في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
صباح الأحد الموافق 4 يناير/كانون الثاني 2026 بتوقيت كوريا، أعلنت هيئة الأركان الكورية الجنوبية أن كوريا الشمالية أطلقت صواريخ باليستية باتجاه بحر اليابان، ما دفع الرئاسة في سيول إلى الدعوة لاجتماع أمني طارئ.
أتى هذا الإطلاق ضمن أحدث عروض القوة العسكرية لكوريا الشمالية قبيل مؤتمر حزب العمال الحاكم المرتقب عقده في يناير/كانون الثاني الجاري أو فبراير/شباط المقبل، الذي يُنتظر أن يحدد الأهداف السياسية الرئيسية للحزب والدولة.
وكانت كوريا الشمالية قد أجرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إطلاقا باليستيًّا قصير المدى، وسط مناخ توتر تزايد بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح سيول "موافقة" على المضي قُدما في مشروع غواصة تعمل بالدفع النووي.
كما نقلت وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية أن "الزعيم كيم جونغ أون دعا إلى مضاعفة الطاقة الإنتاجية لأنظمة صاروخية ومدفعية موجهة خلال زيارة لأحد مصانع الذخائر".
وخلال الأسابيع القليلة الماضية، كثّف كيم زياراته لمصانع الأسلحة، وتفقد غواصة تعمل بالطاقة النووية، وأشرف على اختبارات لصواريخ. وعلى مدى السنوات الأخيرة، رفعت بيونغ يانغ وتيرة تجاربها الصاروخية بصورة ملحوظة.
ما سبق لافت، لكنه ليس جديدا. والواقع أن كوريا الجنوبية لم تكتفِ بالرد "مرة بمرة"، بل طورت عبر عقود ما يُعرف الآن بعقيدة "العقاب والانتقام الساحق" (Korea Massive Punishment and Retaliation – KMPR)، وهي إستراتيجية ردع عسكرية صُمِّمت خصوصا لمواجهة تهديدات كوريا الشمالية.
تقوم هذه العقيدة على التلويح برد عقابي واسع يستهدف قيادة كوريا الشمالية ومنشآتها الحيوية في حال تعرض الجنوب لهجوم إستراتيجي، سواء كان نوويا أو تقليديا واسع النطاق، بما يهدف إلى شل قدرات القيادة والسيطرة لدى الشمال. لكن ما تفاصيل تلك العقيدة؟ وهل اقتربت المنطقة من سيناريو قد يدفع إلى التفكير في تفعيلها؟
شكّلت أحداث عام 2010، المتمثلة في إغراق السفينة الحربية "تشونان" وقصف جزيرة "يونبيونغ"، صدمة أمنية في كوريا الجنوبية بعد مقتل 50 كوريا جنوبيا، مما دفع سيول إلى إعادة تقييم إستراتيجيات الردع والانتقام. وفي ظل عدم امتلاك الجنوب لأي أسلحة نووية لاعتماده على مظلة الردع النووي الأميركية، برز توجه لتطوير قدرات تقليدية فائقة القوة بوصفها أداة ردع بديلة.
ضمن هذا السياق، بدأت ملامح منظومة الردع "ثلاثية المحاور" (3K) بالظهور في العقد الثاني من القرن الحالي. فقد أعلنت سيول في عام 2013 مفهوم "السلسلة القاتلة"، ويعني تنفيذ ضربة استباقية دقيقة تستهدف مصادر الهجوم القادمة، مثل منصات إطلاق الصواريخ أو منشآت أسلحة الدمار الشامل، فور رصد دلائل على هجوم وشيك، بهدف شل التهديد قبل أو أثناء إطلاقه.
يلي ذلك تطوير منظومة الدفاع الصاروخي والجوي الكورية (KAMD)، وهي منظومة دفاع صاروخي متعددة الطبقات لاعتراض الصواريخ الباليستية أثناء تحليقها نحو الأهداف في كوريا الجنوبية، تشمل صواريخ "باتريوت باك-3" (PAC-3) الأميركية، إلى جانب صواريخ اعتراضية على عدة ارتفاعات بهدف حرمان العدو من إصابة أهدافه.
لكن التطور الأبرز جاء بعد قيام كوريا الشمالية بتجربتها النووية في سبتمبر/أيلول 2016، إذ كشفت رئيسة كوريا الجنوبية السابقة پاك غُن-هي عن خطة "العقاب والانتقام الساحق" بوصفها ركيزة ثالثة تكمّل المحورين السابقين.
وقد عُرضت الخطوط العريضة لهذه العقيدة أمام البرلمان آنذاك، حيث أوضحت مصادر عسكرية أن سيول ستردّ على أي بوادر لاستخدام بيونغ يانغ سلاحا نوويا بتدمير شامل لكل أحياء بيونغ يانغ باستخدام الصواريخ الباليستية والقذائف شديدة الانفجار، بحيث "تُمحى عاصمة الشمال عن الخريطة وتُحال إلى رماد"، كما أُنشئت وحدة عسكرية خاصة مُكلَّفة برصد واستهداف قيادات الشمال ضمن هذه الخطة.
من خلال هذا المسار أرادت سيول توجيه رسالة ردع مفادها أن أي استخدام للسلاح النووي سيعني تهديدا وجوديا لنظام الشمال نفسه.
استمرت الحكومات الكورية الجنوبية المتعاقبة في تطوير مفهوم "العقاب والانتقام الساحق"، مع تغيّر في المقاربات السياسية. فبينما أكملت إدارة پارك المحافِظة وضع اللبنات الأولى للعقيدة، جاءت إدارة مون جاي-إن الليبرالية (2017-2022) لتخفف حِدّة الخطاب بهدف فتح المجال للحوار مع الشمال. أُعيد تسمية الخطة في 2019 إلى "الرد الساحق" (Overwhelming Response) في محاولة لإضفاء طابع أقل استفزازا، دون أن يصاحب ذلك تعديلات جوهرية في القدرات أو الجاهزية.
لكن منذ عام 2022، أعادت إدارة الرئيس يون سوك-يول المحافظة إحياء التركيز على خطط الضربات الاستباقية والانتقامية بقوة، وشدّدت مجددا على جاهزية المحاور الثلاثة، للرد على أي تهديد كوري شمالي.
تختلف فلسفة "العقاب والانتقام الساحق" عن المحورين الآخرين، وهي تطوير صارخ لهما، فبينما يعتمدان على مبدأ الردع عبر الحرمان، وعبر إجهاض الهجوم أو إفشاله، فإن "العقاب والانتقام الساحق" يقوم على الردع عبر العقاب، أي إنّ كوريا الجنوبية تسعى لإقناع بيونغ يانغ بأن أي هجوم إستراتيجي، خصوصا لو كان نوويا، حتى لو نجح في البداية، فسيستتبع ردا كوريا جنوبيا كاسحا يفوق التصور ويستهدف قلب النظام الحاكم.
وبذلك، حتى لو امتلك الشمال قدرات نووية متنامية، تبقى قيادته مكشوفة وهشّة أمام ضربة انتقامية ساحقة من الجنوب.
عمليا، تفترض خطة "العقاب والانتقام الساحق" أسوأ السيناريوهات بوصفها نقطة انطلاق، أي نجاح العدو في توجيه ضربة نووية أو كبيرة، وتوفّر خيار الرد الفوري عليها بقوة تقليدية هائلة.
بموجب هذه العقيدة، تُعد قائمة أهداف "الأولوية الأولى" في الشمال مواقع القيادة العليا (مخابئ القيادة، وهي المراكز المحصّنة التي قد يختبئ بها كيم جونغ أون والنخبة الحاكمة)، ومنشآت القيادة والسيطرة العسكرية (كالمقرات والبنى التحتية للاتصالات العسكرية)، إضافة إلى مواقع البنية التحتية الحيوية للدولة الشمالية.
في سياق العملية، يُخطَّط لضرب هذه الأهداف بشكل متزامن وسريع لضمان شل قدرة القيادة الشمالية على إدارة الحرب أو إصدار الأوامر بعد الضربة الأولى. بكلمات أخرى، تسعى سيول من خلال "العقاب والانتقام الساحق" إلى قطع ما تُسميه "رأس الأخطبوط" فورا إذا بادر بيونغ يانغ بالتصعيد الخطير. هذا المفهوم في الواقع يُعرف بالفعل باسم إستراتيجية "قطع الرأس"، لأنه يركّز على إزالة القيادة بوصفها وسيلة لشلّ الخصم وإنهاء النزاع بسرعة.
ضمن العقيدة العسكرية الكورية الجنوبية الشاملة، يُعد محور "العقاب والانتقام الساحق" خط الدفاع الأخير والأكثر هجومية، الذي يكمل المحورين الأولين (الاستباقي والدفاعي) بحيث يغطي مرحلة ما بعد وقوع الضربة. فإذا فشلت الإجراءات الوقائية (سلسلة القتل) أو الدفاعية (منظومة الدفاع الصاروخي والجوي الكورية) في منع الضرر، يأتي دور "العقاب والانتقام الساحق" لإلحاق عقوبة ساحقة وفورية على مستوى النظام الحاكم لدى العدو.
تعتمد فعالية عقيدة "العقاب والانتقام الساحق" بشكل كبير على امتلاك كوريا الجنوبية منظومات تسليحية متقدمة قادرة على توجيه ضربات دقيقة وعالية التدمير إلى أهداف محصنة وعميقة داخل أراضي كوريا الشمالية.
وقد استثمرت سيول خلال السنوات الماضية بشكل مكثّف في تعزيز ترسانتها من الصواريخ والقنابل الموجّهة ووسائل الاستطلاع، بحيث أصبحت تمتلك "وفرة من الصواريخ الدقيقة" القادرة على تحقيق أهداف هذه العقيدة.
على سبيل المثال، تطور كوريا الجنوبية إمكاناتها في الصواريخ الباليستية التكتيكية بعيدة المدى، حيث تُعد عائلة صواريخ "هيونمو" (Hyunmoo) العمود الفقري لقوة الضربة الكورية الجنوبية.
تشمل هذه السلسلة صواريخ باليستية أرض-أرض مثل "هيونمو-2″ بمدى يصل إلى 800 كم تقريبا، و"هيونمو-4" الأحدث بمدى قريب وحمولة رأس حربي تزيد على طنين، وقد طوّرت سيول أيضا الصاروخ "هيونمو-5″ الملقب بـ"الصاروخ الوحش" بقدرة حمل رأس حربي خارق للتحصينات يزن نحو 8 أطنان.
هذا الصاروخ الضخم، بطول نحو 16 مترا ووزن كلي 36 طنًّا، صُمِّم خصوصا لاختراق المخابئ العميقة شديدة التحصين وتدمير مراكز القيادة المحصنة على عمق قد يتجاوز 100 متر تحت الأرض، وتمتلك هذه الصواريخ قدرة تدميرية هائلة تعادل في أثرها الضارب الأسلحة النووية، لكن ضمن إطار رأس حربي تقليدي، مما يمنح سيول خيارا تقليديا مكافئا للردع النووي للانتقام دون خرق معاهدة منع الانتشار النووي.
إلى جانب الباليستيات، نشرت كوريا الجنوبية صواريخ كروز بعيدة المدى عالية الدقة مثل صواريخ "هيونمو-3" (بمدى 500–1500 كم) تطلق من البر والبحر، وكذلك صواريخ جوالة تطلق جوًّا كصاروخ "إيه جي إم-84 إتش/ كي سلام إيه آر)، أميركي الصنع الذي يبلغ مداه نحو 280 كيلومترا، وتُستخدم هذه الصواريخ لضرب أهداف محددة بدقة عالية (مثل مراكز القيادة والاتصالات والرادارات) مع إمكانية التحليق على ارتفاعات منخفضة لتفادي الدفاعات الجوية.
كما قامت سيول بتزويد مقاتلاتها بصواريخ كروز شبه شبحية من طراز "طوروس" جو-أرض التي يتجاوز مداها 500 كم ويمكنها ضرب مراكز قيادية في عمق الشمال دون دخول نطاق الدفاعات.
بالإضافة إلى ذلك، نشرت كوريا الجنوبية راجمات صواريخ متطورة مثل منظومة "كي239 تشونمو" متعددة الإطلاق، التي يمكنها إطلاق صواريخ موجهة يصل مداها إلى نحو 200-300 كيلومتر، هذه المنظومة تُعد مكافئة محلية متطورة لراجمات هيمارس، وتمكّن من ضرب أهداف في العمق الشمالي بوابل صاروخي مركّز.
تمتلك سيول أيضا صواريخ أميركية تكتيكية موجهة من نوع "أتاكامز" بمدى يصل إلى 300 كم، اختُبر إطلاقها عدة مرات ردًّا على تجارب بيونغ يانغ الصاروخية، وتتيح هذه الوسائل توجيه ضربات شاملة ومتزامنة عبر عشرات الرؤوس الحربية التقليدية على مختلف الأهداف الحرجة خلال وقت قصير.
إلى جانب ما سبق، جهّز سلاح الجو الكوري الجنوبي مقاتلاته بذخائر قادرة على اختراق التحصينات العميقة، من أبرزها قنابل " جي بي يو-28" الموجهة بالليزر وذات القدرة الاختراقية العالية، وهي مُصمَّمة لاختراق 6 أمتار من الخرسانة المسلحة، التي يمكن إسقاطها من المقاتلات لتدمير المخابئ الحصينة تحت الأرض.
كما دُمجت قنابل موجهة أخرى في القوة الكورية الجوية مثل "جي بي يو-24″ و"جي بي يو 72" الأحدث، فضلا عن ذخائر الانزلاق بعيدة المدى، كالقنبلة "جدام إي آر"، حصلت كوريا الجنوبية على هذه القنابل وتمكنت من تصنيع نظائر لها محليا بعد رفع القيود الصاروخية الأميركية عام 2021، مما يسمح لسلاح الجو بالمساهمة في ضرب الأهداف العميقة إلى جانب الصواريخ.
لإيصال هذه الذخائر إلى أهدافها، استثمرت سيول في طائرات مقاتلة حديثة ومنها أسطول مقاتلات الشبح "إف35-إيه"، التي تستطيع اختراق الأجواء الكورية الشمالية دون كشف مبكر، لضرب أهداف إستراتيجية.
كذلك تمتلك كوريا الجنوبية مقاتلات "إف 15 كيه" القادرة على حمل صواريخ وقنابل ثقيلة وتنفيذ مهام الاختراق العميق ليلا ونهارا. وعلى الصعيد البحري، أدخلت البحرية الكورية الجنوبية غواصات ثقيلة مزوّدة بصواريخ باليستية، لزيادة القدرة على تحقيق ضربة "العقاب والانتقام الساحق" وتأمين خيار انتقامي حتى لو تعرضت القواعد البرية للتهديد.
لكن ما سبق لا يكفي وحده لتنفيذ ضربة كهذه، هناك كذلك حاجة إلى منظومات الاستخبار والاستطلاع والمراقبة، وهي عنصر أساسي في عقيدة "العقاب والانتقام الساحق"، حيث تهدف إلى تحديد مواقع الأهداف الحرجة بدقة وتتبع تحركات القيادة الشمالية.
تاريخيا، اعتمدت سيول على أقمار التجسس والطائرات الأميركية لرصد الشمال، لكن جرى حديثا تعزيز القدرات الذاتية. فقد حصلت كوريا الجنوبية على طائرات استطلاع بدون طيار إستراتيجية من طراز "غلوبال هوك"، لجمع المعلومات من ارتفاعات شاهقة، كما أطلقت برنامجا وطنيا لنشر أقمار اصطناعية للمراقبة.
تخطط سيول لإطلاق العديد من أقمار الاستطلاع العسكرية بالتعاون مع شركات فضاء تجارية، بغرض تأمين تغطية شبه مستمرة لأراضي كوريا الشمالية، كما تستخدم أيضا طائرات تجسس مأهولة، مثل "آر سي-800" المحلية أو طائرات "يو-2" الأميركية المتمركزة في كوريا، لجمع إشارات الاتصالات وتحديد مواقع الأهداف.
هذه العيون الإلكترونية ضرورية لكشف أي مؤشر على مكان اختباء القيادة أو تجهيز لهجوم مُعادٍ، وبالتالي تُمكِّن صانع القرار الجنوبي من إعطاء أمر التفعيل الفوري للمنظومة ثلاثية المحاور عند الحاجة.
كما شكَّلت سيول وحدات نخبة خاصة قوامها بضعة آلاف من الجنود تُوكل إليها مهام "قطع الرأس" في حالة الحرب.
على سبيل المثال، أفادت تقارير عام 2017 عن إنشاء أو تخصيص لواء قوات خاصة جديد هدفه التسلل إلى بيونغ يانغ أو أماكن وجود القيادة الشمالية وتصفية كيم جونغ أون وكبار قادته في حال اندلاع نزاع شامل.
هذه الوحدة التي يمكن نشرها جوًّا أو برًّا، للعمل خلف الخطوط، وجمع معلومات أو تحديد أهداف عالية القيمة، ثم ربط ذلك بقدرات نارية أكبر، مثلا ضربات صاروخية عبر المدفعية أو الطيران، بدلا من أن تقوم مجموعة صغيرة وحدها بكل الضربات. ورغم السرية المحيطة بتفاصيل عملياتها، فإن مجرّد الإعلان عن وجودها يخدم غرض الحرب النفسية تجاه النظام الشمالي.
وبامتلاك هذه الباقة الواسعة من المنظومات الهجومية المتطورة، تسعى كوريا الجنوبية إلى جعل تهديد العقاب والانتقام الساحق أمرا واقعا يمكن تنفيذه خلال دقائق أو ساعات من صدور الأمر.
إذ تستطيع الصواريخ الباليستية الموضوعة على المنصات البرية والغواصات، والقوة الجوية المزوّدة بالذخائر الثقيلة، إضافة للقوات الخاصة، أن تتكامل جميعها في توجيه ضربة متعددة المحاور ضد أهداف القيادة الشمالية في وقت واحد، بحيث إذا فشلت إحداها نجحت الأخرى، وهو جوهر فلسفة العقاب والانتقام الساحق.
تبقى احتمالية اللجوء إلى هذه العقيدة مرتبطة بسيناريوهات قصوى، لأنها تعني فعليا الدخول في حرب شاملة قد تتصاعد إلى مستويات كارثية. فتوجيه ضربة تستهدف القضاء على القيادة الشمالية قد يدفع بيونغ يانغ إلى رد فعل عنيف وغير محسوب.
إذا افترضنا مثلا أن كوريا الشمالية شنَّت ضربة تقليدية كبيرة ثم وجدت نفسها أمام عملية تستهدف القيادة، فقد يفسر النظام ذلك على أنه تهديد وجودي مباشر، ما يرفع إغراء الانتقال إلى التصعيد النووي بوصفه الخيار الأخير. وفي هذه الحالة قد تتحول محاولة إنهاء الحرب سريعا إلى كارثة خارجة عن السيطرة.
ثم إن لهذه العقيدة نقاط ضعف جوهرية، فهي قائمة على معلومات استخبارية لحظية شديدة الدقة بشأن مكان وجود القيادة ومراكز السيطرة، وهو أمر قد يكون شديد الصعوبة في ظروف الحرب والفوضى. وإذا نُفذت ضربة وفشلت في تحييد الهدف القيادي الأهم، فقد تكون النتيجة عكسية تماما، إذ يزداد دافع الانتقام وتتسع دائرة التصعيد.
ففي ظروف الحرب والفوضى، ليس مضمونا أن تتمكن سيول من تحديد موقع كيم جونغ أون أو قادة جيشه باليقين الكافي وفي الوقت المناسب، وقد يغيّر هؤلاء مواقعهم باستمرار أو عن طريق استخدام منشآت مجهولة للاختباء.
ومن ثم فإذا نُفذت ضربة العقاب وفشلت في قتل الهدف الرئيسي، فإن النتيجة قد تكون عكسية تماما، وسيصبح الزعيم الناجي أكثر شراسة وقد يلجأ فورا إلى ضربات انتقامية نووية على المدن الجنوبية انتقاما لمحاولة اغتياله.
والواقع أنه بمجرد أن أعلنت سيول صراحة عن نيتها استهداف القيادة الشمالية في ظروف معينة، أصبح لدى بيونغ يانغ هاجس دائم من هجوم مباغت ضد الرئيس، هذا الوضع قد يؤدي إلى تفسير خاطئ لأي ضربة أو تحرك عسكري جنوبي خلال أزمة حادة. فمثلا، إذا اندلع قتال وضربت كوريا الجنوبية موقعا عسكريا تحت الأرض قُرب مكان وجود كيم من دون قصد استهدافه شخصيا، فقد يظن الشمال أن العملية محاولة اغتيال مبيّتة ويبادر فورا بضربة نووية انتقامية بدافع الذعر.
في النهاية، فإن التوتر العالي المصاحب لإستراتيجية قطع الرأس تلك قد يجعل أعصاب القيادة الشمالية مشدودة إلى درجة أن أي ضربة تُفسَّر بأسوأ الاحتمالات. هذا يرفع خطر اندلاع حرب نووية وقائية من جانب الشمال حتى ردا على ضربات تكتيكية محدودة، وهو تطور يسعى الجميع لتفاديه.
هذا يضع الكوريتين على المحك في كل لحظة تقريبا، وفي هذا السياق تحديدا تأتي إطلاقات الصواريخ الشمالية التي يُعلن عنها من حين إلى آخر. إذ ماذا يحدث لو ضربت هذه الصواريخ هدفا غير متعمد أو فُسرت بالخطأ؟
هنا، وإذا انطلقت شرارة "خطة العقاب الشمالية"، فنحن لا شك أمام احتمال كبير لتفاعل انشطاري متسلسل، حيث ستنطلق الجهتان بكل قوة لتنفيذ خططهما قبل أن تُسقط بالكامل، وهذا يعني معركة ثقيلة، لا أحد يعلم تأثيراتها التدميرية على العالم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة