آخر الأخبار

سيناريوهات المشهد السوري وأبرز تحدياته بين 2025 و2026

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

دمشق- شهدت سوريا في 2025 تحوُّلات غير مسبوقة منذ ما يزيد على 5 عقود، عقب سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024، ما فتح الباب أمام تغييرات سياسية واقتصادية عميقة وتحديات اجتماعية مؤجلة.

وسعت الحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع لإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي والاقتصادي، وترميم مؤسسات الدولة، ومعالجة التدهور المعيشي.

وداخليا، واجهت الحكومة صعوبات توحيد البلاد، وتعقيدات المصالحات الاجتماعية التي اصطدمت بتوترات طائفية أعاقت بناء الثقة، إضافة لمطالب شعبية متزايدة بالعدالة الانتقالية والحريات وكشف مصير المفقودين، وسط مراقبة دولية حذرة.

أما خارجيا، فشكّلت الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة تحديا كبيرا قوّض الاستقرار الهش وزاد الضغوط على مسار التعافي.

بشائر وقرارات

وشهد مطلع 2025 تنصيب قائد هيئة تحرير الشام (تضم مجموعة من فصائل المعارضة) أحمد الشرع، رئيسا لسوريا في المرحلة الانتقالية، في خطوة هدفت لملء الفراغ السياسي والإداري بعد انهيار النظام السابق.

وتلا ذلك سلسلة من القرارات:


* إبطال العمل بدستور 2012.
* حلّ حزب البعث ومجلس الشعب.
* تفكيك الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للنظام السابق.
* إعلان الشرع "خارطة طريق سياسية".

كما حمل 2025 بشائر إيجابية، أبرزها:


* إلغاء قانون قيصر ورفع عقوبات أميركية ودولية.
* شطب " هيئة تحرير الشام" من قوائم الإرهاب ببعض الدول.
* رفع أسماء قيادات سورية من قوائم العقوبات الأممية.

ويبقى عام 2026 مفصليا، باعتباره اختبارا لقدرة الإدارة السورية الجديدة على تحويل هذه الفرص إلى استقرار مستدام، وتحقيق توازن بين متطلبات الداخل وتعقيدات الإقليم، وطي صفحة الصراع.

مصدر الصورة الرئيس السوري أحمد الشرع خلال اجتماع حضره قادة الجماعات المسلحة بعد سقوط نظام بشار الأسد (رويترز)

داخليا وخارجيا

وفي 25 فبراير/شباط 2025، انطلق مؤتمر الحوار الوطني، بمشاركة قوى سياسية واجتماعية، وفي مارس/آذار الماضي أُعلن رسميا الإعلان الدستوري المؤقت، وأعقبه تشكيل حكومة انتقالية في 29 من الشهر نفسه، مع إنشاء مجلس للأمن القومي.

إعلان

وشهدت البلاد في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تنظيم أول انتخابات لمجلس الشعب بعد التحرير، وفق نظام انتخابي مؤقّت وغير مباشر، لتشكيل سلطة تشريعية انتقالية.

وبالتوازي مع المسار الداخلي، نشطت الدبلوماسية السورية إقليميا ودوليا خلال العام الجاري، عبر زيارات رسمية إلى السعودية و قطر و تركيا، وأخرى إلى فرنسا و روسيا، وصولا لزيارة وصفت بالتاريخية إلى واشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم.

وإداريا، شرعت الإدارة السورية الجديدة بإعادة هيكلة واسعة شملت استحداث وزارتي "الطوارئ والكوارث" و"الرياضة والشباب"، ودمج وزارات الصناعة والتجارة والتموين.

وأقرت الحكومة زيادة على رواتب العاملين بنسبة 200%، وتبنّت سياسة تحرير الأسعار التي طالت الخبز والمشتقات النفطية والكهرباء، بالتوازي مع توحيد التعرفة الجمركية، وتعديل رسوم الواردات، وإحداث هيئة عامة للمنافذ والجمارك، إلى جانب إعادة هيكلة السفارات والبعثات الدبلوماسية لتحسين الأداء وتوحيد السياسات الخارجية.

إصلاحات وتحديات

وشهد الاقتصاد السوري مطلع 2025 مرحلة جديدة اتسمت بتحسن نسبي في سعر صرف الليرة (العملة الوطنية)، مع بقاء معدلات النمو ضمن نطاق محدود.

واتخذت الحكومة السورية خطوات وُصفت بالملموسة، أبرزها الإعلان عن جذب استثمارات خارجية بنحو 28 مليار دولار وفق تصريحات الرئيس الشرع، كما أبرمت صفقات لإعادة تأهيل البنى التحتية وقطاعي الطاقة والنقل، شملت مشاريع توليد الكهرباء، والطاقة الشمسية، وتطوير الموانئ والطرق.

وأُقر نظام ضريبي جديد يتضمن إعفاءات وحوافز للصناعيين، وأُدخلت تعديلات على قانون الاستثمار لتقديم تسهيلات وضمانات بعدم تدخل الحكومة، إضافة لإعلان استئناف التداول في سوق دمشق للأوراق المالية.

وماليا، أعلن مصرف سوريا المركزي إعادة الربط بنظام التحويلات الدولي "سويفت" بعد سنوات من العزلة.

وفي حين شكل ديسمبر/كانون الأول محطة بارزة مع توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قانون الموازنة الدفاعية لعام 2026 المتضمن إلغاء قانون قيصر، وسط توقعات بعودة تدريجية للاستثمارات السورية الخارجية، شريطة اقتران ذلك بإصلاحات اقتصادية حقيقية.

مصدر الصورة الإدارة السورية الجديدة زادت نسبة الرواتب للموظفين بنسبة 200% (شبكة أخبار الحوائق الأولى)

وحول آفاق 2026، يرى الباحث الاقتصادي، الدكتور فراس شعبو، أن رفع العقوبات يفتح الباب أمام الاستثمار والتمويل الدوليين، خصوصا في قطاعات البنى التحتية، مؤكدا أن بعض الاتفاقات الكبرى بدأ تنفيذها في الحدود الدنيا.

لكن شعبو يشدّد -في حديثه للجزيرة نت- على أن سوريا لا تزال في مرحلة استقرار لا تعاف، إذ يتطلب التعافي استقرارا ماليا ونقديا وسياسيا، وتحسين الدخل، وتعزيز الشفافية والحوكمة.

ويشير إلى وجود تحديات كبيرة، أبرزها:


* نقص التمويل المقدر بين 250 و300 مليار دولار.
* صعوبات الاندماج الكامل في النظام المالي الدولي.
* غياب التخطيط الشامل لإعادة الإعمار.

ويحذّر شعبو من إعادة إنتاج الفساد بأشكال جديدة رغم التقدم المؤسساتي القائم.

مسار المصالحات

وخلال 2025، بذلت الإدارة السورية الجديدة جهودا ملحوظة لبناء مسار المصالحة الاجتماعية، بدأت بإطلاق عمليات تسوية أمنية شملت تسوية أوضاع المجندين في جيش النظام السابق ممن لم يتورطوا في سفك الدماء، ودعوات لتسليم السلاح وحصره بيد الدولة.

إعلان

وفي مارس/آذار 2025، تعرض مسار المصالحة الاجتماعية والوطنية لانتكاسة، بعد اندلاع أعمال عنف واسعة في الساحل السوري أدت إلى مقتل 1400 شخص.

وحول تلك الأحداث، خلُص تقرير صادر عن لجنة التحقيق التابعة ل لأمم المتحدة المعنية بسوريا إلى أن جرائم حرب ارتكبت على الأرجح من جانب كل من قوات الحكومة السورية الجديدة والمسلحين الموالين لنظام الأسد.

وشكل الرئيس الشرع لجنة تحقيق وطنية، أصدرت تقريرها النهائي في 22 يوليو/تموز الماضي، وأكدت حدوث انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، شملت القتل والقتل العمد والسلب وتخريب البيوت وحرقها والتعذيب والشتم بعبارات طائفية. وحددت اللجنة أسماء 265 من المتهمين المحتملين.

وبعد أحداث الساحل، أصدر الشرع أيضا مرسوما يقضي بتشكيل اللجنة العليا للسلم الأهلي، وحُددت مهامها بالتواصل المباشر مع أهالي الساحل، للاستماع إليهم، ودعمهم بما يضمن حماية أمنهم واستقرارهم، وتعزيز الوحدة الوطنية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بدأت السلطات القضائية السورية أولى المحاكمات العلنية بحق متورطين في أحداث الساحل.

مصدر الصورة الرئيس أحمد الشرع (يمين) وقّع مع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي اتفاق 10 مارس/آذار (الفرنسية)

وشهد مارس/آذار الماضي أيضا، توقيع الحكومة في دمشق اتفاقا وُصِفَ بالتاريخي مع قوات سوريا الديمقراطية ( قسد) لإعادة إدماج مؤسساتها المدنية والعسكرية في إطار الدولة السورية الموحدة، وهو اتفاق اعتُبر خطوة نحو الوحدة الوطنية والتكامل بين مكونات المجتمع السوري المختلفة.

وبالعودة إلى مسار المصالحة الاجتماعية والوطنية، أصدر الرئيس الشرع، في مايو/أيار الماضي، مرسومين يقضيان بتشكيل "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" و"الهيئة الوطنية للمغيبين والمفقودين قسرا".

ووفقا للمرسومين، تُكلَّف هيئة العدالة الانتقالية بإظهار الحقائق حول انتهاكات النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا تمهيدا للمصالحة الوطنية. في حين تُكلَّف هيئة المغيبين والمفقودين بالكشف عن مصير المفقودين، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لذويهم.

وفي يوليو/تموز الماضي شهدت محافظة السويداء، جنوبي سوريا، موجة عنف، ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 814 شخصا، وإصابة أكثر من 903 آخرين بجروح متفاوتة، في حين قدرت مصادر أخرى عدد القتلى بأكثر من 1500.

وعلى خلفية الأحداث، شكّلت وزارة العدل لجنة تحقيق لكشف ملابسات ما جرى والانتهاكات المرتكبة، وإحالة المتورطين للقضاء.

وفي 17 سبتمبر/أيلول جرى توقيع "خريطة طريق لحل أزمة السويداء" بمشاركة الحكومة السورية و الأردن و الولايات المتحدة، استكمالا لاجتماعات سابقة في عمّان، وأكدت الخريطة وحدة الأراضي السورية ورفض أي مطالب انفصالية.

مصدر الصورة أحداث الساحل السوري شهدت محاكمات للمتهمين فيها لتعزيز السلم الأهلي (وزارة العدل السورية)

الحاجة للسلم

ويرى الإعلامي والباحث أيمن عبد النور، أن فرص تحقيق تقدم في المصالحة المجتمعية ما تزال قائمة، خاصة مع إعلان الحكومة أن 2026 "عام التنمية".

ويقترح توسيع العنوان ليشمل "التنمية والتعارف"، باعتبار أن التعارف بين السوريين هو المدخل الأول للمصالحة وتجاوز الأحكام المسبقة التي خلّفها النظام السابق.

ويشير عبد النور إلى الحاجة الملحّة لتشكيل فريق مختص بالسلم الأهلي يتولى تعزيز القيم الجامعة، وبث رسائل الطمأنة، والحد من الخطاب التحريضي والطائفي، معتبرا ذلك شرطا أساسيا لإدارة التنوع المجتمعي في المرحلة المقبلة.

ويؤكد أن الإدارة السورية الجديدة لم تعد تعمل ضمن بيئة متجانسة كما كان الحال في إدلب قبل ديسمبر/كانون الأول 2024، بل تواجه واقعا مجتمعيا متنوعا ومعقدا، ما يستدعي زيادة الثقة في المكونات المختلفة، وتشكيل فريق مهني عالي الكفاءة لإدارة ملف السلم الأهلي وتمهيد الطريق لمصالحة مستدامة.

معضلة إسرائيل

ويبقى التحدي الأمني الأبرز أمام تلك الإدارة هو الخروقات الإسرائيلية المتواصلة للسيادة، لما تفرضه من واقع ميداني معقّد يهدد الاستقرار ويقوض أي تفاهمات محتملة.

إعلان

فمنذ سقوط النظام السابق، نفّذت إسرائيل أكثر من 1000 غارة جوية، بينها هجمات دامية كما جرى في بيت جن، وعملية "سهم باشان" التي استهدفت مئات المواقع العسكرية.

وشهد عام 2025 مئات عمليات التوغل البري في الجنوب، أسفرت عن السيطرة على مساحات واسعة، في خرق لاتفاق 1974، وتصاعد التدخل ليشمل قصف مواقع سيادية في دمشق.

وفي السياق، يرى الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان، أن عام 2026 سيشهد استمرارا في محاولات التوصل إلى تفاهمات بين الحكومة السورية و تل أبيب، لافتا إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو تميل لكسب الوقت، ما قد يدفعها إلى تنفيذ عمليات محدودة في سوريا.

ويقول علوان للجزيرة نت إن الضغوط الأميركية عامل أساسي لمنع الإخلال بالاستقرار الإقليمي، خاصة وأن مسار المفاوضات معقّد، وأن "إسرائيل تتعامل مع الحكومة السورية على اعتبارها ضعيفة، في حين تجد دمشق نفسها أمام شروط غير ممكنة ﻷنها تمس استقرار سوريا والجنوب عموما".

ويبين علوان أن أوراق القوة السورية ترتكز في الضغط الأميركي والحاجة الإقليمية والدولية إلى الاستقرار في ما يخص الملف السوري الإسرائيلي، معتبرا أن الوصول إلى اتفاق أمني هو أولوية لدمشق وتل أبيب على حد سواء.

سيناريوهات

ومن جملة التحديات الأمنية التي تواجهها الإدارة السورية في طريق توحيد البلاد وفرض الاستقرار، تبرز عرقلة تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس مع "قسد"، القاضي بدمج قواتها ضمن مؤسسات الدولة السورية.

وفي السياق ذاته، تشهد محافظات الساحل والسويداء خروج دعوات ذات طابع انفصالي تستند إلى مخاوف أمنية وطائفية بعد الأحداث الأخيرة في المنطقتين ما يشكل تحديا مباشرا لوحدة البلاد.

ويضاف إلى ذلك ملف الاتفاق الأمني مع إسرائيل، الذي يرى علوان أنه يراوح بين سيناريوهين:


* نجاح الضغوط الأميركية والدولية والتوصل إلى تفاهمات تؤدي إلى خفض مستوى التوتر الأمني ومنح الإدارة السورية هامشا أوسع للتركيز على تثبيت الأمن الداخلي وبسط سلطة الدولة.
* استمرار التعطيل الإسرائيلي وبقاء الجنوب ساحة مفتوحة للتصعيد، ودخول سوريا في مرحلة أكثر تعقيدا على الصعيدين الداخلي والخارجي.
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا