مع تصاعد التوترات في منطقة الخليج وارتفاع المخاطر المحيطة بالملاحة نحو الموانئ الإيرانية، اتجهت طهران إلى اختبار الموانئ الباكستانية ممرا بديلا لعبور البضائع المتجهة إليها، عبر شبكة طرق تربط موانئ كراتشي وبورت قاسم وغوادر بالمعابر الحدودية بين باكستان و إيران.
وبحسب ما نُشر في تقارير إعلامية، أعلنت وزارة التجارة الباكستانية في أواخر أبريل/نيسان الماضي السماح لإيران باستيراد بضائع من دول ثالثة عبر الأراضي الباكستانية، بموجب قرار حمل عنوان "أمر عبور البضائع عبر باكستان لعام 2026".
ويهدف القرار إلى تسريع تصريف الحاويات المتجهة إلى إيران والعالقة في الموانئ الباكستانية، في ظل اضطراب خطوط الشحن بفعل التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
وحسب التقارير الإعلامية، حددت باكستان 6 مسارات برية لنقل البضائع من 3 موانئ هي كراتشي وبورت قاسم وغوادر باتجاه المعابر الحدودية مع إيران.
وتعيد هذه الخطوة تفعيل اتفاقية نقل بري موقعة بين إيران وباكستان عام 2008، لكنها لم تُستخدم سابقا على نطاق واسع، بسبب اعتماد إيران على موانئها ومساراتها التقليدية.
وقدمت وكالة فارس الإيرانية الخطوة الباكستانية بوصفها تحولا يتجاوز المعالجة اللوجستية المؤقتة، إذ اعتبرت أن باكستان "ملأت فراغ جبل علي" بالنسبة لإيران، عبر خفض رسوم ميناء غوادر واستقبال أول سفينة غيرت مسارها بسبب الظروف الإقليمية.
ووفقا لوكالة فارس، قدمت باكستان خصومات على رسوم الميناء تراوحت بين 31% و40%، إلى جانب منح شهر تخزين مجاني، في محاولة لجذب بضائع الترانزيت المتجهة إلى إيران.
كما أشارت الوكالة إلى أن ميناء غوادر استقبل السفينة "إم في شو لونغ"، وعلى متنها نحو 16 ألف طن من البضائع، بوصفها أول سفينة ترانزيت غيرت مسارها نحو الميناء.
وتستند هذه الرواية إلى الدور الذي لعبه ميناء جبل علي في الإمارات لعقود، باعتباره أحد أبرز مراكز إعادة تصدير البضائع إلى إيران، بفضل شبكاته اللوجستية والمصرفية والتأمينية وسرعة التخليص وإعادة الشحن. ومن هنا، تقول وكالة فارس إن المسار الباكستاني قد يضعف اعتماد إيران التاريخي على الإمارات.
لكن هذه القراءة المتفائلة تصطدم بواقع أكثر تعقيدا داخل باكستان.
رغم القرار الباكستاني، تقول صحيفة "بزنس ريكوردر" الباكستانية إن المسارات الـ6 التي أعلنتها الحكومة لتسهيل تجارة الترانزيت إلى إيران لا تزال غير عاملة بالشكل المطلوب.
وبحسب الصحيفة، لم يتم حتى الآن توجيه آلاف الحاويات القادمة من دول أخرى إلى إيران عبر الموانئ الباكستانية، رغم أن شركات شحن فرغت بالفعل حاويات تحمل بضائع متجهة إلى السوق الإيرانية.
وفي تصريحات خاصة للجزيرة نت، قال رئيس مجلس إدارة ميناء غوادر نور الحق بلوش إن وزارة التجارة الباكستانية أصدرت إشعارا بشأن إعادة الشحن إلى إيران، لكن إشعار الهيئة الاتحادية للإيرادات لا يزال قيد الانتظار.
وأوضح بلوش أن الهيئة لم تصدر بعد أي إشعار بشأن التخفيضات أو الإعفاءات الضريبية، مضيفا أن السياسات المتبعة لا تزال غير واضحة. وأشار إلى أنه رغم ازدياد النشاط في ميناء غوادر عقب التصعيد الأمريكي الإيراني وإغلاق مضيق هرمز، فإن بعض الحمولات لا تزال راسية في الميناء دون نقلها إلى وجهات أخرى.
وقال رئيس مجلس إدارة الميناء إن 5 سفن رست حتى الآن في غوادر بإجمالي حمولة بلغ 65 ألفا و505 أطنان مترية، بينما توجد سفينة أخرى في طريقها إلى الميناء.
يرى أستاذ الاقتصاد الإيراني بيمان مولوي، في حديث للجزيرة نت، أن ما يجري في مسار التجارة الخارجية الإيرانية نحو الموانئ الباكستانية، وخصوصا غوادر، لا يمثل حتى الآن "تحولا إستراتيجيا كاملا"، بل استجابة اضطرارية لارتفاع المخاطر الجيوسياسية في المسارات التقليدية لتجارة إيران.
ويقول مولوي إن الحرب وانعدام الأمن البحري وتهديد الشحن في الخليج والبحر الأحمر وارتفاع تكاليف التأمين، إلى جانب ضغوط العقوبات، دفعت الفاعلين الاقتصاديين الإيرانيين إلى البحث عن مسارات احتياطية، حتى لا تتوقف التجارة بالكامل إذا تعرض ميناء جبل علي أو شبكة الترانزيت التقليدية لأي اضطراب.
ويضيف الاقتصادي الإيراني أن ميناء غوادر جذاب لإيران بسبب قربه من الحدود الشرقية، واستعداد باكستان لخفض رسوم الميناء، وارتباطه بالممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، الذي يمنحه وزنا جيوسياسيا إضافيا. لكنه يشدد على أن "الميناء ليس مجرد رصيف ورافعات"، موضحا أن نجاح جبل علي اعتمد على منظومة متكاملة من الخدمات المصرفية والتأمينية واللوجستية، وسرعة التخليص، وثقة السوق العالمية.
وبحسب مولوي، لا يزال غوادر بعيدا عن نموذج جبل علي؛ إذ لا تملك فيه خطوط الشحن العالمية حضورا واسعا ودائما، كما أن خدماته المصرفية والتأمينية محدودة مقارنة بالإمارات، فضلا عن تحديات النقل البري والأمن في إقليم بلوشستان الباكستاني.
ويخلص أستاذ الاقتصاد إلى أن الميناء الباكستاني لن يحل محل جبل علي في المدى القصير، لكنه قد يؤدي دور "صمام أمان" لإيران خلال الأزمات. وإذا تطورت البنية التحتية، وتيسرت الإجراءات الجمركية، وانخفضت المخاطر الأمنية، فقد يتحول المسار الباكستاني من ممر اضطراري إلى خيار دائم ومكمل للتجارة الإيرانية.
تكشف الخطوة الباكستانية الإيرانية أن الأزمات البحرية لا تعطل التجارة فقط، بل تعيد رسم خرائطها. فطهران تختبر مسارات بديلة لتقليل اعتمادها على ممر واحد، بينما تحاول إسلام آباد استثمار موقعها الجغرافي لتنشيط ميناء غوادر، وتعزيز دورها في تجارة الترانزيت الإقليمية.
لكن غوادر، رغم أهميته، لا يملك بعد المنظومة التي جعلت جبل علي مركزا رئيسيا للبضائع الإيرانية. لذلك تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى اختبار لمسار احتياطي لا إلى انتقال كامل في بنية التجارة الإيرانية.
ومع ذلك، إذا نجحت طهران وإسلام آباد في معالجة تحديات الجمارك والأمن والبنية التحتية والتأمين، فقد يصبح المسار الباكستاني جزءا دائما من خريطة التجارة الدولية لإيران.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة