بريتوريا – فتحت جنوب أفريقيا الشهر الجاري تحقيقا بشأن تجنيد شركات روسية نساء محليات وسط شكوك في إرسالهن للعمل في مصانع تنتج طائرات ( كاميكازي ) المسيّرة المستخدمة في الحرب الأوكرانية، الأمر الذي يكشف عن تحول جذري في منطقة ألابوغا الاقتصادية الخاصة في روسيا ، من مشروع تنموي إلى مركز لإنتاج أسلحة الدمار، مستغلة في ذلك النساء الشابات من أفرييقيا.
تأسست منطقة ألابوغا الاقتصادية الخاصة في 24 يوليو/ تموز 2006 بقرار حكومي روسي، وتقع في جمهورية تتارستان، على بعد 200 كيلومتر شرق كازان و1000 كيلومتر شرق موسكو ، وتمتد على مساحة إجمالية تبلغ 1024 هكتارًا.
كانت الرؤية الأولى لمنطقة ألابوغا تتمحور حول إنشاء مركز صناعي متطور يجذب الاستثمارات الأجنبية ويساهم في تنويع الاقتصاد الروسي، وقد خصصت الحكومة الروسية استثمارًا أوليًّا قدره 12.5 مليار روبل (400 مليون دولار) بأسعار صرف عام 2006، لتطوير هذا المشروع الطموح على مدى 8 سنوات.
نجحت المنطقة بصورة ملحوظة بين عامي 2006 و2014 في جذب الاستثمارات المدنية، وحسب تقرير لوزارة التنمية الاقتصادية الروسية لعام 2018، استقطبت المنطقة استثمارات في قطاع السيارات شملت مصنع سيارات فورد الأميركية الذي افتتح في 2015 ومصنع إيسوزو في 2018، إضافة إلى استثمارات في الصناعات الكيميائية وصناعة الأغذية، وبحلول عام 2018، وصل إجمالي الاستثمارات إلى 180 مليار روبل (2.8 مليار دولار).
مع بداية العقوبات الغربية عام 2014، بدأت منطقة ألابوغا التحول تدريجيًّا نحو الإنتاج العسكري، وفقًا لتقرير معهد العلوم والأمن الدولي الصادر في 28 يوليو/ تموز 2025، تسارع هذا التحول بشكل كبير مع بداية الحرب في أوكرانيا .
تنتج منطقة ألابوغا حاليًّا نوعين رئيسيين من الطائرات المسيّرة، وفقًا لتقرير معهد العلوم هما:
تكشف صور الأقمار الصناعية العالية الدقة التي حللها المعهد في يوليو/ تموز 2025 عن توسعات ضخمة في المنطقة، وهذه التوسعات تشمل مئات من المباني السكنية الجديدة قيد الإنشاء لاستيعاب عمال إضافيين، و12 مساحة عمل جديدة مرئية في الصور الجوية، بقدرة استيعابية تصل إلى 41 ألف عامل إضافي عند اكتمال البناء.
يستهدف المصنع حاليًّا إنتاج 300 طائرة مسيّرة يوميًّا، وفقًا للتقرير، وتعمل المصانع 18 ساعة يوميًّا في ثلاث 3 نوبات عمل، 6 أيام في الأسبوع مع يوم راحة واحد فقط للوصول إلى إنتاج سنوي 109 آلاف و500 مسيرة.
وفقًا لبيانات وزارة الصناعة والتجارة الروسية، بلغ إجمالي الاستثمار في التوسعات الجديدة 3.2 مليارات دولار عامَي 2024 و2025.
يعمل برنامج (ألابوغا ستارت) بواجهة تعليمية، وحسب تقرير المبادرة العالمية ضد الجريمة المنظمة الصادر في مايو/ أيار 2025، يقدم البرنامج ظاهريًّا، تدريبا مهنيًّا لمدة 10 أشهر للشابات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18 و22 عامًا، براتب تدريبي قدره 25 ألف روبل شهريًّا، (270 دولارًا)، مع وعود بالحصول على شهادة مهنية معترف بها دوليًّا.
لكن واقع البرنامج يكشف أن المشاركات يعملن من 10 إلى 12 ساعة يوميًّا في خطوط الإنتاج، ولا يتلقين سوى ساعتين أو 3 ساعات من التدريب النظري أسبوعيًّا، وطبيعة العمل الحقيقية تتمثل في تجميع مكونات الطائرات المسيّرة العسكرية، وليس التدريب المهني كما هو معلن.
ويترك 40% من المشاركات البرنامج خلال الأشهر الثلاثة الأولى بسبب ظروف العمل القاسية.
ووفقًا لتقرير المبادرة العالمية ضد الجريمة المنظمة؛ شهدت أعداد العاملات الأجنبيات في منطقة ألابوغا نموًّا مثيرًا للقلق، ففي عام 2023، كان ثمة 22 عاملة أجنبية فقط، معظمهن من بوركينا فاسو وإثيوبيا، مع عاملتين فقط من جنوب أفريقيا كتجربة أولية، وبحلول منتصف عام 2024، ارتفع العدد إلى 182 عاملة، بنمو يبلغ 727%.
وتستهدف روسيا تجنيد 5600 امرأة جنوب أفريقية بحلول عام 2026، ضمن إجمالي مخطط يصل إلى 8500 عاملة من جميع الدول الأفريقية، ما يكشف عن استراتيجية توسع تستهدف القارة الأفريقية.
وحسب تقرير المبادرة؛ تستخدم الشبكة الروسية آليات خداع متطورة لجذب الضحايا، وتبدأ العملية بوعود كاذبة بوظائف في الفنادق والمطاعم، مع رواتب مرتفعة تصل إلى 800 دولار شهريًّا، وتدريب مهني معترف به دوليًّا، وفرص للحصول على الإقامة الدائمة في روسيا، لكن الواقع يكشف عن العمل في مصانع الطائرات المسيّرة، ورواتب منخفضة تتراوح بين 200 و300 دولار بعد الخصومات، وساعات عمل مفرطة تصل إلى 12 ساعة يوميًّا، وقيود صارمة على الحركة والتواصل.
في مايو/ أيار 2025، وقعت رئيسة تحالف النساء التجاري لبريكس في جنوب أفريقيا الأميرة ليبوغانغ زولو، اتفاقية مثيرة للجدل مع منطقة ألابوغا الاقتصادية الخاصة وشركة إيتالون سترو أورال الروسية.
وتحالف النساء التجاري لبريكس تأسس عام 2019 ضمن مبادرة بريكس للتمكين الاقتصادي للمرأة، بهدف معلن يتمثل في تعزيز التجارة والاستثمار بين نساء دول بريكس.
ومنطقة ألابوغا الاقتصادية الخاصة هي شركة مساهمة مفتوحة روسية برأس مال يبلغ 45 مليار روبل، (500 مليون دولار). أما شركة إيتالون سترو أورال، فهي شركة متخصصة في مقاولات البناء والإنشاءات بحجم أعمال سنوي يبلغ 2.3 مليار دولار في عام 2024، ودورها في الاتفاقية يتمثل في توفير السكن والخدمات للعمالة الأجنبية.
تنص الاتفاقية على تجنيد 5600 امرأة جنوب أفريقية للعمل في روسيا خلال فترة تنفيذ تمتد من 2025 إلى 2026، أي 18 شهرًا، براتب معلن قدره 800 دولار شهريًّا، وفقًا لنسخة من الاتفاقية حصلت عليها المبادرة العالمية ضد الجريمة المنظمة، وهذا يعني إجمالي رواتب سنوية تبلغ 53.76 مليون دولار، لكن مع خصم 40% لتكلفة السكن والإعاشة، يصبح صافي الرواتب المدفوعة 32.26 مليون دولار سنويًّا.
لكن الشروط المخفية تكشف عن حقيقة أخرى، فبحسب شهادات العائدات في تقرير المبادرة العالمية؛ فإن العقود الفعلية تمتد لثلاث سنوات وليس 18 شهرًا كما هو معلن، مع منع السفر خارج المنطقة من دون إذن، ومصادرة جوازات السفر "لأغراض أمنية"، وفرض غرامات مالية في حالة ترك العمل مبكرًا.
تأتي الاتفاقية في سياق علاقات تجارية قوية بين جنوب أفريقيا وروسيا، حيث تبلغ قيمة التبادل التجاري 3.9 مليارات دولار سنويًّا وفقًا لبيانات وزارة التجارة والصناعة الجنوب أفريقية.
وتصدر جنوب أفريقيا إلى روسيا موادّ بقيمة 1.8 مليار دولار، معظمها من المعادن الثمينة والمنتجات الزراعية، بينما تستورد من روسيا موادا بقيمة 2.1 مليار دولار، خاصة في مجال الطاقة النووية والأسمدة والمعدات، ما يوجِد عجزًا تجاريًّا قدره 300 مليون دولار لصالح روسيا.
جمعت المبادرة العالمية ضد الجريمة المنظمة شهادات من 23 امرأة عائدة من روسيا وفق معايير صارمة خلال الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني إلى أبريل/نيسان 2025.
تحكي نوميسا مالانغا، البالغة 24 عامًا من جوهانسبرغ، قصتها في تقرير المبادرة العالمية: "وُعدت بالعمل في فندق 4 نجوم في كازان، وعندما وصلت، أخذوني إلى مصنع في مكان يسمى ألابوغا، وقالوا لي إن العمل مؤقت لحين توفر وظيفة الفندق، وبعد شهرين، اكتشفت أننا نصنع أجزاء لطائرات تُستخدم في الحرب. لم أكن أعرف ذلك". عملت نوميسا 8 أشهر من يناير/ كانون الثاني إلى أغسطس/آب 2024، بمعدل 11 ساعة يوميًّا، وحصلت على 250 دولارًا فقط بدلًا من الـ800 دولار الموعودة، وكان عملها يتمثل في تجميع مكونات إلكترونية صغيرة.
تواجه جنوب أفريقيا أزمة بطالة حادة تجعل الشابات فريسة سهلة للاستغلال، وفقًا لهيئة الإحصاء الجنوب أفريقية في تقرير الربع الثاني من 2025، ويبلغ معدل البطالة العام 32.9%، لكن الوضع أكثر خطورة بين النساء الشابات، إذ ترتفع النسبة إلى 48.2% بين النساء تحت سن 34 عامًا، وفي المناطق الحضرية، تصل البطالة إلى 35.7%، بينما في مقاطعة غوتنغ، التي تشمل جوهانسبرغ ومعظم عمليات التجنيد، تبلغ النسبة 31.4%.
ويبلغ متوسط الدخل الشهري للعمال غير المَهَرة في جنوب أفريقيا 3500 راند (185 دولارًا). في المقابل، يبدو الراتب المعروض في روسيا البالغ 800 دولار جذابًا، حتى مع ارتفاع كلفة المعيشة في روسيا بنسبة 60% مقارنة بجنوب أفريقيا، فإن صافي الفائدة المالية المتوقعة يتراوح بين 120 و150 دولارًا إضافية شهريًّا، ما يجعل العرض مغريًا للشابات اليائسات.
وتقدر التحويلات المالية من العاملات في روسيا، وفقًا لدراسة معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا بنحو 32.26 مليون دولار سنويًّا، ما قد يساهم في تخفيف ضغط البطالة بانخفاض طفيف يبلغ 0.02% في معدل البطالة العام. كما يمكن للعائدات اكتساب مهارات تقنية من البرنامج.
لكن التكاليف الاجتماعية أكبر بكثير من الفوائد المحتملة، ففقدان 5600 امرأة في سن الإنتاج يؤثر سلبًا في الاقتصاد المحلي، خاصة وأن 45% من المشاركات لديهن أطفال، ما يؤدي إلى تفكك الأسر، كما تقدر كلفة إعادة تأهيل العائدات بـ15 مليون دولار سنويًّا، تشمل الدعم النفسي والقانوني والاجتماعي.
أعلنت وزارة العلاقات الدولية والتعاون الجنوب أفريقية في 22 أغسطس/ آب الجاري فتح تحقيق رسمي في عمليات التجنيد، بالتعاون مع وزارة العمل ووحدة مكافحة الجريمة المنظمة، وذلك بهدف مراجعة تراخيص شركات التوظيف، والتحقق من الاتفاقيات الموقعة مع الجهات الروسية، وتقديم الدعم للضحايا، كما تدرس الحكومة إمكانية سحب الجنسية من المتورطين في هذه الشبكات.
وفرض الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران 2025 عقوبات صارمة على منطقة ألابوغا الاقتصادية الخاصة وشركة إيتالون سترو أورال، وفقًا للجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي، وتشمل العقوبات تجميد أصول لمنطقة ألابوغا بقيمة 45 مليون يورو (52.56 مليون دولار)، ومنع التعامل المصرفي معها، وحظر تصدير التكنولوجيا إليها، كما تم تجميد أصول لشركة إيتالون سترو أورال بقيمة 12 مليون يورو (14 مليون دولار)، ومنعها من عقود جديدة مع الشركات الأوروبية.
وتعمل مجموعة من العائدات حاليًّا مع محامين من منظمة (محامون لحقوق الإنسان ) لرفع دعوى قضائية جماعية ضد الشركات المتورطة، وفقًا لبيان المنظمة الصادر في أغسطس/ آب 2025، تضم الدعوى 15 امرأة عائدة بوصفهنّ مدعيات يطالبن بتعويضات مالية ومعنوية تبلغ 2.5 مليون دولار، وتشمل الجهات المدعى عليها شركات التوظيف المحلية والوسطاء الذين شاركوا في عملية الخداع والتجنيد.