آخر الأخبار

توحيد الميزانية في ليبيا.. خطوة لتعزيز الانضباط المالي وترشيد النفقات

شارك

في تحول مالي يعد الأبرز منذ أكثر من 13 عاما، أعلنت ليبيا التوصل إلى اتفاق لتوحيد الميزانية العامة والإنفاق العام، في خطوة يراها مسؤولون مدخلا إلى الانضباط المالي واستقرار سعر الصرف وتحسين المؤشرات الاقتصادية، بينما ينظر إليها اقتصاديون باعتبارها اختبارا حقيقيا لقدرة المؤسسات الليبية على الانتقال من منطق الانقسام وتقاسم الموارد إلى منطق الإدارة الموحدة للمال العام.

ويأتي الاتفاق في بلد أنهكته لسنوات ازدواجية السلطة والانقسام الحكومي، وهو ما انعكس مباشرة على المالية العامة وعلى أداء العملة المحلية والأسعار والسيولة وثقة القطاع الخاص.

وأظهرت بيانات مصرف ليبيا المركزي أن الإيرادات عام 2025 بلغت نحو 136.8 مليار دينار (نحو 21.5 مليار دولار)، وهو مستوى مماثل للإنفاق العام في الفترة ذاتها، في مؤشر على توازن شكلي في الحسابات.

وفي المقابل أشارت بيانات المركزي إلى تجاوز مصروفات حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة حاجز 8 مليارات دينار (نحو 1.26 مليار دولار)، فيما قاربت نفقات المجالس السيادية الثلاثة نحو 3 مليارات دينار (قرابة 472 مليون دولار).

ضبط الإنفاق

لم يكن غياب الميزانية الموحدة في ليبيا مجرد خلل إداري أو فني، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى أحد أبرز مصادر الاضطراب الاقتصادي. فوجود حكومتين ومراكز قرار متعددة أفرز تكرارا في أبواب الإنفاق، وخلق مسارات صرف متوازية، ووسع الفجوة بين الإيرادات العامة والمصروفات، في اقتصاد يعتمد في الأساس على النفط لتمويل غالبية احتياجاته المالية.

وحسب البنك الدولي، فإن حصة النفط والغاز من إجمالي صادرات ليبيا عام 2024 بلغت 94%. وتشير بيانات آخر 4 سنوات إلى أن الصادرات غير النفطية تراجعت إلى ما دون مليار دولار، حيث استأثرت صادرات الحديد والصلب بنصف هذه القيمة، وذلك حسب هيئة تنمية الصادرات الليبية.

إعلان

ويكتسب الاتفاق الجديد أهميته من كونه محاولة لإعادة جمع الإنفاق العام داخل إطار واحد، يشمل المرتبات والنفقات التسييرية والدعم ومخصصات التنمية، بما يحد من التشتت الذي طبع إدارة المال العام في السنوات الماضية. وتقول الأطراف الموقعة إن الاتفاق لا يقتصر على توحيد الأرقام، بل يمتد إلى إنشاء آلية مشتركة للإشراف على الصرف والمتابعة الدورية والإفصاح عن الإيرادات والمصروفات، بما يعزز الشفافية والرقابة.

وفي السنوات الماضية شهد بند الرواتب في ليبيا تضخما لافتا، إذ ارتفعت فاتورة الأجور بشكل كبير في نحو 15 عاما، من 9 مليارات دينار (نحو 1.42 مليار دولار) عام 2009 إلى نحو 67.6 مليار دينار (قرابة 10.65 مليارات دولار) عام 2024، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي، لتشكل نحو 38% من إجمالي الإنفاق، مما يعكس تصاعد الضغوط على الإنفاق العام.

ويرى الخبير الاقتصادي علي منصور الصلح أن ما جرى الاتفاق عليه يمثل، من حيث الجوهر، جدولا لتوحيد النفقات العامة في ليبيا وتوزيعها بين النفقات الاستهلاكية والاستثمارية وفق ما جرى التوافق عليه بين الأطراف المختلفة.

إلا أنه يشير، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن فاعلية هذه الموازنة الموحدة لا تقاس بالإعلان عنها فقط، بل بمدى التزام الأطراف بضبط النفقات وعدم تجاوزها، لأن أي زيادة خارج هذا الإطار تمثل -برأيه- إخلالا مباشرا بالاتفاق وبأساس الانضباط الاقتصادي الذي يفترض أن يبنى عليه.

ويضيف الصلح أن حجم النفقات المعلن أو المتوقع لا يزال أكبر من الحجم التوازني – وهو المستوى المناسب من الإنفاق الذي يتماشى مع إيرادات الدولة دون التسبب بعجز أو ضغوط تضخمية- إلا أنه قد يساهم رغم ذلك في ضبط النفقات العامة واستخدامات النقد الأجنبي في الفترة المقبلة.

استقرار الدينار

يعد سعر صرف الدينار الليبي من أبرز المؤشرات المتوقع تأثرها بالاتفاق، بعدما ظل في السنوات الماضية عرضة لضغوط متواصلة نتيجة التوسع في الإنفاق العام، وارتفاع الطلب على النقد الأجنبي، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية. كما أسهم غياب رؤية مالية موحدة في تعميق حالة عدم اليقين داخل السوق، وأضعف قدرة مصرف ليبيا المركزي على صياغة سياسة نقدية مستقرة وقابلة للاستمرار.

ويقول الصلح إن توحيد الموازنة من شأنه أن يخلق قدرا أكبر من اليقين في السوق بشأن سعر الصرف، لأن هذا السعر يتحدد في جانب مهم منه بعناصر الطلب الكلي، وفي مقدمتها النفقات العامة. ومع وجود حجم إنفاق أكثر وضوحا، يصبح من الممكن -وفق تقديره- تحديد الحجم الأمثل للنفقات، ومن ثم الاقتراب من تحديد أكثر واقعية لسعر الصرف سواء داخل مصرف ليبيا المركزي أو في السوق الموازية. لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن التحدي يرتبط أيضا بإيرادات النفط وبقدرة الدولة على تعزيز احتياطياتها من العملات الأجنبية.

مصدر الصورة حصة النفط والغاز من إجمالي صادرات ليبيا عام 2024 بلغت 94% (رويترز)

ويذهب أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي علي الشريف في الاتجاه نفسه، إذ يرى أن توحيد الموازنة يعزز الانضباط المالي ويحد من الإنفاق الموازي، وهو ما يخفف الضغوط على سعر الصرف ويقلل من الاضطراب الذي لازم سوق العملة في السنوات الماضية.

إعلان

ويوضح الشريف للجزيرة نت أن ازدواجية الموازنة أسهمت في توسع إنفاقي غير مغطى، ورفعت الطلب على النقد الأجنبي، وعمقت العجز المالي، وأضعفت الشفافية والمساءلة، الأمر الذي انعكس في النهاية على استقرار الدينار.

ومن هذه الزاوية، لا ينظر إلى الاتفاق على أنه حل سحري يعيد للدينار قوته تلقائيا، بل خطوة يمكن أن تساعد في تقليل الاضطراب في الاقتصاد. فحين تصبح الإيرادات والإنفاق أكثر وضوحا، تقل حالة الارتباك في السوق، ويتمكن المصرف المركزي من إدارة العملة الأجنبية بشكل أفضل. ومع ذلك تبقى هناك مخاطر قائمة، مثل التوترات السياسية وتقلبات أسعار النفط، التي لا يمكن لهذا الاتفاق وحده أن يزيلها.

هل تنعكس الخطوة على الأسعار والتضخم؟

على مستوى معيشة المواطنين، تبدو مسألة الأسعار و التضخم من أكثر الجوانب حساسية، لأن الليبيين لا يقيسون نجاح الاتفاقات المالية بما تتضمنه من نصوص أو لجان، بل بقدرتها على تخفيف الضغوط اليومية المرتبطة بغلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية وتذبذب سعر العملة.

في هذا الإطار، يربط الصلح بين استقرار الأسعار ودور مصرف ليبيا المركزي في إدارة السيولة والسوق النقدية، مشيرا إلى أن الزيادة العامة في الأسعار تبقى مسألة مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرة المصرف المركزي على تحقيق الاستقرار النقدي.

ويرى أن المرحلة الحالية تمثل فرصة للسياسة النقدية كي تستفيد من هذا الاتفاق في إدارة السيولة بشكل أفضل، بما يسمح بضبط السوق النقدية في الفترة المقبلة وتحقيق قدر من الاستقرار على المستوى الاقتصادي العام.

مصدر الصورة توحيد الموازنة يعزز الانضباط المالي ويحد من الإنفاق الموازي ويخفف الضغوط على سعر صرف الدينار الليبي (رويترز)

ويؤكد أن الاتفاق، حتى في غياب موازنة موحدة مكتملة بالمعنى التقليدي المعتمد من مجلس النواب، يمكن أن يؤدي إلى قدر من الضبط في النفقات العامة، وهو ما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الكلي ويمنح السياسة النقدية مساحة أوسع للتحرك.

لكن تحقيق هذا الأثر الإيجابي يبقى مرتبطا بعدة شروط، أهمها عدم اللجوء إلى طباعة النقود لتمويل الإنفاق، وعدم تراكم ديون تفوق قدرة الدولة على السداد، إلى جانب قدرة المصرف المركزي على ضبط حجم السيولة بما يتناسب مع الموارد الحقيقية، فبدون هذه الضوابط قد يفقد الاتفاق هدفه، ويتحول من وسيلة للحد من التضخم إلى عامل يزيد الضغوط على الأسعار نتيجة استمرار الإنفاق المرتفع.

ثقة المستثمرين

على صعيد الاستثمار، تبدو أهمية الخطوة كبيرة من ناحية الإشارات التي تبعثها إلى الداخل والخارج. فالمستثمر، سواء كان محليا أو أجنبيا، ينظر عادة إلى وضوح المالية العامة واستقرار سعر الصرف وتماسك المؤسسات باعتبارها مؤشرات أساسية قبل اتخاذ أي قرار بضخ الأموال أو توسيع النشاط. وفي الحالة الليبية، كانت هذه العناصر من بين أكثر الجوانب هشاشة في السنوات الماضية.

ويرى الشريف أن وضوح المالية العامة من شأنه أن يبعث إشارات استقرار للمستثمرين، ويخفض علاوة المخاطر، ويدعم نشاط القطاع الخاص من خلال توقعات أكثر استقرارا للضرائب والإنفاق وسعر الصرف. فحين تتراجع حالة عدم اليقين، وتصبح قواعد الإنفاق أوضح، وتزيد كفاءة الرقابة على المال العام، تتحسن بالضرورة قابلية الاقتصاد لجذب رؤوس الأموال، ولو بشكل تدريجي.

لكن هذا التحسن المحتمل لا يزال رهينا بجملة من الشروط، في مقدمتها الالتزام بالشفافية والرقابة الفعالة، واستمرار إنتاج النفط بعيدا عن التجاذبات السياسية، وعدم تحول الموازنة الموحدة إلى مجرد إطار لتوزيع الموارد بين مراكز نفوذ متنافسة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار