كشفت أبحاث حديثة أن نحو 40% من الأشخاص حول العالم أصبحوا يتجنبون متابعة الأخبار بشكل منتظم، بسبب الشعور المتزايد ب الإرهاق النفسي الناتج عن التدفق المستمر للأحداث السلبية من حروب وأزمات وكوارث، وهو ما جعل الكثيرين يشعرون بأن متابعة الأخبار أصبحت عبئًا يوميًا أكثر من كونها مصدرًا للمعلومة.
ويُفسَّر هذا السلوك في دراسات علم النفس على أنه لا يرتبط بالكسل أو فقدان الاهتمام بالشأن العام، بل يعود إلى طريقة عمل الدماغ البشري الذي يميل بطبيعته إلى إعطاء الأولوية للمعلومات السلبية والمهدِّدة أكثر من غيرها. وتُعرف هذه الآلية باسم "التحيز السلبي"، وهي سمة تطورية قديمة ساعدت الإنسان على البقاء عبر التركيز السريع على الأخطار المحتملة.
وهذه الخاصية لم تتشكل في العصر الحديث، بل تعود إلى آلاف السنين، حين كان بقاء الإنسان يعتمد على سرعة ملاحظة الخطر في بيئته.
في ذلك السياق القديم، كان الانتباه لصوت حركة في العشب أو علامة خطر محتملة مسألة حياة أو موت، لذلك تطور الدماغ ليمنح الأولوية تلقائيًا لأي إشارة تهديد. أما اليوم،
فقد أصبح هذا النظام نفسه يتعامل مع كمّ هائل من الأخبار القادمة من مختلف أنحاء العالم، من نزاعات مسلحة وأزمات اقتصادية وكوارث طبيعية، وكأنها كلها تهديدات شخصية مباشرة، رغم أن معظمها لا يمس حياة الفرد اليومية بشكل مباشر.
هذا التحول خلق حالة من الإرهاق الذهني، إذ يجد كثير من الأشخاص أنفسهم أمام سيل لا ينقطع من الأخبار الثقيلة، ما يؤدي إلى شعور بالقلق والتوتر وأحيانًا بالعجز عن الفهم أو التأثير.
وتشير دراسات حديثة إلى أن الأخبار السلبية لا تجذب الانتباه فقط بشكل أكبر، بل إن الجسم أيضًا يتفاعل معها بشكل فوري، حتى قبل أن يقرر العقل مدى أهميتها أو ارتباطها المباشر بالشخص.
وفي بعض الحالات، قد يؤدي هذا التعرض المستمر إلى ما يُعرف بـ"الإجهاد الناتج عن استهلاك الأخبار"، وهو حالة نفسية يشعر فيها الفرد بالانشغال المفرط بالأخبار، مع اضطراب في المزاج وصعوبة في التركيز وأداء المهام اليومية.
وقد أظهرت أبحاث أن نسبة من الأشخاص الذين يعانون من هذا النمط يشعرون بتأثيرات نفسية واضحة مقارنة بمن يتابعون الأخبار بشكل محدود ومنتظم.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الحل لا يكمن في الابتعاد الكامل عن الأخبار، لأن ذلك قد يؤدي إلى فقدان الوعي بما يجري في العالم، وهو أمر غير صحي أيضًا في سياق المجتمعات الحديثة والديمقراطية. لكن الحل الأفضل يتمثل في تنظيم طريقة استهلاك الأخبار بدلًا من الانقطاع عنها.
ويشمل ذلك مثلًا تخصيص أوقات محددة خلال اليوم لمتابعة الأخبار بدل التصفح العشوائي المستمر، والاعتماد على مصادر موثوقة بدل التشتت بين منصات متعددة تقدم محتوى سريعًا ومليئًا بالعاطفة والمبالغة. كما يُنصح بالتركيز على المحتوى العميق الذي يشرح الأحداث بدل الاكتفاء بالمنشورات السريعة والمقتضبة.
ويشدد الخبراء أيضًا على أهمية التمييز بين ما يمكن للفرد التحكم فيه وما هو خارج عن إرادته، لأن هذا الفارق يلعب دورًا مهمًا في تقليل التوتر النفسي. فكلما شعر الإنسان بأنه غير قادر على التأثير في ما يراه، زاد شعوره بالإرهاق والضغط النفسي.
كما يتم التحذير من المحتوى المصمم لإثارة الغضب أو الانفعال، والذي يُعرف أحيانًا بـ"لمحتوى الاستفزازي"، لأنه يعتمد على جذب التفاعل عبر المشاعر السلبية، ما يزيد من حدة التوتر دون أن يقدم دائمًا معلومات مفيدة أو دقيقة.
وفي النهاية، يخلص التحليل إلى أن الأخبار ستبقى جزءًا أساسيًا من حياتنا ولن تصبح أقل كثافة أو تأثيرًا، لكن ما يمكن تغييره هو طريقة التعامل معها. فمع بعض التنظيم والوعي بكيفية استهلاك المعلومات، يمكن تقليل الضغط النفسي الناتج عنها، دون الانعزال عن العالم أو فقدان متابعة ما يحدث فيه.
المصدر:
يورو نيوز