آخر الأخبار

هل تمسك طهران “العصا من المنتصف” لحفظ التوازنات الإقليمية؟

شارك

طهران- في ظل تسارع التطورات الأمنية في جنوب اليمن، واتساع نطاق التوتر في البحر الأحمر و القرن الأفريقي، برز خلال الأيام الأخيرة تحرك دبلوماسي إيراني متزامن، رافقه خطاب رسمي يُحذّر من المساس بوحدة الدول وسلامة أراضيها، وفي مقدمتها اليمن، باعتبار ذلك عاملا رئيسيا في منع انزلاق المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار.

ولم يأتِ هذا التحرك في إطار تصريحات منفردة، بل تجسّد في سلسلة اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع عدد من العواصم الخليجية، إضافة إلى تواصل مباشر مع الجانب اليمني.

وقد تقاطعت هذه الاتصالات عند عناوين مشتركة، أبرزها التأكيد على وحدة اليمن، وتنفيذ خريطة الطريق، والدعوة إلى حوار يمني يمني شامل، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية.

تحرُّك دبلوماسي

وأكدت إيران رسميا متابعتها "عن كثب" للتطورات الأمنية في جنوب وشرق اليمن، مشددة على ضرورة الحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها، ومعالجة القضايا الراهنة عبر الحوار وضبط النفس، بما يراعي مصالح الشعب اليمني والاعتبارات الأمنية الإقليمية.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن أي إجراء يفاقم عدم الاستقرار في اليمن وانعدام الأمن في المنطقة "غير مقبول"، مؤكدا أن الحل الوحيد للأزمة اليمنية يكمن في الحوار الشامل، وتنفيذ خريطة الطريق، وتشكيل حكومة جامعة في إطار وحدة اليمن وسلامة أراضيه.

وتزامن هذا الموقف مع اتصالات أجراها عراقجي مع نظرائه في قطر و السعودية و الإمارات و سلطنة عُمان و البحرين، ركّزت على تطورات الأوضاع في اليمن، لا سيما في جنوبه، وجرى التأكيد على وحدة اليمن وسيادته، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

كما أجرى وزير الخارجية الإيراني اتصالا مع القائم بأعمال وزارة الخارجية في حكومة التغيير والبناء اليمنية عبد الواحد أبو راس بحث خلاله التطورات الأخيرة، مؤكدا ضرورة الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي اليمنية، والدعوة إلى حوار بين جميع الأطراف.

إعلان

ورحّب الوزير عراقجي بالاتفاق الأخير بين الأطراف اليمنية والسعودية بشأن تبادل الأسرى، مشددا على أن الحل لا ينفصل عن رفع الحصار وتنفيذ بقية بنود خريطة الطريق.

ولا ينفصل هذا الحراك الإيراني حول اليمن عن سياق إقليمي أوسع، إذ دانت الخارجية الإيرانية -في تصريحات منفصلة- ما وصفته بالانتهاك "الصارخ" لسيادة الصومال ووحدة أراضيه، معتبرة أن محاولات الدفع نحو تقسيمه تندرج ضمن سياسات تهدف إلى زعزعة الاستقرار في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في تأكيد متكرر على خطاب وحدة الدول وسلامة أراضيها.

تحوُّل وتوازنات

وفي السياق، يرى الباحث السياسي علي موسوي خلخالي أن ما تشهده المنطقة يتجاوز تطورات محلية، ويعكس مسارا أوسع لإعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط، موضحا أن هناك مساعي جادة لتغيير "النهج "السائد في المنطقة، ويجري تنفيذ هذا المسار حاليا في الدول التي تعاني أزمات حادة، مع وجود محاولات لنقل هذا النموذج لاحقا إلى دول أخرى.

ويضيف خلخالي للجزيرة نت أن هذا المسار مرشح للامتداد إلى بلدان تعاني أصلا من أزمات اقتصادية وسياسية وتعقيدات قومية، معتبرا أن "شرارة هذا التحول انطلقت من السودان، ثم انتقلت إلى سوريا والصومال، وقد تمتد لاحقا إلى العراق و تركيا".

وحول اليمن، يوضح خلخالي، أن البلاد تُعد اليوم إحدى ساحات التداخل الإقليمي، حيث تخضع لتأثير متقاطع لكل من إيران والسعودية والإمارات، مشيرا إلى أن لكل طرف مصالحه الخاصة التي يسعى لتحقيقها، دون وجود أرضية مشتركة حقيقية فيما بينهم، رغم وصول إيران والسعودية إلى مرحلة بات فيها كل طرف يحترم مصالح الآخر.

مصدر الصورة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أجرى اتصالات مع وزراء خارجية دول خليجية لإرساء التهدئة باليمن (غيتي)

وعن حدود الدور الإيراني، يلفت خلخالي إلى أن طهران تراقب في المرحلة الراهنة السجالات القائمة بين الإمارات والسعودية، دون أن تنخرط فيها، إدراكا منها لحساسيات البيئة العربية، وتجارب سابقة أظهرت -وفق تعبيره- أن دخول دول غير عربية على خط النزاعات العربية غالبا ما يحوّلها إلى "عدو مشترك" للأطراف المتنازعة، وهو ما لا يقتصر على إيران وحدها، بل يشمل تركيا أيضا.

ويخلص إلى أن إيران، في هذه المرحلة، تكتفي بالتأكيد على ثوابتها التقليدية، وفي مقدمتها اعتبار تقسيم الدول خطا أحمر، وضرورة الحفاظ على استقلالها ووحدة أراضيها، مكتفية بالتحركات والاتصالات الدبلوماسية، مضيفا أن طهران، في الوقت نفسه، منخرطة في صراع مفتوح مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تبدو معنية بفتح جبهة جديدة أو إضافة ملف صراعي جديد إلى ساحات اشتباكها القائمة.

تنافس النفوذ

من جهته، يرى الدبلوماسي الإيراني السابق أبو القاسم دلفي أن المشهد اليمني، شأنه شأن ما يجري في دول أخرى مثل ليبيا والسودان، يتسم بدرجة عالية من التعقيد، ويعكس في ظاهره حالة تنافس حاد بين عدد من دول المنطقة، لا سيما في نطاق الخليج، تسعى إلى بسط النفوذ والسيطرة على هذه الساحات، مستفيدة من القدرات الاقتصادية والسياسية، وأحيانا العسكرية، التي راكمتها خلال السنوات الأخيرة.

إعلان

ومع نفي الجزم بأن جميع هذه التطورات ناتجة حصريا عن تدخل إسرائيلي مباشر، يشدد دلفي في حديثه للجزيرة نت على أن هذا العامل لا يمكن تجاهله أو اعتباره بلا تأثير.

ويختم بقوله إن ما تراه إيران، وما تعكسه مواقفها الرسمية، هو ضرورة احتواء التنافسات الإقليمية باليمن عبر الحوار، وحل الخلافات بالوسائل السلمية، مؤكدا أن ما يجري في اليمن يجعل من وحدة البلاد وتماسكها أولوية قصوى، ليس فقط لليمنيين، بل لمصالح المنطقة بأسرها، بما يضمن قيام يمن موحد يستند إلى إرادة أبنائه ويحفظ استقرار الإقليم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا