في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
ترفع إيران وتيرة تحميل نفطها إلى مستويات لم تبلغها منذ سنوات، في وقت تتصاعد فيه أجواء المواجهة في الخليج، مع تعزيز عسكري أمريكي وارتفاع في نبرة التحذيرات المتبادلة واقتراب جولة مفصلية من المحادثات النووية في جنيف.
وبينما تعيد واشنطن تموضع قدراتها في المنطقة وتُكثّف ضغوطها، يتضخم المخزون العائم الإيراني إلى قرابة 200 مليون برميل، وفق ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية عن بيانات كبلر، وهي واحدة من أهم الشركات الرائدة عالميا في تقديم البيانات الفورية حول تداول السلع وحركة الشحن البحري.
وقد أظهرت تلك البيانات قفزة أسبوعية في شحن النفط الإيراني بلغت 27 مليون برميل بين 16 و22 فبراير/شباط الجاري، بما يعادل 3.78 ملايين برميل يوميا، أي نحو ثلاثة أضعاف المتوسط الأسبوعي السابق.
ويتزامن ارتفاع تحميل براميل النفط الإيرانية مع تشويش ملاحي قرب عسلوية في بوشهر جنوبي إيران، فيما يجري التحقق من الشحنات عبر صور الأقمار الصناعية بعد إطفاء أجهزة التعريف، في إشارة إلى اتساع الاعتماد على قنوات تشغيل سرية في لحظة حساسة.
ويتراكم النفط في عرض البحر في وقت تتباطأ فيه نسبيا وتيرة الاستيعاب الصيني للإنتاج الإيراني، مما يضع الاقتصاد الإيراني أمام معادلة مركبة: هل يعكس هذا المشهد فائضا قسريا فرضته قيود السوق، أم هو استعداد مالي وتشغيلي لعاصفة محتملة في مضيق هرمز؟
وتسجل التحميلات متوسطا شهريا يناهز 2.3 مليون برميل يوميا منذ بداية فبراير/شباط، بزيادة تقارب 50% عن متوسط الأشهر الثلاثة السابقة، وفق كبلر، ويتزامن ذلك مع تحرك الأسعار قرب أعلى مستوياتها في سبعة أشهر بحسب وكالة رويترز، ومع اقتراب جولة محادثات نووية جديدة في جنيف.
وبحسب الباحث في الاقتصاد السياسي معاذ العمودي، فإنه يمكن قراءة التسارع بثلاثة أبعاد متداخلة:
ويضيف العمودي أن هذه الأبعاد تتكامل ضمن ما يصفه بـ"إدارة صدمة مسبقة"، إذ تعيد الدولة ترتيب مركزها المالي قبل أي تصعيد محتمل، وتوسّع هامش المناورة في التفاوض عبر تعظيم التدفقات وتوسيع المخزون البحري في الوقت ذاته.
ويرى أن ارتفاع التحميل في هذه المرحلة يجسد قراءة سياسية دقيقة لمستوى المخاطر، ويعكس تحويلا استباقيا للأصول من احتياطي جامد في البر إلى مخزون قابل لإعادة التوظيف السريع، بما يمنح صانع القرار مرونة زمنية في إدارة البيع والتحصيل والتفاوض.
وعند هذه النقطة يتداخل البعد الاقتصادي مع الحسابات التفاوضية؛ فالمخزون العائم يعكس من جهة تباطؤا في التصريف وضغطا في الطلب النهائي، ويشكّل من جهة أخرى قدرة كامنة على الضخ السريع إذا شهد المسار السياسي انفراجا يسمح بتسريع البيع دون انتظار دورات تحميل إضافية.
غير أن التخزين البحري يحمل الميزانية الإيرانية كلفة تمويل وتأمين مرتفعة، ويُخرج رأس المال من دورة التحصيل الفوري، بحيث يتحول كل يوم إضافي في البحر إلى استنزاف تدريجي للعائد الصافي.
ويبلغ المخزون النفطي الإيراني العائم قرابة 200 مليون برميل وفق تقديرات كبلر، فيما تشير رويترز إلى أن انخفاض مشتريات الصين وارتفاع مخزوناتها يطيل أمد بقاء الشحنات في البحر، بينما تتمركز نسبة معتبرة قرب سنغافورة في إعادة تموضع جغرافية تهدف إلى تقليص الانكشاف المباشر على الخليج.
ويعكس تسارع التحميل قبل مفاوضات جنيف المنتظرة غدا الخميس قراءة دقيقة لمسار المفاوضات، إذ تدفع درجة عدم اليقين إلى توسيع المخزون البحري لتوفير "طبقة أمان" مالية وتشغيلية تسمح بإدارة توقيت البيع وفق تطورات السياسة لا وفق إيقاع الشحن فقط.
وكلما ارتفع المخزون العائم، فإن ذلك يشجع المصافي النفطية الصينية على طلب خصومات أكبر، خصوصا في ظل منافسة خامات روسية مخفضة.
وتعتمد الصادرات الإيرانية بدرجة كبيرة على الصين، إذ تشير بيانات كبلر إلى متوسط واردات بنحو 1.20 مليون برميل يوميا في 2026، بانخفاض 14% عن 2025، وهذا التراجع النسبي يخلق اختلالا بين العرض المتزايد والاستيعاب الفعلي.
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميا وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بينما تنقل صحيفة "الإندبندنت" أن قرابة 15 مليون برميل من الخام والمكثفات، إضافة إلى 3.3 ملايين برميل من المنتجات المكررة، تعبر المضيق يوميا، ويتجه نحو 85% منها إلى الأسواق الآسيوية.
ويعكس هذا الحجم كثافة المخاطر المتركزة في ممر بحري واحد، إذ يترجم أي اضطراب -حتى لو محدود النطاق- إلى ارتفاع فوري في كلفة النقل والتأمين، مما يؤثر على الأسعار في الأسواق، التي تتحرك غالبا على أساس الاحتمال لا الحدث، فتُسعّر علاوة المخاطر قبل وقوع التعطيل الكامل.
وفي هذا السياق يكتسب المخزون العائم بعداً مزدوجاً؛ إذ يشكّل احتياطا يسمح بالمرونة وإعادة توجيه التدفقات بسرعة إذا تصاعدت المواجهة، وفي الوقت ذاته يمثل التزاما تمويليا متراكما يضغط على صافي العائد إذا استمرت حالة الترقب من دون انفراج أو صدمة فعلية.
ويتبلور المشهد الحالي حول مسارين اقتصاديين محتملين، يحددان ما إذا كان المخزون العائم يعكس فائضا قسريا فرضته قيود السوق، أم استعدادا ماليا وتشغيليا لصدمة جيوسياسية محتملة.
يتشكل هذا المسار في حال استمرار تباطؤ الاستيعاب الصيني عند مستويات أدنى من متوسطات العام السابق، واتساع الخصومات المفروضة على البراميل الإيرانية نتيجة تزاحم الشحنات وارتفاع المخاطر القانونية والتأمينية، مع تصاعد كلفة التمويل كلما طال أمد بقاء المخزون في البحر.
ويقود هذا التراكم إلى اتساع الفجوة بين القيمة النظرية للصادرات وبين السيولة الفعلية القابلة للاستخدام، بحيث يتحول ارتفاع الحجم المُحمَّل إلى مؤشر على ضغط تصريفي واختلال في دورة رأس المال أكثر منه دليلا على قوة مالية.
بينما يتبلور هذا المسار في حال جاء تسارع التحميل استباقا لأي تضييق إضافي، مع إعادة تموضع المخزون بعيدا عن الخليج لتقليل الانكشاف المباشر على مضيق هرمز، وبناء قنوات مقايضة وتحوط تتيح استمرار تدفق السلع الأساسية حتى في حال تعقّد التحويلات المصرفية.
ويمنح هذا الترتيب مرونة في إعادة ضخ البراميل سريعا إذا تغيرت البيئة السياسية أو انفرجت شروط السوق، مما يحوّل المخزون من عبء تمويلي إلى احتياط تكتيكي قابل لإعادة التوظيف ضمن معادلة المخاطر.
ويتحدد المسار الفعلي وفق جودة التحصيل، وسرعة تحويل الصادرات إلى سيولة فعلية، ومستوى كلفة المخاطر المضمّنة في كل برميل يتم شحنه أو الاحتفاظ به.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة