياغة الرئيس بزشكيان، قررت الحكومة توجيه الدعم مباشرة إلى نهاية السلسلة، أي إلى المواطن، بدلاً من تقديمه بصورة غير مباشرة عبر دولار تفضيلي في بداية السلسلة، أي إلى المستورد.

ومن المفترض أن يؤدي ذلك إلى تجفيف أحد أهم مصادر الفساد المالي في البلاد، وإلى إبقاء العملة الصعبة في يد الحكومة، بما يساعدها على ضبط سعر صرف الدولار والحد من تراجع قيمة العملة الوطنية.

ولذلك تعترض الأطراف المتضررة على هذه السياسة وتقاومها، وهو ما يراه بعض المراقبين عاملا في تأليب البازار ضد الحكومة. ومن الواضح أيضا أن مقاومة هذه الضغوط وتكيف المجتمع مع الوضع الجديد يحتاجان إلى بعض الوقت.

إعلان

لم يحقق الإعلان عن هذا التغيير المهم ما كانت تعول عليه الحكومة من تهدئة السوق وطمأنة المواطنين وحثهم على التريث لمعاينة آثار السياسة الجديدة، ومع ذلك شرعت في تطبيقها أثناء الاحتجاجات أملاً في كبح زخمها. غير أن احتجاجات البازار استمرت نحو عشرة أيام، انتقلت خلالها الموجة الاحتجاجية إلى بعض المدن الصغيرة والحدودية، ولا سيما في غرب إيران.

وحاولت السلطات تجنب الانجرار إلى الصدام مع المحتجين، رغم أن بعض التحركات شهد حالات من العنف. لكن، ومع دعوة أحد أبرز أطراف المعارضة في الخارج، نجل الشاه الذي أسقطته ثورة عام 1979، الإيرانيين إلى الانتفاض ضد نظام الحكم والخروج إلى الشوارع بشكل متزامن يومي الخميس والجمعة، الموافقين للثامن والتاسع من يناير/كانون الثاني 2026، دخلت البلاد في موجة عنف قل نظيرها قياسا بالاحتجاجات السابقة.

مصدر الصورة جانب من مظاهرات في العاصمة طهران (أسوشيتد برس)

عنف أتی علی الاحتجاج

لم يكن يوم الخميس مختلفًا عن الأيام العشرة التي سبقته من حيث احتجاجات البازار والاحتجاجات في مدن أخرى ركزت على الشعارات الاقتصادية وتحسين معيشة المواطن، غير أن مساء ذلك اليوم شهد تحولا لافتا تمثل في اندلاع أعمال عنف واسعة تزامنت مع الاحتجاجات، واستهدفت مؤسسات سيادية في مدن ومحافظات مختلفة، وشملت اعتداءات واسعة على قوى الأمن والتعبئة والمقار العسكرية والأمنية؛ وذلك في وقت استمرت فيه السياسة الرسمية على نهج عدم استهداف المحتجين وعدم الاشتباك معهم، كما في الأيام العشرة السابقة.

وتخللت هذه الأحداث عمليات إطلاق نار وإضرام للنار في عدد غير قليل من المساجد والمصارف، كما طالت الاعتداءات مرافق عامة وخاصة عديدة. ففي مدينة رشت شمالي إيران وحدها، أدى إضرام النار في أحد المحال الخاصة إلى احتراق سوق بأكملها تضم عشرات المحال التجارية.

وكان لعمليات إطلاق النار، التي جرى تصوير بعضها وأظهرت أشخاصًا يطلقون النار بشكل عشوائي في اتجاه قوى الأمن والمحتجين، وقع بالغ في صدمة المواطن الإيراني العادي.

وقد أسفرت عمليات استهداف قوى الأمن وقوات التعبئة الشعبية عن مقتل وإصابة أعداد كبيرة منهم، إلى جانب عدد كبير من المدنيين. ففي مراسم تشييع واحدة فقط أقيمت في العاصمة طهران بعد انتهاء أعمال العنف، جرى تشييع أكثر من 100 شخص من عناصر قوى الأمن والمواطنين.

مع تصاعد وتيرة العنف وارتفاع شعارات لم تعد مرتبطة بالحيز الاقتصادي، بل تركز على النظام ذاته من قِبل المجموعات الخارجة، تراجع مساء الخميس زخم الاحتجاجات المطلبية بشكل واضح، ولم يخرج كثير من المحتجين يوم الجمعة إلى الشارع، بينما شهد يوم السبت عودة سريعة إلى الهدوء لم يتوقعها كثير من المراقبين.

وفي الأثناء، دعت السلطات المواطنين إلى تنظيم مظاهرات ضد ما سمّته "الإرهاب المسلح" يوم 22 شهر دي، الموافق 12 من يناير/كانون الثاني 2026، أي بعد يوم الخميس بـ4 أيام.

مصدر الصورة جنازة لعدد من رجال الأمن لقوا حتفهم في المظاهرات بإيران (غيتي)

وبالفعل خرجت أعداد غفيرة من المواطنين إلی شوارع العاصمة والمدن الأخری استجابة لتلك الدعوة، وأعلنت السلطات أن أعداد المشاركين في طهران وحدها تجاوز 3 ملايين. ومنذ ذلك الحين لم يُسجَّل أي تجمع احتجاجي، فضلًا عن أعمال العنف. ويمكن تلخيص العوامل التي أسهمت في ذلك في أربع نقاط رئيسية:


* تصاعد العنف:

أصابت أعمال العنف مساء الخميس الاحتجاجات في مقتل؛ إذ انسحب معظم المحتجين على الوضع الاقتصادي من الشارع بعد ظهور مشاهد العنف التي اتخذت من الاحتجاجات غطاء لها. فالمواطن الساعي إلى تحسين وضعه المعيشي لم يكن يرغب في الانجرار خلف أعمال عنف لا تحقق ما خرج من أجله، بل تجلب معه هاجس انعدام الأمن بعدما أصابت كثيرين من المواطنين بين جريح وقتيل.

إعلان

* الدعم الإسرائيلي-الأميركي:

دعا الكثير من الشخصيات الحاكمة والسابقة في كل من إسرائيل والولايات المتحدة الإيرانيين إلی الخروج ضد النظام وإنهائه. وإذ لم يهتم المحتجون بتلك الدعوات في الأيام السابقة لمساء الخميس، تخوف -كما يبدو- الكثير منهم من ارتباط أعمال العنف لذلك المساء بتلك الدعوات وبدأ التساؤل يطغی حول مدی ارتباط تلك الدعوات بمحاولات جرهم خلف أعمال العنف ضد مؤسسات الدولة وإلی الاحتراب الداخلي.

وكانت السلطات الإيرانية ركزت علی ذلك الترابط في خطابها الذي لم يبدُ بعيدًا عن الواقع للمواطن العادي الذي رأى بلاده تُهاجم من الدولتين قبل أشهر، وشاهد علی شاشاته، وبمرارة، مشاهد الإبادة في غزة.


* الأمن علی المحك:

خرج المحتجون للضغط علی الحكومة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية وإذا بهم يواجهون تحديًا أكبر من الاقتصاد: انعدام الأمن في الشارع. وبمجرد ظهور بوادر الانفلات تراجع المواطن عن الاحتجاج في الشارع وذلك -كما يبدو- بدافع عدم الدخول في متاهات الانفلات الأمني.

لا يعني ذلك تراجعا في التذمر من الوضع الاقتصادي -الذي لم يتوقف المواطن الإيراني عن طرحه حتی أثناء المظاهرات التي دعت لها الحكومة- لكنه يعني رفضا لا تخطئه العين للعنف واستخدام السلاح في الشارع.


* العودة للاقتصاد:

الواضح أن المحتج المتضرر من الوضع الاقتصادي خرج ابتداء للضغط على الحكومة من أجل تعديل سياساتها المالية والاقتصادية، وهي أولويته المعيشية. ويمكن اعتبار عودته من الشارع إلى البيت محاولة للعودة إلى هذه الأولوية الرئيسية: الاقتصاد. كأن المواطن الإيراني يقول إنه غير معني بالشعارات والأفعال التي تتجاوز الحيز الاقتصادي إلى السياسة والأمن، بل يريد استعادة زخم أولويته بعد انقضاء المظاهر الأمنية.

مصدر الصورة انفصاليون أكراد يعلنون من العراق التدريب على القتال والوقوف خلف الاحتجاجات الإيرانية (غيتي)

صراع السرديات

رافق الاحتجاج وأعمال العنف صراع آخر دار في الإعلام وعلى المستوى الرسمي. ويمكن رصد سرديتين رئيسيتين يستدعي تفكيكهما الوقوفَ على صورة أدق للمستجدات.

تقوم السردية الأولى، سردية المعارضة، على الرفض الكامل للنظام وجعله محورًا للاحتجاج والعنف المصاحب له؛ إذ تؤكد أن المواطن يرفض نظام الحكم القائم، وأنه لا يجوز حصر دوافع خروجه إلى الشارع في مطالب اقتصادية بحتة.

لهذه السردية 3 أبعاد: التركيز أولًا على ما تسميه "تآكل أو انتهاء شرعية النظام" باعتباره الأساس العميق للاحتجاج؛ وثانيًا، تصوير المشهد بوصفه مواجهة بين الشعب بأكمله والنظام الحاكم؛ وثالثًا، طرح بدائل للنظام تحت عناوين من قبيل "الديمقراطية" و"الملكية الدستورية/المشروطة".

هذه صورة مبسطة لخطاب المعارضة وحامليه، مع ضرورة التنبيه إلى أن المعارضة ليست موحدة، ولم يسبق لها أن التفّت حول شخص أو قيادة بعينها. فهي خارج البلاد منقسمة إلى مجموعتين رئيسيتين: التيار الملكي، ومنظمة "مجاهدي خلق"، إضافة إلى مجموعة تيارات أخری قومية/انفصالية.

ولأول مرة شهدت البلاد حراكًا لكل تلك المعارضات ضد النظام بشكل متزامن؛ ما رجَّح -وفق البعض من المراقبين في إيران- دورا للاستخبارات الإسرائيلية و/أو الأميركية في تحريكها. ترى كل تلك التيارات في استخدام العنف والمجابهة المسلحة وسيلة من وسائل الإطاحة بالنظام، وهي كانت قد قامت في مراحل سابقة باستخدام تلك الأدوات.

وفي تحليل المحاور المذكورة يمكن القول بأن اعتبار أي اعتراض أو احتجاج يرمي لإسقاط النظام هو افتراض ينطوي على تبسيط ساذج؛ إذ يوحِّد الإيرانيين افتراضا في مطلب يراه كثيرون مطلبا للمعارضة في الخارج ولأقلية صغيرة في الداخل.

يُضاف إلى ذلك أن القاعدة الصلبة للنظام، فضلا عن شريحة واسعة ممن لا يرون بديلا واقعيا للنظام القائم، تنتقد أداء الحكومة الاقتصادي، من دون أن يضعها ذلك في خانة الساعين إلى إسقاط النظام بأي حال من الأحوال.

ويجب التذكير أيضا بأنه قبل أقل من سنتين شارك أكثر من نصف الإيرانيين في الانتخابات الرئاسية، وهو ما يُظهر تمسكهم بالموجود أو إصلاحه عبر العملية السياسية ضمن النظام القائم.

بالإضافة إلى أن رؤوس التيارات الرئيسية في إيران بثقلها السياسي والاجتماعي من أقصی الإصلاح إلی أقصی المحافظة، دعت للوقوف إلی جانب النظام أمام موجة العنف ودعوات المعارضة -وإسرائيل والولايات المتحدة- للخروج عليه.

ثم إنه لا يمكن اعتبار طرح البديل القديم، أي ما قبل الثورة، وبالدعم من دولٍ هاجمت إيران قبل أشهر، محفِّزًا جديًّا لخروج الإيرانيين ضد نظامهم القائم. ومع ذلك، ورغم كل تلك الإشكاليات، يمكن القول إن المعارضة الفضفاضة قطعت شوطًا في مجابهتها للنظام.في مقابل تلك السردية، يطرح النظام وداعموه سردية مختلفة تمامًا. فالفاعلون في هذه السردية ينقسمون إلى قسمين:

إعلان

* أولًا: المحتجون المعترضون على الوضع الاقتصادي، وهم جزء من الشعب، لهم الحق في الاحتجاج والتعبير عن آرائهم، وتقع على عاتق المسؤولين مهمة الاستجابة لمطالبهم أو الإجابة عن انتقاداتهم.
* ثانيًا: مثيرو الشغب وجماعات "الإرهاب المسلح"، وهم -وفق هذه السردية- جماعات منظمة تابعة لأجندات خارجية، تتلقى المال والتدريب والسلاح من الخارج، بهدف دفع إيران إلى حافة الهاوية وإسقاطها في أتون انعدام الأمن والاقتتال الداخلي.

وترد هذه السردية على سردية المعارضة بأبعادها الثلاثة على النحو الآتي:


* التأكيد أولا أن الاعتراض لا يعني بالضرورة مجابهة النظام، وأن الجهات المسؤولة تستجيب لما يُطرح من مطالب اقتصادية.
* وثانيا، أن الشعب يقف إلى جانب النظام في مواجهة أعدائه، ومن بينهم المعارضة المصنَّفة ضمن المعسكرين الإسرائيلي والأميركي.
* وثالثا، أن الشعب لن ينسجم مع من "يعمل لحساب الأجانب" بديلا، بل يتمسّك بنظامه القانوني القائم. مصدر الصورة جانب من المظاهرات التي شهدتها إيران قبل إخمادها (غيتي)

تحمل هذه السردية، بما تنطوي عليه من تعميم مقصود، خطًّا في مجابهة السردية المعارضة. لكنها، بفصلها بين الاحتجاج و"الإرهاب المسلّح"، تعبّر بصورة مبسّطة عن الفارق بين المنتقدين والمحتجين المركِّزين على الاقتصاد -وهم الأغلبية كما بدا مساء الخميس وما تلاه من تطورات- وبين جماعات العنف المسلّح التي تمسّ أمن البلاد والمواطن، وهم الأقلية.

غير أنه، وبصرف النظر عن طبيعة الفاعلين، ورغم الثقافة السياسية الإيرانية التي تميل إلى تخوين المتحالف مع العدو، فإن الواقع يشي بصعوبة التعميم.

فالذين تورطوا في أعمال عنف ورفعوا شعارات مناوئة للنظام هم إيرانيون -حتى لو شكّلوا أقلية صغيرة- وحتى إن سلَّمنا بتلقيهم الدعم من أعداء إيران؛ إذ إن من يتلقى الدعم لا يرى في الداعم عدوًّا. ناهيك عن أن المعارضة الملكية ترى في إسرائيل والولايات المتحدة حلفاء، مع التذكير بأن نظام الشاه سبق أن نسج تحالفات وثيقة مع كلّ من تل أبيب وواشنطن، انتهت بانتصار الثورة الإسلامية.

وإذ يمكننا الأخذ بأن الاعتراض علی الوضع الاقتصادي لا يعني بالضرورة مجابهة النظام، لكن يجب ألا يفوتنا أن ذلك التفريق صعب التحديد والإطلاق في أوقات الأزمات الكبرى.

وبالفعل لا ينتقل الاحتجاج المطلبي تلقائيًّا إلی معارضة عملية للنظام برمته، إلا أن تراكم التحديات في المجتمع والنظام يمكنه تجسير الهوة بين الاحتجاج المطلبي والاصطدام بالنظام -وهو موطئ التباس عوَّلت عليه المعارضة- لكنه فشل في هذه المرحلة.

استمر الخطابان بعد انتهاء أعمال العنف بتغييرات طفيفة. فها هي المعارضة تطرح أعدادا كبری للقتلی والجرحی المدنيين متَّهِمة النظام بالقتل لتبرير تراجع زخم الاحتجاجات بعد بدء أعمال العنف، وهي بذلك تجرد نفسها من الفشل في نقل الاحتجاج إلی مطالب بإسقاط النظام وتراجع الشارع أمام دعواتها ومطالبها.

في المقابل، تواصل السردية الثانية، أي سردية النظام، التأكيد على "عمالة" المعارضة للأجانب، مستندة إلى ما هو معلن أميركيا وإسرائيليا، وإلى ما تقول إنه حصلت عليه بعد إلقاء القبض على بعض المتورطين في أعمال العنف. فقد أولى القضاء الإيراني ملف محاكمة "الإرهاب المسلّح" أهمية قصوى، وبدأ بسلسلة محاكمات بُثّت أجزاء منها عبر القنوات الرسمية لتشكّل ركيزة إضافية للسردية الرسمية.

وقد أدلى بعض مَن نفّذوا عمليات إطلاق النار مساء الخميس باعترافات عن مصادر حصولهم على السلاح ودوافعهم لارتكاب تلك الأفعال، في حين أعلنت السلطات القضائية توثيق ما طُرح بصور من كاميرات المراقبة تُظهر عمليات إطلاق النار أو الدهس وغيرها.

وهنا يبرز عنصر رئيسي في السردية الرسمية يستدعي الوقوف عنده وتحليل أسبابه: الدور الأجنبي والاتهام بالعمالة له.

مصدر الصورة المرشد الأعلى خامنئي يلقي كلمة للشعب الإيراني (الفرنسية)

دور الخارج

ثمة بُعدان للتدخل الخارجي في ما شهدته إيران من احتجاجات وأعمال شغب. البعد الأول هو الحضور والدعم المباشر لجماعات العنف، وهو ما عبّرت عنه شخصيات ومؤسسات إسرائيلية -من بينها "الموساد"- بتأكيد أن إسرائيل "حاضرة على الأرض إلى جانبكم".

وتتبنّى السلطات الإيرانية هذه المزاعم الإسرائيلية لتقول إن عملاءً مرتبطين بإسرائيل يدخلون السلاح إلى البلاد ويحاولون الإيقاع بين الإيرانيين أثناء الاحتجاجات.

أما البعد الثاني، غير المباشر، فتمثل في حملة دعائية مستمرة تتحدث عن قمع المظاهرات وقتل المحتجين وضرورة الضغط على النظام لوقف ذلك. وكان دونالد ترامب أكثر وضوحًا حين قال إنه سيهبّ لنجدة الإيرانيين إذا أقدمت السلطات على قتلهم. ولم تكن هذه الأوجه من التدخل سوى امتداد لنهج سابق بهدفه الرئيس: إضعاف النظام، أو إسقاطه إن تيسّر ذلك.

وقد وصفت السلطات في خطابها أحداثَ يوم الخميس و"العنف المنظّم" بأنها مرحلة ثانية من حرب الأيام الاثني عشر.

ووفق هذا التصور، لم يكن تحويل الاحتجاج إلى أعمال عنف منظّم سوى محاولة لاستكمال ما عجزت عنه حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025، أي إضعاف النظام عبر دفعه إلى أتون اقتتال داخلي. وتُبنى هذه السردية الرسمية على قراءة لمخرجات حرب يونيو/حزيران وتداعياتها على الداخل الإيراني.

فالذي أوقف تلك الحرب وحمل الولايات المتحدة -ومن خلفها إسرائيل- علی طلب وقف إطلاق النار تمثل في 3 أبعاد رئيسية:


* أولا: البُعد العسكري الذي أظهر قدرات صاروخية غير متوقعة استمرت في استهداف إسرائيل من جهة وتراجع جدوی وفاعلية الدفاعات الإسرائيلية من جهة أخری.
* وثانيا: البُعد الدولي المتمثل بعدم دخول الولايات المتحدة بشكل يؤدي إلی توسيع الحرب الإسرائيلية-الإيرانية ويعدل الموازنة العسكرية لصالح إسرائيل.
* وثالثا: وأهم من ذلك كله، الوحدة الوطنية التي اتسم بها المجتمع الإيراني أثناء تلك الحرب.

وبالعودة لسردية العنف المنظم المدعوم إسرائيليا كمرحلة ثانية لتلك الحرب، يُطرح استهداف الوحدة الداخلية محورا يجري التعويل عليه لإضعاف موقف إيران في الموازنة العسكرية، أولًا، وتشجيع الولايات المتحدة للدخول في حرب أوسع ضد نظام منخرط في اقتتال داخلي وفاقد للسيطرة، ثانيًا.

وأيًّا كان الحساب، لم تؤدِّ أعمال العنف إلی ترهل المؤسسات العسكرية والأمنية وهو ما منع الولايات المتحدة من فرض حربٍ جديدة علی البلاد، أي ما لوَّح به ترامب في منشور "إنقاذ" الإيرانيين.

وكان التعويل -كما يبدو- علی انتشار عدم الأمن وعدم الاستقرار مقدمةً لعمل عسكري علی إيران وفق الكثير من إستراتيجيي إيران، إلا أن الذي حَدَّ من إمكانية حدوث هذا التطور يكمن في 4 محاور:


* انتهاء أعمال العنف:

لم يمنح تراجع وتيرة أعمال العنف وقتًا كافيًا لتحريك الرأي العام الأميركي والعالمي ضد إيران واستهدافها تبعا لذلك؛ إذ خبت الأعمال المسلحة بعد مساء الخميس وبوتيرة متسارعة، وهو ما انعكس في خطاب مختلف لترامب قال فيه إنه أُبلِغ بانتهاء "القتل والإعدام".

وكان من الممكن، في حال استمرار حالة عدم الاستقرار واتساع رقعة المواجهات داخل إيران -وهو ما عوّلت عليه المعارضة- أن يُستثمر الوضع ذريعة لاستهداف البلاد.


* خطاب رادع:

أصدر مجلس الدفاع، المستحدث بعد حرب الاثني عشر يومًا، بيانا يمكن اعتباره إعلانًا أوليًّا لتغيير عقيدة طهران العسكرية؛ إذ يقول البيان بأن المجلس يَعُد أي عمل يمس بـ"أمن واستقلال ووحدة" إيران خطا أحمر.

ولوَّح في تطور ملحوظ في العقيدة الدفاعية بأن البلاد سترد علی مثل هذه الأعمال، وهو ما يأتي بمفهوم الدفاع الاستباقي للواجهة. وكان أمين المجلس الأعلی للأمن القومي أكثر صراحة في حوار مع التليفزيون الإيراني عند تهديده برد إيراني إن شعرت الأخيرة بقرب الهجوم عليها.


* صعوبة تحقيق الأهداف:

وإن افترضنا نية إسرائيل والولايات المتحدة مهاجمة إيران، فالواضح أن تحقيق أهداف أسمی مما تحقق في حرب يونيو/حزيران لن يكون واردا ما دامت الموازنة الداخلية والدفاعية في إيران كما كانت سابقًا. والواضح أن الإيرانيين عملوا في الأشهر التالية لتلك الحرب علی تعزيز قدراتهم الرادعة بشكل مستمر.


* الاستعداد الكامل:

الواضح من خطاب القادة العسكريين والقيادات السياسية في إيران أن البلاد متأهبة لأية مواجهة عسكرية قد تنجرُّ لها. وإن أُخذت طريقة بدء حرب يونيو/حزيران صورةً لما قد تقوم عليه المواجهة المقبلة، يمكن تعليل التراجع عن مهاجمة إيران علی استعدادها وغياب عنصر المفاجأة بالتالي.

أضف إلی ذلك أن العودة المسرعة للهدوء في الداخل الإيراني قلَّصت من التركيز علی الداخل وأعادته علی العدو في الخارج.

وإذ يصعب التنبؤ بمستقبل الصراع الإسرائيلي-الإيراني، فإن استمرار استعداد الجانبين يُنذر بمواجهة قد تأتي بعد حين، غير أن التعويل على الانقسام الداخلي بوصفه مدخلًا لضرب إيران وإقحام الولايات المتحدة في توسيع الحرب عليها قد تراجع بصورة واضحة.

السؤال الأخير هو: أين يترك كل ذلك مستقبل واحتمالات الدبلوماسية بين إيران الولايات المتحدة؟ نعلم اليوم أن الدبلوماسية توقفت بين الطرفين منذ حرب يونيو/حزيران.

والواضح أن منطقَي الولايات المتحدة وإيران إزاء أي مفاوضات مختلفان جذريًّا، بما يَحول دون حدوث انفراجة دبلوماسية. ففي المنظور الدبلوماسي الأميركي، على طهران أن تقبل مسبقا بالمطلوب أميركيًّا -أي بأهداف العملية التفاوضية كما تراها واشنطن- قبل الشروع في التفاوض. أمّا على الجانب الإيراني، فيقوم منطق التفاوض على الأخذ والرد وصولًا إلى حلول وسط، كما حدث في الاتفاق النووي عام 2015.

لذلك يصعب بدء أي عملية تفاوضية دون تغيير مهم في موقف أي من الطرفين. والواضح أن الاحتجاجات والعنف الذي صاحب مراحلها الأخيرة لم يغيرا الموقف الإيراني.

متضامون مع النظام الإيراني قرب السفارة الإيرانية في إسطنبول يشعلون النار في العلم الإسرائيلي إشارة إلى دعم الخارج للمظاهرات ضد الحكومة (رويترز)

خاتمة

بدأت الاحتجاجات بدوافع اقتصادية واعتراضًا على سوء الإدارة الاقتصادية للحكومة في إيران، واستمرت 10 أيام قبل دخول المعارضة على الخط وتحريكها أعمال عنف قل نظيرها في البلاد مساء الخميس 29 ديسمبر/كانون الأول 2025. وما إن اتسعت رقعة العنف حتى تراجع زخم الاحتجاجات الاقتصادية، ولم يعد المحتجون إلى الشارع، ولو إلى حين.

في غضون ذلك، دخلت السياسات الاقتصادية الجديدة لحكومة الرئيس بزشكيان حيز التنفيذ، وهو ما تعوِّل عليه الحكومة لتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطن وللسيطرة علی موجة التضخم عبر السيطرة علی سعر صرف الدولار، والحد من تراجع قيمة الريال الإيراني بالتالي.

وانقسمت السرديات حول أعمال العنف إلی سرديتي المعارضة والحكومة؛ إذ تحاول المعارضة تصوير الاحتجاجات وأعمال العنف رفضا للنظام برمته، بينما تقوم سردية الحكومة بالفصل بين الاحتجاج الاقتصادي، الذي تحاول الاستجابة له قدر المستطاع، وأعمال العنف.

وفي هذا السياق، تتهم الحكومةُ إسرائيل والولايات المتحدة -استنادا إلى ما هو معلَن من جانبهما- بتأجيج أعمال العنف، وترى أن استهداف الوحدة الوطنية كان المدخل المراد استخدامه لضرب البلاد. غير أن الانتهاء السريع لموجة العنف الطارئة، وبوتيرة قياسية، أفشل ذلك المخطط ومنع استهداف البلاد، ولو إلى حين.

وتُبقي السلطاتُ يدها على الزناد في ظلّ التهديدات المستمرة من جانب إسرائيل والولايات المتحدة. وعلى أي حال، ومع انقضاء موجة العنف، نعود إلى مربع التكهنات المعتاد بشأن ما إذا كانت المحطة التالية ستكون حربًا جديدة أم مسارًا تفاوضيًّا بين إيران والولايات المتحدة.

ومهما تكن السيناريوهات، فإن التعويل على الانقسام الداخلي أو الاقتتال الداخلي بوصفه مدخلا لاستهداف إيران لم يعد مطروحا بالقدر المطلوب إسرائيليا وأميركيا، على الأقل في هذه المرحلة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا