آخر الأخبار

قصة إقليم كردفان الذي يشهد تصعيداً بين الجيش السوداني والدعم السريع

شارك
مصدر الصورة

يشهد إقليم كردفان السوداني منذ نهاية عام 2025 وبداية عام 2026 تصعيداً عسكرياً، جعله إحدى أكثر ساحات الصراع حساسية في الحرب التي تدور رحاها في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع.

فالإقليم الذي يُنظر إليه بوصفه عمقاً جغرافياً هادئاً نسبياً، تحول إلى مسرح مواجهات مفتوحة مع انتقال ثقل العمليات العسكرية من العاصمة ومحيطها إلى الأقاليم الوسطى، الأمر الذي يعكس إدراك طرفي النزاع لأهمية كردفان بوصفها حلقة وصل حيوية بين شمال السودان وغربه وجنوبه، وبوصفها ممراً أساسياً لطرق الإمداد والتجارة.

ويشكل الإقليم المنطقة الوسطى والجنوبية من السودان، ويقع بين دارفور غرباً ووادي نهر النيل الأبيض شرقاً، وتبلغ مساحته نحو 390 ألف كيلومتر مربع، والجزء الشمالي منه صحراوي، وتغلب عليه التربة الرملية ويكاد يخلو من مظاهر التضاريس الواضحة، وتوجد فيه بعض أشجار السنط والحشائش الصحراوية والشجيرات الشوكية، أما الجزء الجنوبي من كردفان فهو سهل طيني مستوٍ أو متموج بلطف، وتتخلله جبال النوبة الجرانيتية المتناثرة في الشرق، والتي ترتفع إلى نحو 900 متر، وتتوفر المياه بدرجة أكبر نسبياً حول جبال النوبة، التي تغطيها الأشجار وأنواع أخرى من الغطاء النباتي.

ومن الناحية الاقتصادية ظل إقليم كردفان يلعب دوراً أساسياً في الأمن الغذائي للبلاد، نظراً لاعتماده على الزراعة المطرية وتربية الماشية، ويهدد تعطيل هذا الدور بسبب الحرب بتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية على مستوى السودان كله.

وفي شمال الإقليم، تحدّ ندرة المياه الشديدة من إنتاج المحاصيل الزراعية، ولكن ينتشر رعي الإبل والأغنام والماعز، وتوجد بعض الحرف التقليدية مثل صناعة الجلود ونسج السجاد.

أما جنوب كردفان فهو أكثر إنتاجية من الناحية الزراعية، حيث تُزرع الحبوب والقطن والسمسم والذرة الرفيعة والصمغ العربي باستخدام أسلوب الزراعة المتنقلة، وتشمل الصناعات في الجنوب محالج القطن، ومعاصر البذور الزيتية، ومصانع الصابون.

لكن ما هي قصة هذا الإقليم الذي يُعد من أكثر أقاليم السودان أهمية من حيث الموقع والدور التاريخي؟

تاريخ

كان إقليم كردفان مأهولاً في الأصل بشعوب نوبية سمراء البشرة ناطقة باللغات النوبية، ويُحتمل أن يكون اسم الإقليم مشتقاً من الكلمة النوبية "كورتا" التي تعني "الرجال"، وربما خضع الإقليم لسيطرة سلالة تونغور المسيحية في الفترة ما بين عامي 900 و1200 ميلادية، ثم أصبح لاحقاً جزءاً من إمبراطورية كانم–برنو الأفريقية التجارية.

وبحلول القرن الرابع عشر، انتشرت القبائل العربية البدوية القادمة من مصر جنوباً في أنحاء كردفان كافة، وامتزجت ببعض السكان الأصليين، في حين دُفعت بقايا هؤلاء السكان الأصليين إلى المناطق الجبلية.

وفي القرن السابع عشر تأسست سلطنة المسابعات في الإقليم، وخلال القرن الثامن عشر ادّعى كل من سلاطين الفونج في سنار وسلاطين دارفور السيطرة على كردفان، لكن دون أن يترك ذلك أثراً دائماً.

وفي أوائل عشرينيات القرن التاسع عشر، أقامت مصر إدارتها في الإقليم، وكانت تجارة الرقيق ذات أهمية كبيرة في كردفان إلى أن قام السير تشارلز غوردون، الحاكم العام للسودان، بالقضاء عليها، وهو ما أدى إلى تمرد قصير الأمد عام 1878.

وبقيت كردفان تحت الحكم المصري حتى عام 1882، عندما قاد الزعيم السوداني المسلم محمد أحمد بن عبد الله المعروف بـ "المهدي" ثورة السودان، وفي منطقة قَزقيل بكردفان أُبيدت قوات الكولونيل وليام هيكس والجنود المصريين الذين أُرسلوا لسحق الثورة المهدية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1883.

وفي عام 1899، وبعد عام واحد من معركة أم درمان، قُتل عبد الله التعايشي خليفة المهدي، وانتقل السودان إلى الحكم الثنائي البريطاني–المصري، وأصبحت كردفان إحدى ولايات السودان.

ومع إعادة احتلال السودان في مطلع القرن العشرين وقيام الحكم الثنائي البريطاني المصري، دخلت كردفان مرحلة من الاستقرار النسبي، فقد عملت الإدارة الجديدة على إعادة تنظيم الإقليم إدارياً وربطه ببقية البلاد، مع التركيز على استغلال موارده الزراعية.

وفي هذه الفترة، برز الصمغ العربي بوصفه أحد أهم صادرات السودان، وكانت كردفان من أبرز مناطق إنتاجه، ما عزز ارتباط الإقليم بالاقتصاد العالمي.

بعد الاستقلال

بعد استقلال السودان عام 1956، واجهت كردفان تحديات الدولة الوطنية الوليدة، فالإقليم، رغم أهميته الاقتصادية والجغرافية، لم يحظَ بنصيب عادل من التنمية والاستثمار في البنية التحتية.

وقد أسهم هذا التفاوت التنموي بين المركز والأقاليم في تعميق الشعور بالتهميش، لا سيما في جنوب كردفان، حيث تداخلت قضايا التنمية والهوية والانتماء السياسي.

وفي العقود التالية، أصبحت أجزاء من كردفان مسرحاً لصراعات مسلحة متقطعة، مرتبطة بالحرب الأهلية السودانية وتداعياتها، وقد أضعفت هذه الصراعات النسيج الاجتماعي، وعمقت الفجوة بين الدولة والمجتمعات المحلية، ومع انفصال جنوب السودان عام 2011، ازداد الوضع تعقيداً حيث تمتد حدود الإقليم مع الدولة الوليدة.

مصدر الصورة

وأعادت الحرب الحالية أيضاً إبراز البنية الاجتماعية المعقدة للإقليم، حيث تتداخل أنماط العيش بين الرعي والزراعة، وتتصاعد التوترات مع غياب الدولة وضعف مؤسساتها حيث ظلت كردفان منطقة تفاعل بين مجتمعات مختلفة، وكانت إدارة هذا التنوع عاملاً حاسماً في استقرار الإقليم أو اضطرابه.

واليوم، ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، عادت كردفان إلى صدارة المشهد الوطني، فالإقليم يمثل القلب الجغرافي للسودان، والسيطرة عليه تعني التحكم في طرق الإمداد والاتصال بين الأقاليم السودانية.

وفي مدينة الأبيض، كبرى مدن الإقليم وعاصمته التاريخية، فرضت التطورات الميدانية واقعاً جديداً قاسياً على السكان، فقد أدت الاشتباكات المتقطعة والقصف المتبادل إلى شلل شبه كامل في الحركة الاقتصادية، وأُغلقت الأسواق، وتوقفت سلاسل الإمداد القادمة من الخرطوم ودارفور.

وهكذا، باتت الأبيض، التي كانت تاريخياً مركزاً تجارياً يربط أقاليم السودان المختلفة، رمزاً لانهيار الاستقرار في قلب البلاد.

وفي جنوب كردفان، لا سيما في محيط كادوقلي ومناطق جبال النوبة، تبدو الحرب الحالية امتداداً لتاريخ طويل من النزاعات المسلحة، فهذه المناطق عانت لعقود من التهميش والصراع، ومع اندلاع الحرب الشاملة في السودان، وجدت نفسها مرة أخرى في دائرة العنف.

وأدت الهجمات بالطائرات المسيّرة والاشتباكات البرية إلى نزوح واسع، وأعادت إنتاج أنماط معاناة قديمة لم تفلح اتفاقات السلام السابقة في إنهائها، ويواجه المدنيون، خصوصاً في القرى الجبلية، انعدام الأمن الغذائي وغياب الخدمات الأساسية، في مشهد يعكس هشاشة البنية المدنية في الإقليم.

كما تعاني المستشفيات نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية، فيما يعيش المدنيون تحت ضغط الخوف من اتساع رقعة القتال داخل الأحياء السكنية.

ويعكس الجانب الإنساني للأزمة في كردفان عمق المأساة السودانية الراهنة، فالنزوح الجماعي، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وانتشار سوء التغذية، كلها مظاهر تضع الإقليم على حافة كارثة طويلة الأمد، والأطفال والنساء وكبار السن هم الأكثر تضرراً، في ظل غياب شبكات حماية اجتماعية فعالة، واستمرار القتال دون أفق سياسي واضح.

ووفقاً لإحصاءات نشرتها المنظمة الدولية للهجرة في 11 يونيو/حزيران الماضي، فقد نزح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان الذي مزقته الحرب، ومنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان من عام 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، فرّ 7.26 مليون شخص من ديارهم، إضافةً إلى 2.83 مليون شخص نزحوا بالفعل بسبب نزاعات سابقة، بحسب المنظمة.

وقد حذرت الأمم المتحدة مراراً من أن السودان يواجه أسوأ أزمة نزوح في العالم، إذ لا تزال الحرب مستمرة دون أي مؤشرات على انحسارها، ويُخيّم شبح المجاعة على البلاد.

ماذا عن المستقبل؟

مصدر الصورة

وفي المحصلة، يكشف تاريخ كردفان، كما توثقه دائرة المعارف البريطانية، عن إقليم ظل دائماً في قلب التحولات الكبرى للسودان، ذلك أن موقعه الجغرافي، وموارده الاقتصادية، وتنوعه الاجتماعي، جعلته عنصراً أساسياً في معادلة الدولة السودانية، لكن هذه العوامل جعلته أيضاً عرضة للصراع والتهميش، وما يجري اليوم على أرضه ليس حدثاً معزولاً، بل فصل جديد في تاريخ طويل من التداخل بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد.

ويبقى مستقبل كردفان، كما مستقبل السودان كله، مرهوناً بإنهاء الحرب ومعالجة جذور التهميش التي غذّت الصراع عبر عقود، وبدون ذلك، سيظل الإقليم، كما كان في كثير من مراحل تاريخه، ساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الأزمات، ومرآة تعكس اختلال العلاقة بين المركز والأطراف في الدولة السودانية.

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا