آخر الأخبار

بلاغة الصورة والالتحام بالهم الإنساني.. قراءة تفكيكية في ديوان "ورود يوم القيامة" لحسين جلعاد

شارك

ينتمي الشاعر المبدع حسين جلعاد إلى المدرسة الحديثة في كتابة الشعر، دون أن تفقد قصيدته لحظة واحدة نبض صانعها الإنساني، وتحمل نصوصه بصمة التمرد، وتتأثث بتفاصيل الواقع والمكابدة اليومية، حيث يغدو الشعر عنده مرادفا للحياة؛ يلتقط نبضها الخفي، ويمسك بلحظات الفرح الهاربة بجرأة ترفض الاستسلام للوجع، مندفعا نحو غمار الحياة الصاخبة لإعادة اكتشاف كينونتها من جديد، يتأمل ويتنقل في عالم الإنسان والكون الذي يعيش فيه.

إن تجربته جديرة بالاهتمام، فهو شاعر مبدع بشهادة الجميع، شعره رسالة، هدفها الوعي، والإبحار في منجزه الشعري يضعنا أمام قصيدة فارقة تختزل لغة المكان وتستحضر شخوصه، متكئة على جزالة الأسلوب وطواعية اللغة وسلاستها؛ وهي لغة تجدف بجرأة في أفق التجديد لتكسر اغتراب الإنسان ومكابداته مع الحزن والوجع، مستثمرة تقنيات لغوية مذهلة تقود الرؤيا نحو مرافئ الوعي الصافي والشفافية الفنية.

ثمّة انفصال واع في ثنائية جلعاد (الشاعر والإعلامي)؛ فالإعلامي لديه لا يمرر للشاعر إلا أدوات الصياغة التي تلائم حرارة الموقف المشهود، ليعيد الشاعر إنتاجها بحسّ تأملي بليغ في أثناء معايشته لطقس الكتابة. ومن رَحِم هذا التمايز الإيجابي، يتخفف النص لديه من تقريرية المادة الإعلامية لتغدو قصيدته مرآة صادقة لفكره ورؤيته الوجودية؛ إذ لا تقف حدود تجربته عند مجرد رصد الحدث، بل تتجاوزه إلى قراءته فلسفيا وتحويله إلى موقف جمالي خالصا، لا سيما وهو يواجه فظائع حرب غزة، وجرائم الاحتلال، وحرب الإبادة والقتل الممنهج، محولا الأنين اليومي والدم المسفوك من مادة خبرية عابرة إلى صرخة وجودية تُوثق المأساة وتُقاوم المحو.

هذا التناغم الدقيق بين وعي الإعلامي وحساسية الشاعر هو ما يُرسخ اسم حسين جلعاد بوصفه علامة بارزة في جغرافية الشعر العربي الحديث، وتجربة إبداعية أصيلة تقف على قدم المساواة مع أكثر التجارب الشعرية إخلاصا وتميزا في المشهد الثقافي الراهن.

إعلان

والناظر في رحلة عطائه يرى أنه امتاز بنشاطه وغزارة إنتاجه وتنوع إبداعه في معظم ألوان الأدب، من شعر وقصة ودراسات نقدية ومقالات وترجمات وتحقيقات موسعة، إلى غير ذلك من ألوان الأدب الشائعة، حيث يتداخل نصّه الشِّعري مع عوالم سرده البديع، فيشكّلان حديقة مكتنفة بأشجار باسقة، متداخلة فيما بينها، تمرح في حدائقه أغرب الكائنات والأعشاب والطيور من كافة العصور، مجسدا لنا أدبا صافيا يعكس سيرورة شاعر وقاص معجون من شهقة إنسان، يستأنسُ مؤانسةَ الإنسان، لهذا نراه ينظر أبعد مما يتيح له المداد من فسحةِ التَّأمُّلِ، فيبني عبر خياله ممالك الإنسان المنهارة، ومن خلال هذه الرؤية يبدو وكأنَّه غير راض عن واقع الحال حاله وحال إنسان هذا الزّمان، مما يدفعه إلى تشكيل يوتوبيا خيالية بديعة، يتعالى بها على تصدُّعات الوجود الراهن، والخراب الذي يعتمل في وجدان الذات المعاصرة.

لقد جاء (حسين جلعاد) ليقول، بكل ثقة وقوة، أنَّ الشعر ما زال بخير، وأنّ له أهله المدافعين عن أصالته وجماله وسحره، وتتبدى القراءة الفاحصة لديوانه (ورود يوم القيامة) واعية بمركزية العنوان بوصفه "العتبة النصية الأولى" الحاملة لثقل الدلالة الكلية والموجهة لأفق التلقي؛ فالإبحار في دلالات هذا العنوان يستقيم بصورة أدق عند مقارنته وتأويله في ضوء العبارة الاستهلالية المتمثلة في إهدائه المقاوم: (إلى غزة وأهل غزة والصبح إذا تنفس)، حيث يتقاطع الموت والبعث والأمل في سياق رؤيوي واحد.

وامتداداً لهذا التميز الحاضر في وعيه الفني، يطل علينا ديوانه الجديد حاملاً إبداعاً مغايراً على مستوى الرؤية والبنية، والطرح والجماليات؛ فتراكيبه مدهشة، وصوره البلاغية بالغة الإحكام، وليس هذا بمستغرب على شاعر بوزنه؛ إذ إن منجزه المتراكم عبر دواوينه السابقة يفصح عن سعي حثيث لاستنطاق الوجود والواقع والتاريخ بروح شاعرة لا ترتهن للمستهلك السائد في المشهد الشعري، بل تنشد التميز والفرادة؛ وهي الخصيصة الأسلوبية التي تبدت بكامل نضجها وتجلياتها في الديوان الذي تقاربه هذه الدراسة.

لقد تضافرت البنية المضمونية التي اشتغل عليها الشاعر مع إستراتيجياته التعبيرية لتقديم تجربة شعرية ملتحمة بالهمّ الإنساني العميق؛ إذ تتخلق في فضاء الديوان، على مستويي الشكل والدلالة، تيمات وجودية حارقة كالموت والقتل والقهر والفقر. ولما كان التشكيل الجمالي هو المزية الفنية الاستثنائية التي تمنح الشعر خصوصيته، فقد نجح النص في محاكاة الواقع الراهن بمآزقه، وإحباطاته، وصخبه الوجودي. وقد تراوحت البنية التركيبية لقصائد جلعاد بين الصياغات الخبرية والإنشائية؛ بوصفها أدوات جمالية تضافرت لتشكيل لوحة مشهدية متكاملة الدلالة والألوان، وهو ما يتضح جلياً في مطلع المقطوعة الثالثة التي استعارت عنوان (شعبٌ في الاستعارة)، إذ يقول فيها:

« في كل شارع بغزة

تفوح رائحة المسك

هذه رائحة الشهداء»

إن البنية المعمارية لهذا العمل تتأسس على مفهوم (الديوان القصيدة)، أو (القصيدة الديوان)؛ حيث يتلاحم النص من مطلعِهِ إلى ختامه في دفق شعوري ورؤيوي متصل، يشكل كلا موحدا تتعدد مستوياته التعبيرية وتتشابك أبعاده الفنية. إنها كتابة مغموسة بملوحة الرمل، وهدير الموج، وقانية الدم، تشتبك حروفها اشتباكا حادا مع فظاعة المجزرة وحركة المشهد المعيش. وتكمن جمالية هذا البناء الشعري في قدرة الشاعر على صياغة رؤية غائية متكاملة تنأى عن الاستغراق في الفرعيات والنثريات، متجهةً نحو صهر ثنائية (الزمان والمكان) عبر جدلية الجغرافيا والتاريخ. وتتجلى هذه الشاعرية الفذة في قدرتها على توزيع تضاريس المكان على تطلعات الزمان داخل سياق واقعي يطفح بالحروب والاضطرابات، وينكفئ نحو انهيار القيم الوجودية، وتشرذم الذات الإنسانية، واستلاب الحرية، واغتيال الحب؛ وهو ما تصوره القصيدة في اللوحة الثانية التي حملت عنوان (خزائن الثياب)، إذ يقول:

إعلان

«حياتنا مقضومةٌ

كنصف تفاحةٍ

ملقاةٌ عند حافة النافذة

وعلى

مهل

تنقرها العصافير»..

إنّ ما يميز كتابة الشاعر حسين جلعاد في هذا الديوان هو مقدرته الواضحة على المزج بين واقعية الكلمات والمعاني من ناحية ورمزية اللغة الشعرية المتخيلة، وقد لجأ الشاعر في هذا الديوان إلى الصورة الشعرية، إلى المجاز المتحرر من سلطة النظم الإيقاعية بإحالة المعنى لتكون بديلاً عن الإيقاع الخارجي، وهذا هو شأن شاعرنا في كل ديوانه، فهو يحاكي كل شيء برمز شفيف لطيف غير موغل بالغموض، تاركاً للقارئ كثيراً من مساحات التفكير، ولكنه يسلمه، كذلك، كثيراً من مفاتيح الفهم الكفيلة باستنطاق دلالات النص.

الصور الشعرية

والصور في ديوان "ورود يوم القيامة" ليست صورا بسيطة بل هي صور مركبة ومعقدة وتحتاج إلى الصبر والأناة لفهمها مع ثقافة للدخول إلى عالم حسين جلعاد الشعري، والمعنى في شعره مفتوح على المدى ويحتمل العديد من القراءات. كقوله:

« ألهو بالكلام

لأدفع الموت عني

أعدُ أصدقائي

واحداً

واحداً

وهم يتهمونني بالخيانة».

لقد استطاع الشاعر التعبير عمّا يختلج بداخله بواسطة الصور البليغة المتنوعة التي يمتلئ بها الديوان، بلاغة مكنت الشاعر من الإمساك بالحالة النفسية، وتجسيدها، فيصبح ما في داخل الإنسان مرئياً، واستطاع الشاعر اصطياد الحالة النفسية، ورسمها بأجمل الصور، حيث يغدو المعنى لديه بؤرة مفتوحة على المطلق، وتتعدد في أفيائه المقاربات التأويلية، ومن خلال هذه الهندسة التصويرية البليغة والمتنوعة التي تؤثث المتن، نجح الشاعر في استنطاق مكنونات الذات واختلاجاتها؛ في اشتغال بلاغي مكنه من الإمساك بتموجات الحالة النفسية وتحويلها من سياقها المجرد إلى كينونة مرئية تشخصها العين. إن الشاعر هنا يمارس طقسا أسلوبيا يقوم على "اصطياد" اللحظة الانفعالية الهاربة، وإعادة صياغتها في قوالب بصرية فائقة العذوبة والجمال.

وإزاء هذا التميُّز الجمالي في بنية شعرية أساسها اللحمة الشعرية في قصيدة واحدة، والتقاؤها على موضوع واحد، فإن التأويل يتوجب أن يكون موازياً لأية قراءة نقدية جمالية، وكما يقول تودوروف فإن عملية التأويل (تفصل المتلاحم، وتجمع المتباعد)، لأن التأويل يشكِّل النص في فضائه الدلالي، وليس في خَطِّيته، وهذا لا يمنع من تعدد التأويلات، فالدائرة التأويلية تسلِّم بضرورة وجود الكل وأجزائه، ولكن دوائر التأويل لا تتساوى، فهي تسمح بالمرور عبر عدد يكثر أو يقل من نقاط الفضاء النصي؛ أي أن تأويل النص الشعري يمتاح من لغة النص وجمالياته، وتتسع دوائر التأويل أو تضيق تبعاً لإستراتيجية القراءة، وما ارتكزت عليه نصيّاً.

ومن ثمَّ، فإنَّ استنطاق النص الشعري يظل مشروطاً ببنيته اللغوية والجمالية، حيث تتسع مسارات التأويل أو تضيق تساوقاً مع إستراتيجية القراءة وتمترسها النصي، وإذا تأملنا قصائد الديوان نجد أن محاور التعبير التي اعتمد عليها الشاعر في بناء قصائده الشعرية على وجه العموم وفي مستوياتها المختلفة: الإيقاعي والأسلوبي والتشخيصي واختيار اللغة والمضمون كانت من منظور إنساني وجداني خالص. وسيتأصل نهجنا في مقاربة الديوان بالنظر إلى غائية الرسالة التأويلية الكبرى عبر قنوات المقاطع الجزئية، متوخين تبيان وجوه الإضافة الإبداعية التي كرسها الشاعر في فكره، ولغته، وأسلوبه، واشتغاله الأدبي، ومحققاته الصورية، وانزياحاته الرمزية.

تتبدى في اللوحة الاستهلالية للديوان، والتي حملت عنوان (على حافة النفق)، إستراتيجية "مسرحة النص الشعري" برؤية جمالية مفارقة، تكسر حدود الجغرافيا الضيقة للمسرح الفيزيائي التقليدي لصالح فضاء درامي متخيّل. هذا المفهوم المشيد نثرياً وتنظيرياً في وعي الشاعر، استحال في الممارسة الشعرية دفقاً وجدانياً متوهجاً، يتعالى على الأسلوب التقريري المباشر. وتلك هي الخصيصة الأسلوبية الملازمة لتجربة جلعاد؛ إذ يرتكز على رمز شفاف ومؤثر يتجنب التيه السريالي، فيوازن باقتدار بين منح القارئ حرية التأويل وإنتاج الدلالة، وتسليمه مفاتيح الولوج المعرفي الموجهة نحو جوهر الرؤيا، لا سيما في هذا المقطع الدال:

إعلان

«شعبٌ واقفٌ في الاستعارة

نقرأُ سيرته في بلاغة الكتب المقدسة

يذهبُ إلى الله

في عربات الملائكة

ويعود إلى الأرض

في حبات المطر».

إن العتبة الإجرائية التي يقيمها الشاعر تؤسس لتخوم فضائه الإبداعي الخاص، وتدعو القارئ إلى تأثيث وعيه للاستعداد لمكابدة السفر معه؛ حيث يتجلى هذا الترحال كتحليقٍ (زمكاني) تندمج فيه الأبعاد. فالمقاربة المكانية تشتبك مع أرض غزة وما يحيط بها من دمارٍ وامتدادات، متأرجحةً بين حافة النفق وفضاءات بلاد العم سام، وبين الطائرات المغيرة وخيام النزوح، ومن ضفاف البحر إلى غابات الفقد، ومن دروب الفجيعة إلى عربات الإسعاف وثلاجات الموتى. هذا التموضع المكاني يوازيه إبحارٌ زمني يستمد طاقته من لحظة التأسيس التاريخية في 7 أكتوبر/تشرين الأول ومآلاتها المفتوحة. وعبر هذا التقاطع، يمارس جلعاد طقساً لتفكيك المسميات وإعادة صياغة كينونتها؛ فالموت في رؤيته الفلسفية فارقَ نمطيته الرتيبة واستحال ظاهرةً متعددة الأوجه، وهو ما يجسده في هذا المقطع المشحون بالملحمية:

« صفع السنوار ضابط التحقيق

فتناثرت أسنان الجيش الذي لا يقهر

في السابع من أكتوبر،

وقف التاريخ على حافة النفق،

ينصت لصوت خشن:

هنا،

تبدأُ القصيدة

ولا تنتهي…».

مصدر الصورة الشاعر والصحفي الأردني حسين جلعاد (الجزيرة)

ويتأسس الاشتغال الأسلوبي في المتن الشعري لجلعاد على تجسير المسافة بين المادي والمعنوي، وإعادة إنتاج العلاقة بين المحسوس والمجرد؛ حيث تتقاطع عناصر الطبيعة ومخلفات الفجيعة—من قمرٍ، وبحرٍ، ورملٍ، وأشلاءٍ، ودماء—في صيرورةٍ حلولية تتلاشى معها الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر، والتاريخ والجغرافيا، والواقع والمتخيَّل. إنها رؤيةٌ حفرية تتخذ من اللغة أداةً ومن الخيال محركاً، لتنحرف بالدلالة الحقيقية نحو انزياحاتٍ ومجازاتٍ بكر تغاير دلالاتها الوضعية الأصلية. هذا التناص الأجناسي يبرهن على رغبة الشاعر في استدعاء قوالب تعبيرية شتى وتذويبها في جسد القصيدة، لتصبح البنية الشعرية وعاءً صاهراً لأشكالٍ إبداعية متمايزة، وهو ما نلمسه في هذا التدفق الشعوري:

« نذهب إلى الحرب

كما نذهب إلى الحب

بكامل أناقتنا

بالشغف

والهتاف

والرمان»..

وتتبدى "الحرب" في الفضاء النصي للمجموع بوصفها بؤرة رؤيوية يستعين بها الشاعر لاستكشاف جغرافيا غزة وهويتها الإنسانية والتاريخية عبر تفاصيل شوارعها ومخيماتها وبحرها. هذا الحضور المكثف تبرهن عليه إحصائية اللفظ؛ إذ تكررت المفردة إحدى وعشرين مرة، مهيمنةً على استهلاليات المقاطع، بيد أنَّ هذا التواتر يفارق غوائل الرتابة الأسلوبية، ليتحول إلى طاقة إنتاجية تمنح الدال في كل مرة شحنةً مدلولية مغايرة يفرضها السياق التعبيري الجديد. إنَّ "الحرب" هنا تتحول إلى حقلٍ مفهومي تتراكم داخله التجربة الإنسانية، مما يفرض على المقاربة النقدية تفكيك آلية التكرار على مستويين متكاملين: مستوى ظاهري (سياقي مباشر) يدرس الهيكل اللفظي والمجاورات التركيبية للكلمة، ومستوى باطني (تأويلي عميق) يغوص في ما وراء اللفظة من أبعاد وجودية ونفسية، وهو ما يختزله الشاعر في هذا المقطع المشهدي المؤثر:

« في الحرب

يعلق الناس على رقابنا أحذية العيد

وخصام الزوجات

وعناد الأطفال

وينامون جنبنا

على درج المستشفيات».

تنهض اللوحة الرابعة والختامية في البنية المعمارية للمجموع، والتي حملت عنوان «قصيدةٌ لا تنتهي»، كبؤرة دلالية تختزل الرؤيا الكلية والموقف الوجودي والسياسي للشاعر؛ إذ يعيد من خلالها صياغة المكنونات الجوانية بلغة بالغة العذوبة والتمكن البلاغي. وتتبدى القصيدة هنا كبيان ثوري يرمي إلى كسر أغلال الارتهان وتجاوز حالة العجز القومي، واقتناص ومضات الضياء لإعادة مراجعة الذات والتاريخ المعاصر من منظور مغاير، لا سيما في ظل ما تشهده الساحة العربية من خذلان وتواطؤ تزامناً مع حرب الإبادة على غزة وفظاعة جرائم الاحتلال. ويتجلى هذا التوجه الصادم والملتحم بالوجع القومي في قوله:

«أيها الخونة

شكراً لكم

أنا الناجي الوحيد

من أمة عربية واحدة».

وفي المقطع الأخير من القصيدة يضعنا الشاعر أمام سيل من الصفعات المباغتة الصادقة المليئة بالمعاني الجديدة والإشارات والإيحاءات المدهشة، وما بين «الباقة الأولى» و«الباقة الرابعة»، تبقى أسئلة الشاعر تدقّ ناقوس الخطر كي يصحو العربي من سباته. وها هو الشاعر يختم القصيدة بقوله:

إعلان

«أيها الخونة

سأرسل لكم جميعاً من تحت الأنقاض:

بصقة واحدة».

ختاماً، بقي أن أقول إنَّ التغلغل في بنيات ديوان (ورود يوم القيامة) يضعنا وجهاً لوجه أمام متن شعري مغاير، نجح في القبض على اللحظة الانفعالية الحارة، وصهرها في قوالب بلاغية بالغة الدقة لتستحيل إلى تشكيلات بصرية مشهودة.

لقد استبطن الشاعر حسين جلعاد مأزق الذات الإنسانية ومكابداتها وسط لهيب الحرب برؤية نقدية وحسّ تأملي راسخ، مستثمراً تقنيتي التواتر البنيوي والتداخل الأجناسي كإستراتيجيات أسلوبية لتوليد فضاءات دلالية مستمرة التوالد؛ وهو ما أتاح للنص انفتاحاً تأويلياً يمنح القراءات المتعددة شرعيتها تَبَعاً لآليات التلقي.

إن هذا المنجز الشعري لا يسدل الستار على وعي القارئ، بل يفتحه عن آخره على دروب التنوير والمراجعة التاريخية، مبتعثاً بخياله ممالك الكينونة المنهارة لتقف قصيدته المسترسلة حائط صدٍّ في مواجهة التشظي المعاصر. ومن هنا، يكرس جلعاد فرادته بوصفه علامة فارقة في صون جوهر الشعر وسحره، كاتبا بوعي كوني وشغف حقيقي، لتبدو قفلة العمل الصادمة صرخة ممتدة من تحت الهدم، تأبى الارتهان وتستدعي الكرامة الإنسانية في أبهى تجلياتها.


* ناقد وشاعر أردني
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار